من المهم في عالم اليوم التساؤل عما تبقى من مفهوم الالتزام، وعن ماهية الالتزام، ومعناه في الحقل الأدبي بشكل عام، وفي الحقل الأدبي العربي الحديث بوجه خاص، بعد أن ارتبطت نشأة الالتزام بقيود إيديولوجية، جعلته مقولة منزاحة ومحكومة بالتجاذبات والأهواء السياسية ونزعاتها المختلفة، وكانت تنويعات الكلام تمثل في الإيديولوجي على حساب الأدبي، عبر مقولات »الالتزام الطبقي« و»الالتزام القومي« و»الالتزام في الأدب« وسواها من الشعارات التي خفت صوتها حتى الصمت، بعد أن أفل نجم التيارات السياسية الحاملة لها، الماركسية والقومية، التي جيّرت الالتزام لخدمة أطروحاتها الإيديولوجية. وشهدت مرحلة نهاية أربعينيات القرن العشرين المنصرم بداية الاحتفاء بالالتزام عبر ترجمة كتاب الستاليني »أندري جدانوف«: »إن الأدب كان مسؤولا«، حيث صار هذا الكتاب صنو المقدس الإيديولوجي، مع أنه لم يلامس الأدب بقدر ما انحاز إلى ثقافة سياسة حزبية، تعلن قولها في جملة من الاملاءات على الأدب والأدباء، وتطال النص الأدبي من البداية إلى النهاية، مستعجلة الوصول إلى جمهورية متيافيزيقية حالمة، تضاهي جمهورية أفلاطون، وسبيلها في ذلك هو الأدب الملتزم المطالب بتغيير الواقع. وجاءت هزيمة حزيران، بعد نكبة فلسطين، لتعمق حالات الانهيار والتردي، وليأخذ المثقف والأديب مهمة رفع لواء الالتزام من السياسي المتمركس الذي انطوى تحت جناح الطبقة العاملة التي ستذهب، وتوصلنا معها إلى الجنة الموعودة، لكنها لم تذهب إلى أي مكان، لا لشيء، فقط لأنها وببساطة لم تكن متحققة الوجود عربياً. وسال كلام كثير عن إمكانية تصنيع الأدب، تيمناً بحركة التصنيع الثقيل المسفيتة واستصلاح الأراضي البعلية، فنما عدد من الكتاب والقراء الذي خاضوا المعارك، وانتصروا تحت سلطة وسطوة الإيديولوجيا. وإن كانت الجدانوفية قد أنتجت كتاباً وقراء حالمين بجمهورية الالتزام، من خلال التحزّب السياسي، فإن القوميين الذين قابلوا الأرسوزي بماركس الجدانوفية، وقابلوا ساطع الحصري بلينين الستاليني، لم يكونوا أفضل حالاً، من جهة أقلمة مفهوم الالتزام السارتري أقلمات سياسية مشابهة لرصفائهم الماركسيين الجدانوفيين. وفي كلتا الأقلمتين الماركسية والقومية، عربياً، كان الأدب محكوماً وموجهاً وملحقاً، ولم يكن فيهما ما يحيل على الأدب. واليوم بعد خفوت الأصوات ماذا يجدي طرح أسئلة عن غائية الأدب، وماهية الأدب، ولماذا نكتب؟ وما الكتابة؟ والأدب الشامل، والأدب الصميمي. وهي أسئلة استندت إلى أطروحات فلسفية كثيرة، وحوّل بعضهم إجابتهم إلى مقولات أدبية وفكرية. وأثيرت هذه الأسئلة بحماسة في ستينيات القرن الماضي وما بعدها، حيث نوقشت كثيراً وعلى مدار عقدين من الزمن، وبصورة متواترة وكثيفة، وبعد عناء وجعجعة انتهت إلى لا شيء، من غير خاتمة أو قرار. ربما لأن »جان بول سارتر« صاحب ومنظر نظرية الالتزام الأدبي هو نفسه قد تحول من الأدب إلى السياسة، حين ختم حياته بموقف أقرب إلى الإلزام منه إلى الالتزام، لتتبدد مقولة الحرية التي كان يتمسك بها، ويتبدد مفهوم الحق لديه مع تغاير مفهوم العدالة، حين ساوى ما بين الضحية والقاتل خلال زيارته لإسرائيل. وبالرغم من ذلك فإن مقالات الكتاب، تنطلق من مفهوم الالتزام السارتري تحديداً، نظراً لأن هذا المفهوم تبلورت ملامحه من خلال الجهد التنظيري الذي بذله جان بول سارتر، ومن خلال ردود الفعل والخصومات الجدالية التي أثارها. لكن ما جدوى محاولات استعادة فاعلية هذا المصطلح من جديد، وتحديثه بقليل من الإعدادات الجديدة، وهيكلته على أسس تجمع ما بين المفهوم السارتري للالتزام في الأدب، وتركيبات وبنيات ودوافع جديدة، تناسب ظروفنا الراهنة، التي تغاير الظروف والشروط التي طرح فيها سارتر مفهومه ومقولاته. لا شك في أن النقد التاريخي والتأويلي يمتلك دوراً في معرفة الأطر التي رسم من خلالها سارتر مشروعه النقدي في كتابه »ما الأدب«، ويمكن للفاعلية النقدية أن تبدأ من المنطلق السارتري نفسه، لتطاول أسئلة ما الكتابة؟ لماذا الكتابة؟ ولمن نكتب؟ لكنها يجب أن تفترق عن منطق الاستعادة والنوستالجيا وإعادة ترديد الطروحات. والأجدى هو أن نقدم إجابة عن سؤال معنى الالتزام في هذا الزمن، زمننا المقوّض كما يسميه فيصل دراج، عبر فاعلية نقدية، تنظر في دواعي بروز مفهوم الالتزام في الأدب العربي، وهي فاعلية تنطلق إلى الممارسة النقدية، وتأخذ مناقشة تجليات المفهوم عبر سياقات متعددة عبّرت عن أشكال مضمرة وظاهرة من الالتزام، مع العلم بأن هناك فروقاً كثيرة تفصل بين زمن الالتزام الصريح وزمن النص الأدبي المكتفي بموضوعيته، لذلك علينا إعادة النظر في معنى الالتزام بين البداهة والتأمل، وفق جدل شرط إنتاج النص الأدبي وشرط قراءته. غير أن التأثيرات والانعكاسات التي يخلفها مفهوم ما، في حقل ما، تتزامن مع لحظات تمفصل ثقافية وسياسية واجتماعية عديدة، لها امتداداتها وأقلماتها المختلفة، حسب الإقليم المعني، وقد تحمل رواسب ضبابية لأقلمة المفهوم، ومعوقات للخلق والتفاعل الخلاق. وفي حقل الأدب، ليس النقد هو ما يخلق ملامح الأدب وذائقة المتلقي، وإنما تسهم إلى جانبه إنجازات الكتاب وقدراتهم على صهر ما يعتمل في تجاربهم وفي أحشاء المجتمع المتحول، النابض بإيقاعات جديدة. لكن »سلطة« النقد كثيراً ما تميل إلى التقعيد الضيق والى التصنيفات الثابتة في مجال الأدب المتغير باستمرار. الالتزام السارتري والانطلاق من مفهوم الالتزام السارتري تحديداً، لا من الدلالة العامة لما توحي به كلمة التزام من انشغال المبدع بقضايا المجتمع وفئاته، له دلالته في عالم الأدب، من خلال فاعلية الكتابة والقراءة. وربما يكون أدبنا بحاجة أكثر إلى نوع من عمليات المساءلة والخلخلة و»التفريغ«، وإعادة النظر في ما تراكم لدينا من خلال الأقلمات العديدة التي تفتقر إلى الكثير من الاستيعاب والتمثل والتدقيق. لكن التركيز على المركبات والحمولات الفكرية لمفهوم الالتزام، يؤطر خاصية هذا المفهوم في فكرة الحرية، من حيث ربط الأدب بتحقيق هذه الحرية للمجتمع بكامله، استجابة لجدلية فاعلة من التاريخ في شقيها السالب والموجب، وهنا يبرز مفهوم »الأدب الملموس« ليكون أفقا مجسداً لتحرير المجتمع، وجعل ثورته دائمة. ولا يخرج الالتزام »الأدبي« وإن كان »ملموسا« أو »مسؤولا« عن إحالات الإيديولوجيا التي تقف خلف هذه الدعوة من دون أدنى شك، وهي تتفاوت في التزامها هذا بين أن تكون نتاج وعي من الكاتب وعلى أساس حرية الأدب واستقلاليته، وبين أن تكون امتثالية خالصة. لذلك يتوجب التفريق بين ما يحيله الالتزام نظرياً، إذ الكتابة موقف، وبين إحالات الالتزام التي تحتقب مواقف من الكتابة متعددة الأطياف بدورها، بدءاً من قول رهيف، يرى الحرية في الكتابة قبل أن يتأمل القول الحر الراحل إلى خارج عالم الكتابة، وصولاً إلى لاهوتية تساوي بين الأدب والتقزيم. ولا شك في أن القول الأدبي ينبني على لحظة حرية كثيفة، تهرب من عالم إلى آخر، وتنفي زمناً بزمن، كما لو كان الزمن الطليق الذي يحقق رغبات يمنع الزمن اليومي عن تحقيقها. وعليه لن نقف عند التأكيدات التي تتحدث عن ارتباط الأدب بالفلسفة والفكر بشكل عام، رغم أن مقولة »بالكتابة يؤكد الكاتب وعيه بذاته الوجودية الخاصة« هي مقولة قديمة، تقتضي الدفاع عن أطروحات معينة حول وظيفة الأدب الاجتماعية، فضلاً عن أن مفهوم الأدب قد تغير طوال أربعين عاماً مع تغير الواقع الاجتماعي وتجدد الإبداع، وفضلاً عن تطور الرؤية والمعرفة والخبرة، والقدرة على امتلاك أساليب التذوق وأدوات التحليل المختلفة. إذاً، المطلوب هو أن يرتكز المسعى على إعادة طرح مفهوم الالتزام من منظور إشكالي، ينسبه ويربطه بسياقه الفكري والثقافي. لكن التساؤل يطال ما تبقى من فاعلية مفهوم الالتزام، وعن إجرائيته النقدية، وهنا تباينت المقالات والشهادات حول المفهوم، لكونها تطال أسئلة الأدب، وهي متداخلة متشابكة مفتوحة، لا يمكن حصرها في نطاق ضيق. وتشير المسارات المختلفة والمتعددة التي ذهب فيها الكتاب والنقاد والشعراء إلى وجهات متعددة، تنتقل بالالتزام من دلالة اقترنت بالاجتماعي والعام والثوري إلى فضاء يفسح المجال للذات وقلقها وأسئلتها، من خلال الاتجاه الحداثي في الأدب، مع أن النقاد عاشوا إشكالية الالتزام على ضوء الثقافة الخاصة، والتغيرات التي شهدها الوعي الأدبي وإنجازات المبدعين العرب. لقد عرّف »رولان بارت«، ذات يوم، الأديب الملتزم بأنه ذلك الشخص الذي يحسن عمله الأدبي، وبالتالي فإن الالتزام يبقى في جانب الحيّز الاخلاقي النبيل، تجاه المعذبين والمقصيين وجملة الضحايا، وهو وإن تغاير كمفهوم بتغير أقلمته وأرضنته، فإنه لا يلزم الأديب إلا بعمله الأدبي، ذلك أن أدبية النص الأدبي لا تأتي من خارجه، بل من تجاوزه لتاريخه الذي ينتسب إليه، ومن قول يساءل ويخلخل كل ثابت ويقيني وراكد، ومن طرحه لأسئلة جديدة.