As Safir Logo
المصدر:

»الدبلوماسيون« عرض مسرحي لغسان مسعود في دمشق: كوميديا الأفكار العابسة

المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2004-06-30 رقم العدد:9831

كأي دعابة أو نكتة، لا تحتمل قصة أنطون تشيخوف »الدبلوماسي« أن تعبّأ بالأفكار، ولعلنا نجيز لأنفسنا تسميتها بالنكتة قياساً على ما درج عليه الكاتب الروسي الأشهر بإطلاقه وصف المزحة أو الدعابة على بعض أعماله. النكتة تفسدها الأفكار، تفقدها عفويتها، وتقلب مزاجها المرح إلى آخر متأفف. وهذا ما فعله غسان مسعود في مسرحيته »الدبلوماسيون«، التي تعرض حالياً في دمشق، ولا ندري لماذا يصر على تجاهل مصادر اقتباساته مع أن الأمر شديد الوضوح، فقد أغفل في الإعلان وفي دليل العرض أي ذكر لكاتب القصة حتى على سبيل الاقتباس. تسخر »دعابة« تشيخوف من غبي أُرسل ليخبر رجلاً بوفاة زوجته، وأوصي بالحرص على أن يخفف وقع النبأ، فالرجل مريض لا ينبغي أن يصدم. ومثلما تروي عشرات النكات علينا أن نتوقع من غبي أن يتلف أعصاب الرجل ويدمره من حيث يتوخى الرفق به، وفوق ذلك يعود ليقول للناس: »اذهبوا أنتم وأخبروه، لم أكد أنطق بكلمتين حتى انفجر بالبكاء«. ولكن ماذا حين يذهب العرض أبعد من هذه الدعابة ليقول إن الزوج راح يلوم نفسه لأنه ساهم بقتل زوجته، بسبب وضعه كموظف شريف لم يؤمن لها حياة نظيفة تمنعها من الموت قهراً؟ وهو تالياً يرمي إلى انتقاد الفساد في المجتمع السوري حيث نظافة الكف تعني الموت قهراً. إن افتراضاً كهذا يفسد الأمر، وقد يكون بذاته نوعاً من كوميديا غير مفهومة. بالضبط مثل أن يضاعف العرض عدد الدبلوماسيين إلى ستة بدلاً من واحد (طبعاً فلو التزم العرض بحكاية تشيخوف لانتهى بعشر دقائق)، ثم يعرض لمشكلاتهم وفسادهم المزعوم (الذي لم نشاهده على الخشبة) واحداً تلو الآخر. ولا شيء يمنع أيضاً من التعرف إلى عاملة التنظيف في مكتب الزوج التي تروي عنوستها وحكايتها مع ما لا يقل عن أربعة أزواج. ولو اتسع الوقت أكثر لكان من الممكن أن يأتي العرض برئيس العمل ومساعديه، وأهل الزوج والزوجة، وقد فعل شيئاً من ذلك حينما جاء بشخصية العديل (زوج أخت المتوفاة) ليقضي »الدبلوماسيون« وقتاً في محاولة للتعرف على صلة قرابته بالمتوفاة. غروتسك؟ يسمي مسعود أسلوب عمله هنا بالغروتسك، وكأنما يترفع عن القول إنه يقدم عملاً كوميدياً، وما الغروتسك سوى ذلك »النوع الكوميدي الفظ في الأدب والموسيقى والفنون البلاستيكية«، أما لماذا »كوميدي فظ« فربما لأنه يخلط، عن قصد، بين مختلف المتضادات، ليجعلها وحدة حادة عنيفة، حسب مايرخولد. ربما يكون طقس الموت هو أكثر الموضوعات تضاداً مع الضحك، وفي الغروتسك عليه أن يكون طقس موت جاد، وحين يخرقه صوت ذبابة سيكون التضاد قد وصل إلى حده الأقصى. ولكن الطقس في »الدبلوماسيون« هزلي منذ البداية، حين يفتتح ببكاء هزلي (أحس به منسوخاً عن بكاء فايز قزق في فيلم »رسائل شفهية«). ولكن ما لنا وللغروتسك في عرض لم يستطع أن يكون كوميدياً في الأساس، كما لم يستوف شروط العرض المسرحي. يجنح العرض إلى استخدام أسلوب شديد الوضوح في الكوميديا السورية، في التلفزيون كما في السينما والمسرح، وأبرز ميزاته الحركة الهزلية والصراخ، والأهم؛ الاعتماد على تنوع اللهجات، من دون مبرر يذكر، فاللهجة غير المألوفة في الدراما تؤسس سلفاً لمناخ كوميدي، فكيف إذا استعملت اللهجة بذاتها كمصدر للكوميديا؟ غير أن شيئاً من الحركة هنا كان جميلاً ورشيقاً ولكن بلا معنى؛ تعامل العرض مع ممثليه مثل شخص واحد مكرر، فكان الاصطفاف في رتل واحد مع ملابس واستجابات حركية واحدة أسلوباً موفقاً يعتمد الإيماء في خلق صور كوميدية كاريكاتيرية، بدا التكرار هنا مثل محاولة لتضخيم الإيماءة، ولكن المؤسف أن الإيماءة نفسها لم تكن من القوة بما يستحق التضخيم. الحركة كانت تستجيب لصوت ذبابة خرقَ صمت العزاء، أو لتشكل صورة الحافلة التي ينتقل بها الممثلون إلى مكان آخر، أو في انطباعاتهم تجاه فيلم مصري تقليدي يعرض أثناء سفرهم، كنا نستمع إليه في شريط صوتي مرفق، ونراه عبر انفعالاتهم. لنلاحظ هنا أن العرض يريد أيضاً، من بين مراميه الكثيرة، أن يسخر من الدراما المصرية بموضوعاتها التقليدية التي تتناول الخيانة الزوجية والقتل وما إلى ذلك! الممثلون، وقد كانوا جيدين في مكان آخر، لم يفلحوا في خلق أنماط كوميدية أو كاركْترات، فراحوا يختصرون المسافة بقراءة ملفات جُلبت بحجة أن كلاً منهم يسعى إلى فضح فساد الآخرين، وقد اضطررنا، نحن المتفرجين، أن نتعرف على ملامح الشخوص مذاعة ومقروءة من الورق، وهذه فرصة أخرى للكوميديا، إذ غالباً ما يشكل التلعثم في القراءة مادة دسمة للضحك! توطين النكتة ربما كان للشريط الموسيقي المرافق (الموسيقى لمحمد آل رشي) الفضل في إضفاء مزاج مرح على العرض، وكذلك في إطالة صبر المتفرجين، وهو عبارة عن كولاج ساخر (يذكّر بزياد الرحباني) يضم نتفاً من مقاطع لأغنيات مبتورة عن قصد، وكان أبرزها لازمة »أنا عربي« بصوت الممثل عبد الرحمن آل رشي المحوّرة عن الأغنية المعروفة بصوت آل رشي نفسه »أنا سوري يا نيالي«. والمعنى واضح بالطبع، فمسعود أوسع من أن يؤطر نفسه بانتقاد المجتمع السوري، ولا بد له من نظرة نحو فضاء العروبة الأوسع. وهذا ليس غريباً، إنما الغريب أن تتسع تلك النكتة لكل هذه الأفكار. واللافت أيضاً أن هذا الاتساع لم يلغ محاولة مسعود في تبييء العرض عبر لوحة ضخمة لمدينة دمشق في العمق، وعبر تسميات لمدن سورية، أو عبر أكثر اللهجات محلية، ولم تكن تلك المحاولات سوى قبض ريح، لأن تلك النكتة لا تقبل التوطين مثلما لا تقبل الأفكارَ الثقيلة. وعلى الأرجح فإن العرض حاول، وهو يتقرب من جمهوره المحلي، أن يكون سورياً في كل شيء، ولكنه حين أراد أن يكون لاذعاً استعار فضاءً هلامياً خشية من قيود الرقابة. ربما أراد غسان مسعود أن ينتقم من أدواره العابسة بعمل كوميدي، ولكنه ظل، كما بدا في العرض، يرفض فكرة الكوميديا، وأراد أن يحتال عليها مرة تلو المرة بالأفكار التي يعتقدها جادة، ولكن من قال إن الكوميديا ليست عملاً جاداً؟ ومن قال إننا لا نحتاج إلى الضحك، الضحك وحده، بلا رسائل ولا مقولات وبلا دروس للآخرين؟ (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة