As Safir Logo
المصدر:

مشاريع الإذاعة والتلفزيون في الإعلام 1: »أفلام نناقشها ونتخرج«

لقطة من احد الافلام تظهرعبيد في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي خلال أسره
المؤلف: بيطار راني التاريخ: 2004-07-07 رقم العدد:9837

انها الجامعة اللبنانية. كلية الاعلام والتوثيق. الفرع الأول. وطلاب السنة الرابعة في قسم الإذاعة والتلفزيون يعرفون ذلك. خمسون طالبا. عشرون مشروع تخرج. عشرون فيلما من المفترض انها افلام وثائقية. مناقشة مشاريع التخرج دامت ثلاثة ايام: الاربعاء والخميس والجمعة من الاسبوع الماضي. لجنة المناقشة تألفت من خمسة اساتذة، نهوند القادري عيسى، أحمد زين الدين، حبيب رمال، المخرج عدنان ياسين ورئيس اللجنة محمد محسن. لكن يصعب الكلام عن المشاريع، وعن المناقشة. اي معايير يطبق المتابع لينتقدها؟ هل يتكلم عن الكلية؟ عن الاساتذة؟ عن المنهاج؟ عن التطبيق؟..الخ، ام يجعل فئته المستهدفة الطلاب بحد ذاتهم؟ الطلاب اصحاب المشاريع الذين انهوا مرحلتهم الجامعية. في كلية الاعلام الفرع الاول، تشير المراقبة الى صعوبة المحاسبة والتقييم على الاسس ذاتها. فالجامعة وان قدمت للجميع الشيء نفسه فهي لا تقدم كل شيء. الأمر بديهي طالما نتكلم عن اللبنانية بامكانياتها المتضائلة. والطلاب يختلفون في مستوياتهم الاجتماعية وان تقاربوا. فتجد بعضهم ربما غير قادر على دفع تكاليف تضمن له مشروعا جيدا كالذي يفكر فيه. طلاب الاعلام لا يملكون التقنيات والمهارات نفسها ولا التحصيل نفسه. بينهم من لا يحضر اساسا دروسه المقررة. بينهم من لا يجد ان الامر يستحق العناء. وبينهم من لا يثابر ويبحث ويجتهد ليطور ذاته ويجد بديلا عما لا تستطع ان تقدمه الجامعة له كما يوجد العكس. بينهم من يحضنه تلفزيون »كالمنار« ومن يعد فيلمه عن بو رقيبه. وبينهم طبعا الذي يحاول والذي يبحث ليقدم فيلما مقبولا ويستفيد من تجربته ولو كانت الاولى. في تقديم ومناقشة المشاريع في الاعلام، الطلاب لا يتابعون ولا يشجعون بعضهم البعض. الاهل غائبون. الحضور يتفاوت. الثرثرة مستمرة ودائمة. هو اختصاصهم. لا مناقشة. وحدها لجنة التحكيم تناقش الطلبة اصحاب المشروع. اللجنة تبلع الموسى. تريد ان تحاسب لكنها تعرف القدرات المتوفرة. فتنتقد وتعود لتقول »يعطيكم العافية منيح اللي طلع معكم هيك«. في مشاريع الاعلام وفي مناقشتها، بنسبية ومن دون تعميم، هناك من هو غير معني، »مش قابضها جد«. منهم من لا يحمل نفسه المسؤولية. منهم المتلهف ليعرف النتيجة، وان كان عمله ضمن الفئة الاولى، اي علامته جيدة جدا. ربما الطلاب على حق. ربما ما يتعلمونه غير كاف. ربما بحاجة الى اساتذة اختصاصيين اكثر. ربما الجامعة غير مجهزة بما يكفي لهذا الاختصاص. ربما التطبيق نسبته متدنية وربما وربما. لكن هم يعرفون انهم في كلية للجامعة اللبنانية. وهم بالطبع لديهم فكرة مسبقة. صبية خريجة، بكامل اناقتها، تصرح: »مهما كانت الافلام دون المستوى المطلوب فلا يمكن ان نحمل الطلاب أكثر من خمسة بالمئة من المسؤولية. لاننا توقفنا شهرين بسبب الاضراب ولاننا لم نتعلم تقنيات صناعة فيلم وثائقي الا في سنة رابعة، يجب ان نتعلم ذلك قبل الرابعة. وصلنا في النهاية ان نريد أن نصنع فيلما حتى نتخرج«. هذه الفتاة وغيرها من الطلاب لديهم نزعة بالتهرب من المسؤولية وليس تقاسمها. ورغم كل ما يذكرونه عن ان المشروع هو عملهم التطبيقي الاول، وانهم لا يتعلمون الاخراج، وانهم لا يملكون الخبرة وانهم، وانهم، الا انهم لا يحملون أنفسهم عناء البحث والتعلم والتعب. ولا تجد مبررا لضعف وهشاشة انتاجهم واخطائه التي يمكن تلافيها. ما يشجع هو ان من الطلاب من تعامل مع مشروع التخرج بايجابية وحاول الاستفادة من تجربته. فمنال العقاد احبت الشغل وقالت: »كنا ننفذ ونتعلم في ذات الوقت. مثلا، نصور فنتعلم التصوير. في البدء كان عملنا اعتباطيا وارتجاليا، نصور لقطات ومشاهد كيفما كان، انما اخذنا نتعلم، ورغم كل ذلك اكتسبنا انا وزميلاتي خبرة واستفدنا من ان نعد ونصور فيلما«. رانا ابي جمعة ايضا احبت العمل واكتسبت منه خبرة انما تفضل لو كانت هي وزملاؤها ملمين باسس صناعة الفيلم الوثائقي اكثر وان »يكون الشغل مارق على راسنا قبل، لا أن نأتي بمصور ونقول له صور بينما نحن بعيدون عن الجو«. منهم من وجد انه لاول مرة يشعر وكأنه طالب اعلام بحق. هذه حال رامي نجم، »فهو اول عمل تطبيقي فعلي ننجزه خلال الاربع سنوات، شيء جيد رغم اننا غير محضرين جيدا لذلك، فقلة الخبرة تلعب دورها وهذا واضح في الافلام«. محمد شمس الدين لم يكن يعتقد انه سيستفيد بأي شيء، »وصلنا للسنة الرابعة وما اعطي لنا ليس قويا لذلك خبرتنا ليست كبيرة. جاءت خطوة الفيلم جيدة جدا لنا. ينقص الواحد منا بعض التمرين، لكن هذا يأتي مع الوقت، فالجامعة والمتابعة الشخصية تكملان بعضهما البعض«. لمشروع التخرج عشرون علامة من اصل مئة وثمانين، ما يثير انتقاد الطلاب. أحمد حافظ يجد ان ذلك غير عادل: »فالمشروع يأخذ وقتا كثيرا وجهدا كبيرا ويكلف ماديا، اضافة الى انه لا يسمح لنا بالبدء بالتصوير قبل ايار مما يجعل معظم ايام التصوير والتنفيذ تتقاطع مع ايام الامتحانات او التحضير لها«. عناوين »اشتقنا، زكي ناصيف«، »قلة فرق«، »وما انتهت الحرب«، »امل بلا شوارع«، »اكثر من ام«، »انتفاضة الفكر«، »مذكرة تحر دائم«، »وعد الحرية«، »ويبقى الامل«. هذه من اسماء افلام الطلاب. عناوين كبيرة من النوع الثقيل لمشاريع يمكن وصف كثير منها بالخفيفة. ما »يعصّب« المشاهد هو ان العديد من هذه الافلام كانت تحمل افكارا جيدة تصلح بالفعل لان يبنى عليها فيلم وثائقي بكل ما للكلمة من معنى. من هذه الافلام فيلم »العودة الى كفر.. متى« للطالبات منال العقاد ودانيا مصلح وريما عبدو. الفيلم يتكلم عن نموذج كفرمتى كقرية من قرى العودة التي لم يعد اليها مسيحيوها المهجرون. آراء للدروز. آراء للمسيحيين. ناس مع العودة وناس ضدها. تصوير جيد، مشاهد وكادرات جيدة. الا ان التسلسل وحبكة الفيلم والبحث له وحوله وتقصي المعلومات لم تكن كافية وواضحة. »بيروت... بيروت«. فيلم يبدأ من خطوط التماس ليصل الى وسط المدينة، الى حيث كان المسرح الوطني. يتحدث الفيلم عن بيروت الماضي وعن بيروت الحرب وبيروت اليوم من خلال البحث عن المسرح الوطني. الفيلم بدأ قويا وانتهى قويا عندما مزجت موسيقى جسر القمر للرحابنة وتوزيع زياد مع تسجيل صوتي لمسرحية لشوشو على مشاهد لخطوط التماس ذاتها. انما اليوم، صلب الفيلم ضاع عندما لم تستطع معداته ادارة ممثلين حقيقين أمثال احمد الزين وعمر ميقاتي وحسام صباح الذين جيء بهم ليكونوا شهودا على مرحلة وعلى مسرح انتهى كما زمنه، فقدموا مادة مفتعلة غير مقنعة وغير عفوية اضعفت الفيلم. من الافلام الجيدة، شكلا ومضمونا، فيلم »نضال، نساء في امراة« لحنين الاحمر ووفاء همدر ولارا السيد. الفيلم يوثق للفنانة نضال الاشقر. يتكلم عنها كمسرحية وحزبية وناشطة في فنون ومجالات متعددة. تميز الفيلم بمواده الارشيفية، بتقنيته الجيدة، بكادراته واضاءته. حركة كاميرا حاولت ان تبقى نظيفة. سجل عليه بعض المقابلات الطويلة وغير الضرورية إضافة إلى بعض المؤثرات التي لم تخدم لا الاخراج ولا المضمون. »من اشموريت الى جبشيت، رحلة حرية«، مشروع تخرج ساجد عبيد وحسن بدران. الفيلم يعرض لتسلسل الاحداث الزمني لعملية اطلاق سراح الاسير المحرر الشيخ عبد الكريم عبيد خلال سبعة ايام من سجنه في اشموريت في فلسطين المحتلة الى ضيعته جبشيت في الجنوب. الفيلم استفاد من ارشيف الاعلام الحربي للمقاومة وعرض مشاهد للمرة الاولى، كما ان الطالب ساجد عبيد ابن الاسير المحرر نفذ بنفسه المونتاج والغرافكس. واحضر وزميله الى الكلية الكاميرا والكومبيوتر اللذين استعملاهما في تنفيذ الفيلم. الفيلم من الاعمال الجيدة. تسلسله جيد ومنطقي وان طال في بعض الاحيان. التعليق بالاسلوب الذي نسمعه على شاشة »المنار«. الفيلم نجح في توثيق رحلة الشيخ لانه اختار اسلوب سرد الاحداث وفق تسلسلها الزمني واختار موضوعا مادته وارشيفه موجودان وكافيان. مستوى آخر من الافلام. طالبة مذيعة اخبار في مؤسسة اعلامية، المفترض انه لديها خبرة. قدمت فيلما رديء الصوت ولا تميز بين صوت المحيط (الاومبيونس) والصوت الاساسي الذي يسجل عبر مذياع يوصل الى الكاميرا. فيلمها وزميلتها يدور حول خطأ طبي يتسبب في موت الطفل رواد. حالة واحدة في الفيلم هي حالة رواد. ونقيب الاطباء السابق يطل ليقول كلاما لا يقدم ولا يؤخر في الموضوع. طبعا ليس النقيب هو الذي اختار هذا الجزء من كلامه ليضعه في الفيلم. الفيلم الذي حاول التأثير عاطفيا بمشاهد مركبة مصطنعة كأن تجد الوالد يتحدث وهو يحمل صورة ابنه المتوفى تارة وتارة اخرى كان الوالد يبكي او نشاهد مشاهد قديمة للطفل يلوح بيده. الا ان الفيلم ضعيف وكان يمكن لاحدى معدتيه ان تستفيد من تجربتها العملية في احدى المؤسسات كما فعل طلاب آخرون يعملون في مؤسسات اخرى. طالب آخر صور بما تيسر مخيما فلسطينيا من على شرفة منزل ويقول انه لم يسمح له بالتصوير داخل المخيم. والصور من داخل المخيمات نشاهدها يوميا اخبارا ووثائقيات. فتجده فيلما، مصدر المعلومات فيه واحد، يقوم على مقابلة واحدة اساسية مع فنان يتحدث عن أوضاع المخيم وتاريخه. تهتز فيه الصورة ويهتز الصوت، مثل »الجيلو« الهلامي كما شبهه احد الطلاب. هذه الاخطاء وجدت ايضا في افلام اخرى. معايير الفيلم الوثائقي بحسب لجنة التحكيم ووفق ما جاء في النموذج الذي يدون عليه الاعضاء علاماتهم لكل مشروع تضمنت كل العناصر بدءا من الفكرة وصولا للاخراج. وان كان ما يقوله كثير من الطلاب حقيقيا، وان اعفوا مثلا من المحاسبة على المونتاج والموسيقى والاخراج والمؤثرات الصوتية والتصوير والغرافكس والتعليق والسيناريو، الا تصبح محاسبتهم حقة على المعايير المتبقية؟. معايير مثل الفكرة والبحث والمقابلات والمعاينة الميدانية واهمية المعلومات والتسلسل والجانب الانساني والقضية (وفق نموذج اللجنة)؟ ما الذي يمنع طالب سنة رابعة اعلام (على المنهاج القديم، اصبح الآن ثلاث سنوات) لديه فكرة جيدة من ان يقوم ببحث جيد، كاف ومكتمل؟ ما الذي يعوقه كي لا يعرف طرح اسئلة واضحة ومباشرة اثناء المقابلات؟ كيف لا يتمكن الطالب من معاينة امكنة التصوير قبل التصوير وتقييمها والاختيار من بينها كي لا يقع في الارتجال والعشوائية؟ كيف لم ينتبهوا الى خلل في تسلسل الاحداث والافكار؟.. الخ. اجابات الطلاب اثناء المناقشة لم تكن بمجملها مقنعة او مبررة. رئيس اللجنة الدكتور محمد محسن قال عند بدء المناقشة: »نخرج صحافيين يعملون في مجال الاذاعة والتلفزيون ولا نخرج مخرجين. معليه اذا كان فيه اخطاء تقنية«. انما ما قدمه كثير من الطلاب لم يكن فقط ناقصا ومليئا بالأخطاء على المستوى التقني والفني، بل ايضا على مستوى المادة والمضمون والمعلومات والاهمية وطبعا المعالجة. غاب اي موضوع يخص الطلاب مباشرة. يتناول همومهم وهواجسهم وافكارهم وتساؤلاتهم كأفراد. غابت »انا« الطلاب لتحل محلها مواضيع سهلة ومتوفرة وكيفما اتفق. مواضيع تتوافق مع الانتماء السياسي احيانا. مع المتوفر احيانا اخرى. قليلون الذين قدموا افكارا كانت تشغل بالهم. وآخرون حاولوا ان يتميزوا فغرقوا في الافراط في المشاعر الانسانية، كمثل فيلم »اكثر من ام« قدم عن رعاية معاقين ومعوقين من قبل ذويهم وأغفل الجوانب الاجتماعية والصحية والمؤسساتية والرسمية وغيرها. منهم من اختار قلعة نيحا. فلم يقدم معلومات لا بالصوت ولا بالصورة. »حنين وتراث«، فيلم تكون من مقابلة مع فهد العبد الله ومشاهد من اعمال مسجلة له. الفيلم اختصر التراث بفهد العبدالله وفرقته. مشروع التخرج كان فرصة هؤلاء الطلاب ليقدموا ما يثبتون ذواتهم فيه. انه مشروعهم هم. وهم من عليهم ان يبحثوا ليشكلوا ويكتسبوا ما لا تستطع ان تقدمه لهم الكلية. عليهم ان يتعاملوا مع المشروع كأنه معبر لهم. كأنه نافذة الى الاوسع والى تحقيق الذات وليس »في فيلم، بدنا نقدمه ونناقشه«. المعيار الوحيد الذي يمكن ان تقيم على اساسه اعمالهم هو المعيار الفردي. المجهود الفردي. الابداع الفردي. الالتزام. هو مدى ان يكون الطالب معنيا ومسؤولا ومكترثا. المشاريع المقدمة تثبت ضرورة تقاسم المسؤولية بين الطلاب والكلية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة