As Safir Logo
المصدر:

ناصيف نصّار في »باب الحرية«: تعريف الماء بالماء

المؤلف: عجمي حسن التاريخ: 2004-06-25 رقم العدد:9827

يبدأ ناصيف نصار كتابه »باب الحرية« بدعوتنا الى نهضة عربية ثانية مفتاحها الحرية التي تتخذ الاولوية في سُلّم القيم. فالسبيل الوحيد كما يرى للتخلص من التخبط والضعف هو في استئناف مشروع النهضة في القرن الماضي وإعادة بناء الليبرالية ببعديها العقلاني واللافرداني. ورغم ان هذا الاتجاه يعترف باستقلالية الفرد فهو يرتكز على مبادئ الانتماء والتكافل الاجتماعي لكي يتجنب السقوط في المجتمع الاستهلاكي والتنابذي (ناصيف نصار: باب الحرية انبثاق الوجود بالفعل. 2003 دار الطليعة. ص9. ص 1512). لكن ما هي الحرية؟ يقدم نصار تحليلات عدة لمفهوم الحرية تنقسم الى قسمين: اولا تحليلات لا تنجح في تمييز الحرية عن غيرها من المفاهيم، وثانيا تحليلات تقع في الدور. يقول: »الحرية موضوع خبرة كيانية وممارسة تاريخية« (ص5). لكن هذا التعريف لا يميز الحرية عن غيرها من المفاهيم كمفهومي الحياة والثقافة. فالحياة والثقافة (اي انماط السلوك والتفكير) خبرات كيانية وممارسات تاريخية. ويقع في المشكلة ذاتها حين يعتبر ان الحرية »صفة جوهرية للانسان في علاقته مع ذاته، ومع الآخر، ومع الطبيعة، ومع المطلق« (ص8). فاللغة مثلا صفة جوهرية للإنسان يعبّر بها عن ذاته والآخر والطبيعة والمطلق وبذلك هي صفة جوهرية للإنسان في علاقاته المختلفة. بما ان التحليلين السابقين للحرية يفشلان في تمييزها عن مفاهيم اخرى، اذاً هما تحليلان خاطئان، فالتحليل المرغوب به هو الذي ينجح في تمييز المفهوم المُراد تحليله عن المفاهيم الاخرى. أما تحليلاته الاخرى للحرية فتقع في الدور. والدور (التحليلي) هو تعريف الشيء بالشيء ذاته كتعريف الماء بالماء. يقول: »الجماعة الحرة هي الجماعة التي... تدرك ايضا انها تتألف من اعضاء أحرار، تمارس حريتها من خلال ممارستهم لحريتهم. والافراد الأحرار هم الاعضاء الذين يمارسون حريتهم...« (ص 55). لقد عرّف هنا الجماعة الحرة من خلال الاعضاء الاحرار، وعرّف الافراد الاحرار من خلال ممارستهم لحريتهم. لكن الافراد هم الجماعة، ومفهوم »الاحرار« مشتق من الحرية، وبذلك حلل الجماعة الحرة من خلال مفهوم الجماعة الحرة فوقع تحليله في الدور. ويكرر نصار تحليلات مختلفة تقع في الدور، فيقول مثلا: »والشعوب الحرة هي الشعوب التي افرادها احرار، وأنظمتها متشبعة بروح الحرية« (ص 66). ويضيف: »حرية العقل لا تعني فقط رفض الهيمنة التسلطية لجانب معين من جوانب نشاط العقل على غيره من الجوانب، بل رفض الهيمنة التسلطية لنشاط العقل بجوانبه المختلفة على أنشطة الفكر الاخرى ايضا« (ص 108). لكن رفض الهيمنة العقلية اي عدمها ليس سوى حرية العقل، وبذلك حلل حرية العقل بحرية العقل. ويكمل: »الفكر الحر هو الفكر الذي ينشط ويخترع أدواته، وفقا لقوانينه وقواعده ومقتضيات موضوعه، باندفاع حرية تحركه« (ص 110). هنا لم يستخدم فقط مفهومي الفكر والحرية لكي يُحلل الفكر الحر، بل قال ايضا إن الفكر الحر ينشط ويخترع ادواته. لكنه ينشط ويخترع ادواته بحرية وإلا اصبح اختراعه لأدواته مُكبلا وفقد فكره الحر. بذلك عرّف الفكر الحر ايضا من خلال الاختراع الحر لأدوات الفكر، فوقع في دور آخر. كما يُعرّف نصار الحرية على انها اختيار لغايات وقرار للقيام بأفعال (ص 158. ص 161. ص 168). لكن لا بد ان يكون الاختيار والقرار اختيارا حرا وقرارا حرا وإلا زالت الحرية، وبذلك حلل نصار الحرية من خلال مفهومي الاختيار الحر والقرار الحر فوقع من جديد في الدور. التوفيق قد يبدو انه ينجو من الدور حين يُعرّف الحرية من خلال مفهومي السيادة والمسؤولية، »الانسان الحر هو إذاً الانسان السيد المسؤول عن حياته ومصيره« (ص 76). لكنه يدفع تحليله هذا نحو الدور حين يُحلل المسؤولية من خلال مفهوم الحرية، »فالمسؤولية صفة لطبيعة الانسان بوصفه كائنا يفعل في الوجود بإرادة حرة« (ص 178 179). هنا عرّف الحرية من خلال المسؤولية وعرّف المسؤولية من خلال الحرية فوقع في الدور. من جهة اخرى، اذا كان يقصد بالسيادة الحرية في التصرف والقرار حينئذ سيقع تحليله في دور آخر. لكنه لم يقل لنا ماذا يقصد بالسيادة!. أما المفاهيم الاخرى التي يتداولها الكتاب فلا تتمكن من عدم السقوط في ثقب الدور الاسود.فهو يُحلل المعاصرة من خلال مفهوم العصر الواحد، والتحديث من خلال الحداثة، والحداثة من خلال الجديد (ص 31 33). لكن مفهوم المعاصرة مشتق من مفهوم العصر، والجديد هو الحديث، والحداثة والتحديث مفهومان مترادفان. ولا يستغني عن الدور حين يُحلل مفهومي التسامح والمصلحة. يقول:... قوام التسامح ارادة تسمح للآخرين بالتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم... من يتسامح هو من يقدر على ان يسمح« (ص96). لكن »تسمح« »ويسمح« مشتقان من التسامح، وبذلك عرّف التسامح بالتسامح. اما المصلحة، بالنسبة اليه، فهي »فعل صالح للفاعل« ويؤكد: هي »المجال الذي يتم فيه الفعل الصالح للفاعل« (ص 132131). الصالح والمصلحة مترادفان، من هنا يقع تحليله هذا في الدور. لكنه ينجو من الدور حين يُحلل المصلحة بطريقة اخرى قائلا إنها: »اي فعل من حيث هو فعل يؤدي الى نتيجة مقصودة ومرضية للفاعل... فالفعل الذي يتوافق مع حاجات الفاعل وتطلعاته، ويتلاءم مع اوضاعه الحاضرة او المستقبلية، هو بالضبط مصلحته« (ص 130. ص 132). لكن رغم هذا النجاح الاخير يعيدنا الدكتور نصار الى الدور حين يعرّف العقل النقدي وتاريخ العقل والعقل الاخلاقي: »العقل النقدي هو، في حالة انعكاسه على ذاته، عقل ناقد لذاته... تاريخ العقل هو تاريخ انجازاته وتاريخ وعيه بذاته...« (ص203). اما العقل الاخلاقي بالنسبة اليه فهو الادراك الاستدلالي لحقائق الاخلاق (ص 257)، وبذلك حلل العقل الاخلاقي بالادراك (الذي هو مفهوم عقلي) وبالاخلاق. ولا ينسى ان يقع في الدور التفسيري الذي هو تفسير الشيء بالشيء ذاته. يقول: »إن مبدأ الكرامة، المشترك بين الناس كلهم، هو ما نشتق منه طبيعية رفض الذل ووجوبية الامتناع عن الاذلال« (ص227). هنا فسّر رفض الذل من خلال وجود الكرامة، رفض الذل موجود لأن الكرامة موجودة. لكن الكرامة ليست سوى رفض الذل، وبذلك فسّر رفض الذل برفض الذل، فوقع تفسيره في الدور. من جهة اخرى، ينجو من الدور حين يُفسّر الشعور الانساني بالتضامن من خلال وجود الحق والحرية في الانسان، »لولا وجود الحق والحرية في كيان كل فرد انساني، لما أمكن اي فرد ان يشعر بتضامن مع اي فرد آخر مظلوم او مقهور« (ص 229). لا يسعى الكتاب الى تحليل المفاهيم السابقة فقط لكنه يقدم ايضا مذهبا سياسيا اخلاقيا يدعى الليبرالية التكافلية ومفاده ان على الفرد ان يحقق مصلحته ومصلحة المجتمع في آن معا (ص 57 61). المشكلة في هذا المذهب انه لا يُسعفنا بأي حل، فالمشكلة الفلسفية الاساسية هي كيف من الممكن ان نوفق بين مصلحتنا الذاتية ومصلحة مجتمعنا؟ والقول بأنه علينا ان نقوم بهذا التوفيق او ان نسعى الى تحقيق مصلحتنا ومصلحة مجتمعنا في الوقت ذاته لا يساعدنا في حل المشكلة. لنتأمل حالة ممكنة حيث تطالب دولة قادرة ومتسلطة بانتحاري والا أعلنت تجويع مجتمعي. مصلحتي في ان لا انتحر اما مصلحة مجتمعي فكامنة في ان انتحر، فما العمل؟ لا تُرينا الليبرالية التكافلية اي حل. وفي ساحة دفاعه عن هذه الليبرالية يتحصن بالعقلانية ناقدا بها موقف الفيلسوف رورتي الذي يحلل الحقيقة على انها منفعة. وبرهان الدكتور نصار هو التالي: ان غاية البحث عن الحقيقة »لا تقرر شيئا عن الحقيقة في ذاتها. فاستخدام الحقيقة شيء، واستكشاف الواقع شيء آخر«، وبذلك يستنتج لو أننا نسعى الى الحقيقة من اجل المنفعة فهذا لا يؤدي الى ان المنفعة هي معيار الحقيقة (ص 202). هذا البرهان يقع في المصادرة على المطلوب. فإن المطلوب ضد موقف رورتي ان نُبرهن على ان استخدام الحقيقة يختلف عن استكشافها كواقع مستقل عنا، لكن برهانه سلم بالمطلوب واعتمد عليه ليصل الى نتيجة ان المنفعة ليست معيار الحقيقة. بالاضافة الى ذلك، يبدو ان الليبرالية التكافلية مرتبطة بنظرية الدكتور نصار في الانسان، فبينما الليبرالية التكافلية معتمدة على مبادئ الحرية والعقل والعدل والسلطة (ص 6157)، فإن الارادة الحرة والعقل هما القوتان الاساسيتان في تحريك الانسان (ص 175). لكن من المستحيل ان نفهم فلسفته لانه لم يخبرنا ما هي الارادة وما هو العقل، ومن دون تعريف لهما يفقد نصه اي مضمون. ولكي لا نتوقف هنا يدعونا نصار الى تأمل موقفه الاخير الذي يغوص في التناقض الذاتي. من جهة يقول: الارادة والعقل قائمان في استقلال عن بعضهما البعض، فالارادة غير مشروطة بالعقل، والعقل غير مشروط بالارادة. ومن جهة اخرى يقول انه عندما يبدأ الفعل الانساني او اختياره للغاية يصبح العقل شرطا للارادة، والارادة شرطا للعقل (انظر ص 175). هذا تناقض واضح، لو ان الارادة مستقلة عن العقل والعكس صحيح، فمن الخطأ القول ان احدا منهما يصبح شرطا للآخر وإلا لكانا بالاصل غير مستقلين عن بعضهما البعض. رغم أننا نتفق معه في قبول الحرية لم يتمكن نصار من شرحها لنا. كل هذا بسبب الدور المنطقي اللعين والتناقض الذاتي ومصادرة ما نطلب. وكما العادة ينتهي البحث الفلسفي بل يبدأ برفضه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة