As Safir Logo
المصدر:

كارلوس ساورا مخرج »كارمن« و»تانغو« قوة السينما وقسوتها

من فيلم »تانغو«
المؤلف: عبيدو محمد التاريخ: 2004-07-02 رقم العدد:9833

وصف المخرج الاسباني الشهير كارلوس ساورا ذات مرة بأنه عاشق الأندلس وعالمها الذي ما زال يحمل حنين الروح العربية.. ربما يكون هذا الوصف صحيحا، فهذا الفنان الذي ولد عام 1932 كانت ترشح كاميرته بمشاهد أندلسية.. يعتبر كارلوس ساورا الوارث الحقيقي للمخرج السينمائي الكبير لويس بونويل، الذي أخرج في فرنسا والمكسيك غالبية أفلامه، إلا انه يبقى أحد رموز السينما العالمية التي تنتمي للثقافة الاسبانية أصلا، مثله في ذلك مثل مواطنه العبقري بيكاسو وصديقه وزميل أعماله سلفادور دالي. ولقد أهدى ساورا فيلمه (زيت النعناع) الذي أخرجه عام 1967، الى لويس بونويل وصنع عدة أفلام تحت تأثيره، لكنه نوع من التأثير الايجابي الذي كان انطلاقة الى صوت متفرد وآفاق جديدة لفنان مبدع. بدأ ساورا حياته مصورا فوتوغرافيا ناجحا، ولافتا الانظار، إلا ان تشجيع شقيقه له دفعه للالتحاق بمعهد السينما بمدريد، حيث غدا، وفي فترة قصيرة نسبيا، من أهم مخرجي اسبانيا عبر تاريخها، وأحد أبرز مخرجي اسبانيا الذين استطاعوا الخروج باقتراحات إبداعية وثقافية أصيلة، بعيدا عن تأثيرات السينما الهوليوودية. إنه واحد من الكبار المختلفين عن السائد والخارجين عليه، والساعين لتشكيل ملامح سينمائية خاصة نابعة من خصوصيات بلدانهم. بدأ ساورا عالمه السينمائي أواخر الخمسينيات، متأثرا بالواقعيين الايطاليين الجدد الذين تعرف عليهم أثناء دراسته، وبدا حضورهم واضحا في فيلمه الاول (الصعاليك) 1959، متجها فيه نحو شوارع مدريد وضواحيها الفقيرة، ملتقطا مجموعة من الممثلين غير المحترفين، ليقدم من خلالهم قصة شباب يعيش على هامش الحياة يسرق كي يحيا، ويفشل حين يود ان يتجاوز واقعه، كما فشل الفيلم ذاته في اقتحام عالم السينما التجارية المعتمد على أفلام الصالونات المزخرفة، والديكورات الورقية الضخمة، وينتظر ساورا خمس سنوات، حتى يقدم فيلمه الروائي الثاني (البكاء من أجل لص) 1964، وهو صورة بيوغرافية للص أندلسي يدعى خوسيه مارياك، ثم يلتقي في العام التالي بالمنتج الياس كريخيتا ويقدم معه فيلم (الصيد) 1965. يوجه الفيلم إدانة مميزة للروح الاسبانية الفاشية التي حكمت ذات يوم: ثلاثة أصدقاء في منتصف العمر ومعهم كل ما يلزمهم ليكون الصيد ناجحا، بنادقهم، وتبدأ حفلة الصيد التي تتصاعد دمويتها بتسارع مرعب. من بين ثرثراتهم، التي تبدو كمنولوج جماعي طويل، يطل الشعور بالأسف والمرارة والغيرة، لكن المشاعر في الحقيقة أعمق من ذلك، فهي غير محددة، ومع تقدم الفيلم يصبح الشعور بالذنب هو المسيطر أكثر فأكثر، فالمكان الذي يختاره ساورا ساحة لصيدهم هو ساحة واحدة من معارك الحرب الاهلية الاسبانية، التي يبدو أنهم كانوا من خاضوها، وما زال الموقع يحتوي على بعض بقايا الجثث؟ ويظهر أثر الحرب أمامهم قائما لكن نصف الارانب التي تتلوها كانت مريضة، وهكذا كلما ازدادت حرارة الشمس أصبح تحديق الكاميرا فيهم أكثر شراسة بحيث يكاد يحرق جلودهم وهم يتقلبون في ماضيهم. ويشير دليل الافلام لعام 1997 الصادر عن دار بنغوين الى ان التلميحات الجنسية المحمومة التي يحفل بها (الصيد) تحيل الى القمع السياسي، ثم ما تلبث ان تنقلب الى حالات عنف وشعور ينذر بأنهم ذاهبون لتدمير ذواتهم. تظل هذه الأحاسيس تتصاعد في الداخل الى ان تنفجر في لحظة غير عادية، فتستدير بنادقهم، بعيدا عن الأرانب المذعورة باتجاه أنفسهم، ويبدأون بإطلاق النار على بعضهم بعضا، حيث يموت الجميع، ويمكن لمن يشاهد الفيلم، رغم مرور كل هذه السنوات على إنتاجه، ان يلحظ مدى براعة ساورا، ومدى شراسته وهو يقدم فيلما صارما يحاول برؤياه إعادة ترتيب الماضي الاسباني. ثم يقدم ساورا ثلاثية مخصصة لتحليل العلاقة الملتبسة والاشكالية بين الرجل والمرأة، في ظل المناخ البورجوازي، وهي (شراب النعناع المثلج) 1967، و(الإجهاد يكون ثلاثة.. ثلاثة) 1968، ثم (الحجر) 1969. وتتميز هذه الثلاثية بظهور كاتب السيناريو المتميز رافائيل أثكونا والذي سيتعاون لزمن طويل مع المخرج في تقديم أبرز أعماله، وايضا بظهور جيرالدين شابلن كممثلة لكل أفلام الفترة التي كانت زوجة فيها لساورا، بل ودخولها كمشاركة في كتابة السيناريو، لأول وآخر مرة في حياتها في فيلم (الحجر). وكانت أفلام ساورا تعكس آثار أشكال القمع الذي مارسه نظام فرانكو على مجريات الحياة العامة غير السياسية. والفكرة الاساسية المشتركة كانت حول القمع الجنسي وكيف استطاع ان يتطور الى أشكال سلوكية غير طبيعية ومدامة. الكوميديا السوداء بعد ذلك أخذت أفلام ساورا تنحو باتجاه الكوميديا السوداء حيث تختلط الحقيقة بالخيال. ومع بداية السبعينيات، يحقق ساورا ثلاثية اخرى تقدم تحليلا عميقا لآليات السلطة لذات الشرائح البوجوازية، التي تزداد رجعية وتخلفا وانغلاقا على الذات، مع مرور الايام، وتحتوي الثلاثية على أفلام (حديقة الملذات) 1970، (آنا والذئاب) 1972، ثم (ابنة العم انجليكا) 1973، الذي فاز عنه بجائزة لجنة التحكيم بمهرجان (كان).. وفي أواخر أيام فرانكو يبدأ ساورا في تقديم ثلاثية جديدة له، يعتمد فيها على سيناريوها يكتبها وحده، فينجز فيلم (نداء الغربان) عن عالم الطفولة، والذي حصل على جائزة التحكيم الخاصة في كان 1976، و(إليسا.. يا حياتي) 1977 عن استغراق الآباء في ذكريات لا مجدية بعيدا عن أبنائهم، و(العيون المعصوبة) 1978، عن التعذيب الممارس على الإنسان، وكيف يقتل الحب في أعماقه. بعد موت فرانكو عام 1975 أصبح ساورا حرا في التعامل مع مواضيع كانت تعتبر سابقا من المحرمات، ففي عام 1980 قدم فيلم (بسرعة.. بسرعة) الذي حاز على جائزة الدب الذهبي بمهرجان برلين. وعالج فيه موضوع حياة الشوارع ليافعي مدينة مدريد، وأشر الى عودة ساورا للمواضيع التي عالجها في فيلمه الاول. ولتحقيق أكبر قدر من الواقعية أشرك ساورا في كتابة النص أربعة من رجال العصابات في الشوارع. ثم فيلم (الساعات الحلوة) 1981 الذي بدا كمحصلة نهائية لرؤيته عبر مجموعة أفلامه السابقة، وكمحاولة لإعادة بناء أفضل اللحظات الماضية على أرضية الواقع الآتي، وبعده يتجه ساورا الى عالم الموسيقى والمسرح والرقص، فيقدم ثلاثيته الرابعة والاكثر شهرة عالميا: (عرس الدم) 1981، عن نص مسرحية غارسيا لوركا المعروفة، و(كارمن) 1983 عن نص أوبرا جورج بيزيه المعد عن رواية بروسيير ميرميه، و(الحب المسحور) 1986، عن باليه بذات الاسم للموسيقار الشهير مانويل دي فايا والافلام الثلاثة تدور في اجواء (الفلامنكو) والبروفات المسرحية، حيث يختلط فيها اللعب والجد، والتمثيل الحقيقي، ويصمم رقصاتها كلها ويشارك فيها المصمم والراقص الاشهر انطونيو غاديس. كارمن في فيلم (كارمن) يستفيد ساورا من خط الموضوع العام لكارمن ميريميه وهو حب دون خوسيه لكارمن الغجرية وتخليه عن كل شيء ليتبع هذه المرأة المتقلبة المزاج. ولينتهي هذا التعلق بالمرأة التي لا تمتلك نهاية مأساوية. ويجعل ذلك معاصرا ومقنعا الى اقصى درجات الاقناع.. في الفيلم نرى مخرجا حقا يبحث وسط المئات من الفتيات عن فتاة تجسد دور كارمن في الباليه الذي سوف يخرجه ورغم ان أمامه الحسان كثيرات، إلا ان أيا منهن لا تقنعه، ويستعيد في مونولوجه الداخلي وصف ميريميه لجمال كارمن الوحشي الغريب فهو حسب تعبير ميريميه ليس الجمال بالمقاييس المتعارف عليها: (كي تكون المرأة جميلة يجب ان تنطبق كل صفة من صفات الجمال العشر على ثلاثة أعضاء من جسدها. فمن السواء العينين والرمشين والحاجبين، ومن الرفع والدقة الاصابع والشفاه والشعر.. الخ) فهي (ذات عينين حوراويين لكنهما مرسومتان بروعة وشفتين غليظتين لكنهما مشكلتان بجمال، وشعر اسود يعطي لمعة زرقاء كجناح غراب.. الخ). وفي مشهد راقص وبالمصادفة البحتة، وأثناء التدريب تدخل فتاة تتمتع بأكثر مما تتمتع به الاخريات، وعيني المخرج تبهران بها. ولا نلبث نحن فيما بعد، ان تنظر اليها نفس النظرة. ويتعمد ساورا ان يقدمها لنا في لقطات ثابتة، وهي بدون ملابس الرقص، انها لا تشبه كارمن، ولكنها المرأة التي تخيلها لنفسه. الغريب ان كارمن التي صورها ميريميه لم تكن امرأة جميلة بقدر ما تتمتع بأنوثة وسحر. ولورا ديلدل، التي أدت الشخصية هنا، هي امرأة مشابهة، وقد قالت يوم ان انتهت من هذا الدور الذي كان أول أعمالها: (كانت كارمن قد حبستني داخل إطارها، أما الآن، فأنا امرأة حرة أفعل ما يحلو لي. عدا عندما أكون عاشقة فكل شيء يتغير). وفي قصة فيلم ساورا (الحب المسحور) تحتفل عائلتان في مخيم غجري بالاتفاق على زواج ولديهما الفتيان كانديلا وخوسيه وفق تقاليد قبيلتهما الغجرية. وبعد مرور الزمن تتحقق أمنية الابوين ولكن ليس بدون ترك جروحا عميقة في قلب كارميلو الذي كان دائما عاشقا كانديلا. يتزوج كانديلا وخوسيه ولكن خوسيه ظل يلاحق لوثيا. خلال احتفال بعيد الميلاد في مخيم غجري كان خوسيه يفتش عن لوثيا تاركا كانديلا، فتحصل مشاجرة يطعن فيها خوسيه حتى الموت ويقتاد كارميلو الى السجن متهما بالجريمة ظلما. بعد أربع سنوات يعود كارميلوا على أمل الحصول على كانديلا مصرحا لها بحبه ولكنها لم تتمكن من مبادلته ذلك بسبب الشبح الواقع بينهما. يلتجئ المحبان الى تعويذات العمة روزاريو ساحرة القرية، وعلى ضوء القمر يحتفل (برقصة النار) التي تطرد الارواح. ولكن تفشل التعويذة فيضطرون الى اللجوء مرة اخرى الى الساحرة. والحل الوحيد كما يبدو هو التضحية بلوثيا. يقنعها كانديلا وخوسيه بأن تريهم شبح خوسيه وأثر رقصة عاطفية بين الاربعة محبين، تختفي لوثيا مع خوسيه في الليل ويتحرر اخيرا كانديلا وكارميلو. قبل ان يفرغ ساورا من تقديم رؤيته الجديدة الكاملة في الثلاثية الموسيقية المشار اليها، قدم عام 1984 فيلمه الارجل الخشبية، عائدا به الى العالم الحميمي القديم، دون ان يترك العالم المسرحي والموسيقى لمرحلته الجديدة. غير انه فجأة يغير المرحلة بأكملها، ليقدم فيلمه الضخم الدورادو 1987 الذي يدور حول إخفاق حملة البحث عن منطقة الدورادو، يوتوبيا الذهب المفقود في أميركا. ثم ينهي ساورا الثمانينيات بفيلمه الليلة الظلماء 1988، ويدور حول شخصية الراهب الشاعر خوان دي لا كروث، ويفتتح التسعينيات بفيلمه المتميز (آه.. كارميلا) ثم يقدم فيلمه التسجيلي (ماراثون) 1992 عن سباق الماراثون داخل الدورة 25 الاوليمبية، التي عقدت في برشلونه، ثم فيلمه (أطلق النار) 1993، وهو اول فيلم بوليسي في حياة ساورا السينمائية، معد عن قصة الايطالي جورجيو سيربانينكو ويدور حول لاعبة سيرك ايطالية، تتعرض للاعتداء الوحشي عليها، خلال عروض السيرك بمدريد، فتقوم بالانتقام ممن اعتدى عليها، وتموت محاصرة من الشرطة ببيت ريفي. في عام 1996، يقدم فيلمه (تاكسي) عن واقعة عنف حصلت بالفعل في الواقع، وفيلم (باخاريكو) 1996 ثم قدم ساورا فيلمه (تانغو) الذي رشح لجائزة اوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 1999. في هذا الفيلم الذي يبدو تتويجا فنيا غير عادي للمخرج الكبير ساورا تصعيد متقن لكل أساليبه التي استخدمها من قبل وخصوصا في أفلامه: كارمن، الحب المسحور، وعرس الدم. تانغو كل رموز ساورا تحضر في تانغو: الموسيقى رافعة العمل ومداه، الراقصة الاولى والراقصة الثانية المنافسة، حكاية حب عاثرة خارج الخشبة التي يتم العمل عليها، وملجأ للحكاية في علاقة حب مع الراقص الاول أو المخرج، ثم قبل ذلك كله: التمرينات أو (مجمل البروفات) التي تشكل في النهاية العمل الفني، أو الفيلم. أفلام ساورا هذه، نمط مختلف عما تعودت السينما ان تقدمه، انها مشغولة بالمساحة الفنية والفكرية والزمنية السابقة للفيلم في حالاته العادية، اذ يرينا كيف يمكن ان نصنع عملا فنيا، وتشكل لحظة عمل الفيلم، هذه، أعمق نقطة فيه، ففي حين تأتي البنية التقليدية للأفلام عموما لترينا النسخة الاخيرة والاجود، تجيء افلام ساورا لترينا عثرات ما قبل الانجاز، دهاليزه، عذابات المشاركين فيه، خصوصياتهم، هواجسهم الانسانية والفنية، والطريقة القاسية التي يتشكل فيها العالم على الخشبة، لا تلك التي نشاهده فيها جاهزا ومكتملا الى حد عدم حاجته لأي رتوش. العمل الفني لديه، هو مرحلة تكونه، لإكماله الذي يبر الناس، خاصة في هذه الثلاثية التي يعززها بتانغو، لتغدو رباعية. ثم يقدم لنا عالم أبرز رموز الفن الاسباني، وهو الفنان التشكيلي العالمي فرانشيسكو دي غويا في فيلم بعنوان (غويا في بورديوس) 1999، وقام بتجسيد شخصيته الممثل الشهير فرانشيسكو رابال. كان جويا قد جاوز الثمانين في الفترة الزمنية التي يعالجها الفيلم، وقد لجأ مع مجموعة من المثقفين الليبراليين فرارا من الحكم الاستبدادي الذي ضاق بهم، وظل يعاني فيها حسب رؤية المخرج وأوجاع الغربة ومشاكل الشيخوخة، لكن دون ان يفقد قدرته على الرؤية الخلاقة والابداع الاستثنائي، ويبرع ساورا ببراعة غير عادية في الكشف عن زوايا دالة على لوحات غويا، ويفسرها سينمائيا مضيفا بعمق الى تفسيرات مؤرخي الفن. ثم فيلمه المتميز عن فنان السينما المعروف لويس بونويل باسم (بونويل ومائدة الملك سليمان) عام 2000، ثم قدم الحكاية الاسطورية الشهيرة حول عاشقة يوحنا المعمدان والمحرضة على قتله، في فيلم يحمل اسمها (سالومي) عام 2002، قامت ببطولته الباليرينا المعروفة عايدة جوميث بعد ان قدمت مادة هذا الفيلم مسرحيا بفرقتها وإخراجها الفني، بينما قام كارلوس ساورا نفسه بالاخراج المسرحي للعرض، الذي صاغ بنيته الكويوغرافية خوسيه انطونيو.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة