يلازمني شعور مفاده، أن المتحدث في التربية في لبنان، كمن يدخل في متاهة. يعرف كيف يبدأ، ولا يعرف كيف ينتهي، ولا أين! فالمسائل وعرة، كثيرة التشعب، والمتاهات عند كل منعطف ودرب، ومن البديهي في موضوع دقيق ذي صبغة خاصة يتناول إعداد معلم التربية الفنية، ألا تستنفذ الأفكار وألا تكون الإحاطة بجوانبه وزواياه، جامعة مانعة، لذلك سنحاول ضمن الحيز والوقت المتاح، أن نضيء بغير ادعاء على بعض العناصر والخطوط الأساسية، التي يمكن أن تشكل، أو تساعد على تشكيل، نقطة انطلاق لرؤية تربوية أكثر عمقا، وأدق تصويبا، بمقاربة نظرة مستقبلية للتربية بشكل عام، وللتربية الفنية بشكل خاص. يقول وزير التربية الوطنية والفنون الجميلة دولة الرئيس الدكتور سليم الحص: »إنكم تشكون من أوضاع التربية« ولولا ذلك لما كانت هذه الندوة وكل الندوات التي تعقد حولها. والشكوى من الأوضاع التربوية مشروعة وطبيعية، ذلك لأن التربية الوطنية قطاع حيوي من قطاعات الحياة العامة يخضع للمتغيرات والتطورات المتواصلة في ما يحيط به من معطيات، وما يواجه من تحديات وما تعلق عليه من طموحات ورهانات. وما الشكوى على هذا المستوى سوى تعبير عن الوعي لقدر هذا القطاع الذي لا خيار فيه إلا استمرار التقدم والتطور، أو التوقف فالتخلف«. ثم يعود ليؤكد: ».. وبعد، فإن المدرسة، أو الجامعة، هي مصنع للثورة الحقيقية. فإذا ما أحسنا رعايتها، كانت مصنعا لثورة البناء لمجتمع العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، وبالتالي الاستقرار. أما إذا أهملناها فستكون في وجودها أو غيابها سببا لتعميق خطوط الفصل والتمايز بين شرائح الشعب الواحد، وبالتالي مصدرا للقلق والاضطراب. وبالتالي لثورة تهدد الهيكل الذي يظلل المجتمع برمته«. ثم يخلص الى القول: »إنها محاولة لتصوير مأساة حقيقية تعيشها وزارة حيوية.. من حق الناس أن تكون على إلمام بها ولعلنا في هذا السياق نتوخى تعليل أنفسنا بشيء من راحة الضمير حيال الخيبة التي تجتاحنا من جراء القصور عن تحقيق ما كان يعتمل في صدورنا من طموحات عند دخولنا الوزارة.. دخلناها حالمين ونخرج منها خائبين«. لماذا يا ترى؟ وما هي تلك الأسباب التي وقفت وتقف دون مباشرة إصلاح تربوي حقيقي؟ وتلك التي حالت وتحول، حتى اليوم، بين أرفع المسؤولين السياسيين في الهرم التربوي، وبين أي إصلاح علمي حديث؟ وكلهم كما نسمع، يحلم بنفح رياح التجديد والتغيير في هذه الوزارة المستعصية على كل تطوير وتحديث؟ يقول مستشار وزير التربية د. محمد علي موسى »ان التربية هي الأساس في بناء كل وطن وكل دولة، لأنها وسيلة تكوين الأجيال التي ستتكوّن منها الأوطان والتي ستتكوّن منها الأمة، وأظن أن هذه الحقيقة بنصاعتها لم يدركها القيّمون على مقومات الدولة اللبنانية منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم، أم أنهم كانوا يدركونها ويدركون نتائجها ولعلهم كانوا يريدون هذه النتائج. ولذلك شهدنا هذه الفوضى في نظامنا التربوي، حتى أنني أستطيع القول إنه لا تربية اليوم في لبنان، وإنما هناك تعليم، وتعليم مشوّه، والفرق شاسع بين التربية والتعليم، هو الفرق بين الهدف والوسيلة«. في دراسة للعميد الدكتور محمد شيا، يقول: »لم يعرف لبنان في عهد الحكومات المتعاقبة سياسة تربوية وطنية شاملة، جدية، إلا على مستوى العناوين، وأحيانا على مستوى الشعارات لا أكثر. والحكم هذا ليس تعسفا، بل يقوم عليه قدر من الإجماع بين الباحثين، بعد استقراء البيانات الوزارية المتوالية، ثم الإجراءات والممارسات والقوانين والمراسيم التي نظمت هذا القطاع، ليس في التعليم العالي الخاص فحسب، بل في القطاعات التربوية كافة، في الخاص كما في الرسمي، في الجامعي كما في ما قبل الجامعي، وفي الأكاديمي كما في المهني والفني«. ثم يؤكد في ختام دراسته على الحل فيقول: »ولكن في كل الأحوال، لا يمكن الخروج من هذه الفوضى، إلا إذا حزم المسؤولون أمرهم، وتركوا الاختصاص لأهل الاختصاص، أي للجامعة اللبنانية، ولمجلس التعليم العالي، أن يضعا يدهما وحدهما على ملف إنشاء ومراقبة التعليم العالي«. ويحدد الدكتور منير بشور المسؤولية. فيقول: »ليس الشارع هو المسؤول، وإنما الدولة برجالها ومؤسساتها التي ما فتئت تنظر الى التعليم كشأن حر، كغيره من الشؤون التجارية ضمن نطاق الاقتصاد الحر«.. لقد دفعت المتغيرات الضخمة التي حصلت في لبنان وفي جواره خلال السنوات الأخيرة. بالفئات المنسية المهملة من اللبنانيين الى صدر المسرح التربوي، ولكن السياسة التربوية، والهيكل التربوي، بقيا على حالهما منذ أن ورثتهما الدولة«. كما أن الدكتور عصام خليفة يقول في محاضرة له عن »أهمية الجامعة ودورها«: »إن السلطة السياسية، تعتبر الجامعة اللبنانية مولودا غير شرعي، وتحاول باستمرار الحيلولة دون نموه. لأن هذه السلطة لم تعرف أن تعزيز هذه المؤسسة هو السبيل للاستقلال الثقافي، وهو المدخل للديموقراطية في مضامينها الحقيقية والشاملة. وسياسة المماطلة والتأجيل لا تزال إياها معتمدة حتى الآن!«. وكذلك يحدد الدكتور حسان قبيسي أهمية التربية كموقف سياسي واجتماعي ومسؤوليتها عن القضايا الخلافية في لبنان فيقول: »التربية مشروع وطني مدبّر جيد التوجه نحو أهداف واضحة، لتأمين النضج اللازم للحياة الاجتماعية، وذلك من خلال استبطان الأولاد وتمثلهم لمجموعة من العادات الذهنية التي تتطابق ومعايير المجتمع الذي ينتمون إليه، وهذه العملية تقوم بها المؤسسات الوطنية والمدارس بصورة خاصة، بهدف اكتساب الحس القومي Nationalisme والحس الوطني Patriotisme اللذين يعبران عن قبول التوافق Consensus الاجتماعي والسياسي. وغني عن الإشارة، ان الانتماء الوطني بمفهومه الاجتماعي، يعني الالتزام بقضايا الوطن من جهة، وبذل كل الجهد في سبيل تقدمه وتطوره. وبدون الإحساس العميق بالانتماء الوطني، يظل الوطن ذلك الفندق الكبير الذي يؤوي بشرا لا روابط فعلية بينهم سوى الخدمات التي يقدمها لهم ذلك الفندق، والذي سرعان ما يهجرونه ويتفرقون في أول لحظة يتوقف فيها عن تقديم خدماته. ان القضايا الخلافية في لبنان، أثرت على تربية أبنائه وطنيا. فلم تستطع التربية منذ الاستقلال، أن تنمي مفهوما واضحا ومشتركا وراسخا للوطن عند جميع أبنائه، وذلك عائد للتعدد المدرسي، والحرية التعليمية التي بلغت حد التسيّب من جهة، ولقصور المناهج التعليمية وطرق تنفيذها من جهة ثانية«. إن التربية هي إعداد ثقافي تكتسب بالتعلم والمحاكاة والتدريب والفنون الجميلة، وبكل ما أنتجه الفكر البشري من علوم ومعارف وأساليب وأدوات وقيم وفنون، وهي بالطبع لا تورث بطريقة بيولوجية، بل ترسم لها السياسات والأهداف وتعد لها المناهج والبرامج والمربون مع أحدث الأساليب والطرق، لكي تؤتى ثمارها. وبشكل واضح وصريح يحدد الدكتور محمد علي موسى التربية فيقول: »التربية أيها السادة هي موقف سياسي له منطلقات أساسية وأهداف وطرائق تنفيذ وعلى الدولة أن تأخذ الخيار السياسي في المجال التربوي، وأن تلتزم بالسياسة التربوية التي تختار وأن تتبناها وتفرض تنفيذها على كل المؤسسات التربوية العاملة على أرضها. ولا أكشف سراً إذا قلت، إن الدولة اللبنانية لم ترسم سياسة تربوية واضحة محددة بهذا المعنى منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم. حتى أن المناهج التي وضعت حتى الآن، جاءت كلها تقريبا خالية من أي توجيه مبدئي يرسم الأهداف والغايات. وليس هذا الكلام من قبيل النقد أو التعريض وإنما هو الواقع«. ويقول د. حسن صعب، مؤسس ندوة الدراسات الإنمائية: »إن نظامنا التربوي، مسخ الإنسان وشوه المواطن اللبناني، ما بين عامي 1943 و1975، وأعده ليكون مقاتلا، لا ليكون متحاوراً مع أخيه المواطن. فإذا شئنا أن نستعيد ذاتنا الأصلية في لبنان العقل، لا لبنان العنف، فإن علينا ان نستبدل إنسان الحرب العارض، ومواطن العنف الزائف، بإنسان السلم العادل، وبمواطن الإبداع الخالد، أي أن نستبدل نظام تربية الأمس بنظام الغد، لأن النظام التربوي هو مصنع الإنسان من المهد الى اللحد. إن تربية الأمس كلبنان الأمس، قد ماتت.. ولكن تربية الغد، كلبنان الغد، لم تولد بعد.. فلعلنا بإطلاق الحوار حولها، نسهم في تسريع الولادة المنتظرة، بروح ديموقراطية إبداعية.. وبالتشاور والتعاون بيننا جميعا«. وعودة وختام، الى كلام وزير التربية الوطنية والفنون الجميلة (سابقا) الرئيس الدكتور سليم الحص، حيث يقول ويختم أيضا: »إذا كنا نرى سوادا في ماضي التربية، وحاضرها، فلا يحجب عن أبصارنا، أن شمس الأمل، شمس المستقبل الزاهر لا يبزغ إلا منها«. { ومن باب التربية والتنمية، نقتطف ما يلي: إن الهدف التنموي الذي تسعى إليه التربية، هو تطوير النشء، وتمكينه من صنع حياته، والارتقاء بمجتمعه، للوصول الى الحياة الأفضل. لذلك تعتبر التربية في العصر الحديث، علما وصناعة وفنا وممارسة. وكلما بذل الإنسان المربي من جهد في سبيل تنمية مجتمعه، كلما ارتقى بحضارته، وتقدم بمجتمعه. والتربية والتنمية متشابهتان، متكاملتان. فالتربية عملية توجيه وتحويل عامة مقصودها الإنسان وعقله، والتنمية أيضا عملية توجيه وتحويل أوسع وأعم، تشمل كل إنسان في المجتمع، كما تشمل الأنظمة والتراث والتحديث، وكل الأنشطة الإنسانية المتعددة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية إلخ.. وما نريد الوصول إليه، هو أن التربية تخدم الخطة التنموية في كافة المجالات، وتعتبر عملية تحويل طوال الحياة، وكذلك عملية إنجاز وإعداد أفراد وكوادر بشرية منتجة كماً وكيفاً.. أما الكم، فيكون بالتوسع وإشباع الحاجات العامة لكل أفراد المجتمع. وأما من حيث الكيف، فيكون بالتوسع الرأسي في التربية، التوسع الناتج عن عملية النمو والتكامل في جميع مكونات التربية، كالمناهج الدراسية، التي يجب أن تكون متطورة، ومتنوعة لسد حاجة الأفراد، كما يجب أن تكون تقدمية، بمعنى أنها تتناسب والتطور الحضاري والتقدم العلمي والتكنولوجي. يوضح الدكتور حسان قبيسي في محاضرة له حول التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية. أهم نتائج التربية في التعامل مع الأفراد وتنميتهم باعتبارهم »موارد بشرية« ونكتفي بتعداد العناوين العامة لتلك النتائج: »أ التربية هي عملية تنمية للشخصية البشرية. ب التربية هي عملية إعداد اجتماعي وتنمية اجتماعية. ج التربية هي عملية إعداد ثقافي. د التربية هي عملية ضرورية للتنمية الاقتصادية«. ولهذا كله يقول الدكتور إبراهيم ناصر »ان الإنفاق على التعليم يعتبر ركنا أساسيا من رأس المال الثابت. إذا ان الموارد والمصروفات التي تنفق على عملية التربية والتعليم، تعتبر إنفاقا استثماريا وليس إنفاقا استهلاكيا، لذا تعتبر التربية والتعليم نوعاً من الاستثمار البشري في العملية الإنتاجية. كما يعتبر سلعة اقتصادية متصلة بحاجات المجتمع.. ويؤهل الكوادر لاستغلال قدراتها واستعداداتها لخدمة المجتمع وتطوره وتقدمه، ويزيد من أوجه المعرفة والمهارات والإمكانات، التي تؤدي بدورها الى نمو رأس المال الوطني«. وبهذا تصبح التنمية الاجتماعية، ليست مجرد تقديم الخدمات، وإنما هي الجهود المنظمة لتغيير الأوضاع الاجتماعية، وتنمية طاقات وحاجات جميع أفراد المجتمع.. ويشكل ذلك نوعا من الاستثمار ذي مردود اجتماعي، يمكن حسابه وتقديره أيضا في مجالات كثيرة مثل تخفيف حدة المشكلات الاجتماعية، والجرائم المتنوعة، وتهيئة المناخ الصحي لنمو الأفراد، ورفاهية الأسرة، ويزيد من قدرتهم على الخلق والابتكار، وتجعل العقول والنفوس أكثر استعدادا لتقبل التغير الإيجابي والرغبة فيه، فندخل في التنمية الثقافية والفنية والاجتماعية فيظهر ذلك جليا في بناء الإنسان بناء معنويا ومدنيا، وإثراء وجدانه، وإشاعة التفاؤل والإشراق عنده، وإزالة الضغوط الاجتماعية والنفسية، وتحقيق جو ديموقراطي حر حوله، تزدهر فيه طاقاته الخلاقة، فيتمكن من الخلق والإبداع! لعلي تعمدت التركيز والتكرار على الجوانب الفنية والإبداعية والخلاقة، لأتزود بالجرأة على طرح موضوع يراودني، وأراه وأسمع به هذه الأيام، ألا وهو موضوع البرامج الفنية والترفيهية، والمنوعات، في برامج الأقنية المحلية للبث التلفزيوني، وعلى الفضائيات، والذي يشاهده أو يتعلق به شئنا أم أبينا معظم أفراد الشعب اللبناني، وأكاد أقول العربي، وأخص بالذكر برنامجي اSUPER STARب واSTAR ACADEMIEب. وبدون الدخول في تقييمها كما هي عليه سلبا أو إيجابا، أو كما ينبغي أن تكون، فإني ألفت النظر الى هذه الظاهرة في المجتمع اللبناني، والتي إذا ما درست ونظمت وهيئت لها الكادرات الفنية والتربوية، للاستفادة من كل تلك الطاقات الفنية المتعددة الأوجه والنشاطات، فلعلها تكون حدثا مدويا، وموردا هاما، وبابا يستقطب اهتمامات وحاجيات ورغبات كثير من الشباب اللبناني والعربي، في مختلف البلدان. ويكون بالتالي موئلاً لثروة بشرية فنية يحتضنها لبنان، ويستمر رائدا فيها، ويطلقها الى العالم العربي. بل والى العالم كله! ولم لا؟ أنا أريد هنا أن أسقط كل التعليقات الساخرة التي طالت تلك البرامج وثغراتها، وبدون أن أنفي معظمها، ولكن إذا ما كانت تلك رغبة قسم كبير من الشباب والشابات، فلماذا لا ننظم ذلك على أفضل صورة وعلى أحسن ما يكون؟! في التمثيل، والموسيقى، والغناء، والرقص، والكوريغرافيا والأزياء والسينوغرافيا من إضاءة وديكور ومؤثرات فنية، الى التمارين والأيروبيك، كذلك في الرسم والنحت وجميع أنواع الفنون والرياضة! فلعل ذلك، وأكاد أتصور المشهد، قد يحيل لبنان الى واحة من الفنون الجميلة، ورائد عملاق في هذا المجال، يطلق الفنانين والمبدعين في كل اتجاه. بدون أن نغفل لحظة، عن أن لبنان، الوطن الصغير، أعطى الدروس الكبيرة بالفداء والتضحية والمقاومة والتحرير ولا يزال. وهنا يستدركني كلام قرأته منذ فترة يقول: »إن الغرب سبقنا، ليس لأنه تطور علميا وصناعيا وتكنولوجياً فقط، وأغلق بابه في المجالات الأخرى، بل سبقنا لأنه شرّع أبوابه على جميع العلوم والفنون بلا استثناء«. وهذا يدخل أيضاً، في باب أهمية التربية الفنية والرياضية وإعداد معلميها، وتوظيف ذلك بشكل متقن ومدروس واستثماره في كل المجالات. ولعل ذلك يستجيب للتقويم الإحصائي لسوق العمل وحاجاته على المدى القريب والمتوسط أقله وخاصة في لبنان، بعد الأحداث وفي الظروف الضاغطة المعروفة. أستاذ في ملاك الجامعة اللبنانية ومدير الإنماء التربوي في ندوة الدراسات الإنمائية بيروت (*) مقتطف من بحث قدم في (ندوة تطوير مناهج كلية التربية) مكتب اليونسكو الإقليمي بئر حسن بيروت (21 22 و28 29 أيار 2004) إعداد الدكتور علي أحمد يونس الأستاذ في ملاك الجامعة اللبنانية، وقد حذف من النص المنشور مراجع البحث.