تنتظر الحكايات الخرافية مولد كل طفل، كما ينتظر المسرح زوّار الساعة الثامنة مساء. إنّها أوّل مادة إبداعية تقدّم للإنسان. فنحن نولد ونجدها في انتظارنا. وهي أول باب، وربما الأخير، على عالم السحر والعجائب والخوارق التي تغني أخيلتنا، وتستقرّ في قاع ذاكرتنا ووجداننا، مشكّلة قاعدة لتفاعلنا مع العالم ورؤيتنا للحياة وتصورنا المستقبلي لها أيضاً. بعيداً عما تقدّمه لنا من تسلية وإغناء للمخيّلة، فإنها ليست أقلّ من حلم الانسانية الكبير والأزلي بإيجاد عالم مثالي، ينتصر فيه الحق، ويسود العدل، ويموت الأشرار، ويتزوج الأمير الأميرة، ويعيشان في قصرهما بتبات ونبات وينجبان »صبيان وبنات«. الحكايات الخرافية التي عاشت عصوراً، وصمدت حتى ظهور الطباعة، التي كافأتها على أصالتها وصمودها هذا، بأن خلّدتها ودوّنتها في كتاب التاريخ، هذه الحكايات التي انطلقت منها الآداب العالمية والفنون، هل صارت فلكلوراً منسيّاً؟ وهل توقّف البحث عن المملكة المثالية والفاضلة، بعد فشل جميع محاولات الانسان في تحقيقها؟ وإذا كانت عصور ما قبل التأريخ والتوثيق، قد انتجت سلسلة الحكايات الخرافية الخلّابة هذه، فما الانتاج الموازي الذي تطمح إلى تقديمه عصورنا التكنولوجية هذه؟ في داخل كل فتاة وامرأة حلم بالتماهي مع سندريلا، التي تظهر عرّافتها يوماً، فتسحر لها ثوباً خلّاباً لتأسر بجمالها المثالي والنموذجي قلب الأمير الشاب، الذي سيطلب يدها للزواج في النهاية. وداخل كل فتى ورجل حلم بالتماهي مع الأمير الفارس، الذي يتخطّى بشهامته وذكائه الصعوبات التعجيزية، كي يصل الى الأميرة النائمة منذ زمن، ويوقظها بقبلة تجعلها أسيرة قلبه ومكافأة لبطولاته. في النهاية تتحقّق مملكة العدالة والحرية والحبّ الأبدي والخصوبة أيضاً... وهذا العالم المثالي الذي طمحت إليه البشرية، قد لا تكون حقّقته الا في القصص الخرافية. يشترك في هذا الحلم جميع البشر، في كافة أصقاع الأرض. فعندما قام الباحثون والناشرون الأوروبيون بتدوين قصصهم الشعبية الأوروبية، اندهشوا لمدى التقارب بين حكاياتهم، مما عنى أن لهذه الحكايات مصدراً واحداً في النهاية، هو المصدر الانساني. أما عن حكايات الشرق وأفريقيا وأميركا فإنها وللأسف ما زالت، بجزء كبير منها، مجهولة عالمياً، باستثناء »ألف ليلة وليلة« مثلاً، التي ومنذ ترجمها المستشرق الفرنسي أنطوان غالان Galland، بداية القرن الثامن عشر، تربّعت على عرش القصص الخيالية الشعبية في العالم، وفي أوروبا تحديداً، التي لم تستفق إلى اليوم من سحرها. كما هناك الكثير من الحكايات التي انقرضت مع الأيام، كما أنقرض أصحابها وشعوبها (الهنود الحمر مثلاً) وهناك المهدّدون بالانقراض (الأسكيمو مثلاً) بسبب جشع الإنسان وعدم تبصّره، وبسبب التلوّث الذي يلحقه بالأرض، وما يتبعه من تغييرات مناخية، سترفع حرارتها وتقضي على ثلوج قطبيها وعلى الأسكيمو أيضاً. وهناك الشعوب التي لا تكترث بالتدوين، لما تعانيه من مشاكل كبرى كالأمية والفقر والاحتلال والقمع... للأسف، لن يأبه الكثيرون لضياع هذا التراث، فاللغات تضيع والثروات الطبيعية تستفذ والحقوق الإنسانية تسحق... لذلك لا نسمع دعوات جديّة للمطالبة بحماية هذا الفلكلور العالمي، ولملمة، ما بقي منه، من أفواه البشر الذين يحفظونه عن آبائهم وأجدادهم. ما قد نعوّل عليه هو أن تناضل هذه الحكايات، كما ناضلت منذ عصور سحيقة، لأجل البقاء. ما وصل الينا من هذا التراث كان ذاك القليل الذي احتفظت به الذاكرة البشرية، والقليل الآخر الذي بدأ تدوينه مع انتشار الطباعة بعيد منتصف القرن الخامس عشر. كانت الحكايات الخرافية الشعبية امتيازاً عائلياً وتربوياً للجدّات والأمّهات تحديداً، لكنها صارت مهنة للحكواتي والراوي والمنشد، خصوصاً في العصور الوسطى، التي سادت فيها »الحكايات المنشدة« ballades، التي تروي سير أبطال أسطوريين. كذلك صارت الحكايات امتيازاً للشعراء الرواة، وأشهرهم، في فرنسا، الشاعر الغالوي Taliesin. ولا ننسى أغاني الحيوانات أو chantefables. لم تفطن الطباعة إلى هذه الحكايات باكراً، استغرق الأمر قرنين وأكثر حتى نشطت وتطوّرت طباعة ونشر وتسويق هذه الحكايات الشعبية، والخيالية تحديداً. ولكن البداية الحقيقة لهذه الحركة كانت مع الرائد الكبير، الكاتب الفرنسي شارل بيرو Perrault، الذي عاصر موليير وراسين ولافونتين (فُتن ب Fables هذا الأخير) ولم يقلّ عنهم جميعاً موهبة وشهرة. وقد جمع بيرو الحكايات الشعبية الخرافية الشهيرة في عصره، في كتاب تحت عنوان »Contes de ma mere l Oye« عام 1697. لم يوقّع بيرو، رجل القانون، اسمه على الكتاب بل وقّعه باسم ابنه. لكن عندما نجح الكتاب واجتاح أوروبا، لم يكن من بدّ من كشف اسم الكاتب الأصلي. أشهر قصص الكتاب:»جميلة والوحش، ذات الرداء الأحمر والذئب، الهرّ أبو جزمة، بياض الثلج والأقزام السبعة، عقلة الأصبع، الأميرة النائمة، سندريلا...« وقد أثّرت بالكثير من الكتّاب، وبقي تأثيرها فعّالاً حتى مطلع القرن التاسع عشر، إذ استلهم الأخوان غريم Grimm (جاكوب وويلهيلم) من قصصه كتابهما الشهير »contes d enfants et du foyers« الصادر في ألمانيا. فيما بعد ظهرت نسخات منقّحة ومطوّرة من هذين الكتابين الرائدين أو المرجعين، وتمّت إضافة قصص جديدة إليهما. تدوين القصص الشعبي لا تنسب هذه القصص الشعبية إلى بيرو، فهو قام بجمعها وصياغتها، ولكن أدب الحكايات الخرافية والخيالية مدين له. بدأ هذا الأدب مرحلة جديدة ومختلفة بداية القرن الثامن عشر، مع ترجمة »ألف ليلة وليلة« من العربية إلى الفرنسية والانكليزية، وظهور أوّل كتاب نوعّي في أدب المغامرات، والذي طبع أدب عصره وعصور لاحقة بطابعه، وهو كتاب »الحياة والمغامرات الغريبة لروبنسن كروزويه« للكاتب الانكليزي دانييل دوفو Defoe، عام 1719. من الواضح تأثّر ديفو بمغامرات السندباد البحري ضمن »ألف ليلة وليلة«. Crusoe رجل إنكليزي، ينجو بمفرده من السفينة الغارقة، ويجد نفسه فوق جزيرة غير مأهولة، ويتمكّن بإيمانه وذكائه، من النجاة والتفوّق على الطبيعة القاسية. رسالة دوفو كانت ترمي إلى الاشادة بالمبادئ التربوية للطبقة البرجوازية الليبرالية في انكلترا، التي ينتمي إليها البطل، كذلك بتديّنه. لكن قصّته تخطّت هذه الرؤية، وصارت إحدى قصص الصغار المفضّلة، كذلك نموذجاً لحركة أدبية عرفت بالروبنسنيات أو les Robinsonnades، والتي تتّخذ من جزيرة معزولة مسرحاً لها، مثل »روبنسن السويسري« للكاتب جوهان دافييد ويس Wyss عام 1812. و»جزيرة الكنز« لروبرت لويس ستيفنسن عام 1883. و»كتاب الغابة«، بطله الطفل الذئب »ماوكلي«، للكاتب كيبلينغ، عام 1894. لا شكّ أن قصة كروزويه تذكّرنا بحي بن يقظان، التي قدّمها الفيلسوف والطبيب الفارسي، ابن سينا، برؤية فلسفية، مطلع القرن الحادي عشر. لكن حكاية هذا الأخير كما كتبها ابن سينا لم تكن تنتمي الى الأدب الشعبي، بل كانت على الأرجح تتوجّه للنخبة المتعلّمة، النادرة في ذلك العصر. لا بدّ هنا من ذكر الدور البارز الذي لعبته مكتبة »هاشيت« الفرنسية، إذ فطنت الى اقبال العائلات على شراء القصص الخيالية لأبنائها، فتعاقدت مع مجموعة من الكتاب ورجال الكنيسة والرسامين لإصدار كتب للصغار، ضمن ما اشتهر بتسمية »المكتبة الوردية«. أبرز المتعاقدين مع هذه المكتبة الكونتيس دو سيغور، Comtesse De Segur، التي بعد أن نشرت كتابها »القصص الخرافية الجديدة« عام 1958، انتقلت الى لون آخر، وهو القصص الواقعية التي لاقت اقبالاً كبيراً من الصغار، إذ خوّلتهم التماهي مع أبطالها الواقعين. أهمّ هذه القصص، »حكايات بناتي الصغيرات، حكايات العارضات الصغيرات، آلام صوفي، ثروة غاسبارد، جني طيب صغير«... وذلك بين خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر. لكن هذا النجاح لم يعن نهاية زمن القصص الخيالية، والدليل هو النجاح المدوّي لقصة الكاتب الأنكليزي لويس كارول، »أليس في بلاد العجائب« الصادرة عام 1865، تبعها جزء ثانٍ بعنوان »الوجه الآخر للمرآة، عام 1872. تهرب الفتاة الانكليزية أليس، الجالسة في الحديقة، من السأم بأن تلحق أرنباً غريباً، تنزل في جحره وتصبح صغيرة الحجم، تتجوّل في عالم غريب، تلتقي بحيوانات وبأوراق كوتشينة ناطقة... ثم تستيقظ من غفوتها، وتكتشف أن بلاد العجائب تلك كانت مجرّد حلم. فتحت أليس شهيّة الكتّاب على عالم العجائب والغرائب، فظهرت »جزيرة الكنز« ثم »كتاب الغابة« ثم »مغامرات بينوكيو« عام 1881 للكاتب والصحافي الإيطالي كارلو كوللودي Collodi. ترجمت رائعة كولودي الى 200 لغة وجنت أموالاً طائلة، وهي كما أليس توازي القصص الشعبية الخيالية نجاحاً وشهرةً، بسبب تقيّدها بمبادئ هذه القصص، مثل العالم الخيالي، الشخصيات الخارقة (أهمّها العرّافة الساحرة) وقاعدة »التحوّل« la Metamorphose (تحوّل الوحش إلى أمير واليقطينة إلى عربة لسندريلا...) كذلك يتحوّل بينوكيو اللعبة الخشبية بعد أن يستقيم سلوكه إلى طفل حقيقي. يبدو لنا ونحن نحصي الأعمال الخرافية التي يبتكرها الكتّاب، أنه كلما تقدّمت عجلة الزمن كلّما شحّ وقود الخرافة والسحر. فبعد أن خطا الانسان فوق سطح القمر وتبيّن له أنه أجرد مظلم قاحل، وبعد الاكتشافات العلمية والقفزات التكنولوجية التي تحقّقت في القرن العشرين، قد يبدو أنه لم يعد للخرافة والسحر والعجائب مكان. وكان يمكن »لنيلز«، الفتى الذي بحجم فراشة، والذي ظهر مطلع القرن العشرين، أن يكون آخر الابتكارات الخرافية. فهذا الفتى السويدي الذي تعاقبه ساحرة على عبثه وسخريته من الآخرين بتصغير حجمه، يعتلي ظهر أوزة برية ويسافر معها فوق الأراضي السويدية، مكتشفاً موطنه جغرافياً وطبيعياً، يستعيد في النهاية حجمه الحقيقي بعد أن تتحوّل شخصيته وترضى الساحرة عنه. لعبة السحر والخيال والتحوّل والنهاية السعيدة موجودة أيضاً وهي لم تحقّق للقصّة شهرة عالمية فقط واقبالاً من الصغار بل منحت الكاتبة السويدية سيلما لاجرلوف Lagerlof، نوبل للآداب عام 1909، فكانت بذلك أول امرأة تنال الجائزة وأول سويدية أيضاً. بعد نيلز حدثت كبوة عالمية أدبية سبّبتها الحربان العالميتان. وهنا كان لا بدّ من وقفة. فقد وجد كتّاب القرن العشرين أنفسهم أمام تحدٍّ صعب. جمعوا النتاج الخيالي الخرافي المكتوب ووجدوا فيه كلّ ما قد يخطر ببال كاتب، وما لا يخطر بالبال مطلقاً، ووجدوا كتّاباً عالميين ينهلون من »ألف ليلة وليلة«، ويعترفون بفضلها على أدبهم وعالميتهم، أبرزهم ماركيز، كما وجدوا المدارس الفكرية العقلانية تفرض نفسها، كمدرسة الفلسفة التحليلية أو التجريبية المنطقية (هيوم) والمدرسة المادية، والداروينية الجديدة، والماركسية الجديدة...صحيح أن ثمّة مدارس سوريالية ودادائية... إلا أنها لم تكن الغالبة على العصر، بل كان بعضها مجرّد خطرات عابرة. فهل استسلم الكتّاب؟ يبدو أن الإجابة لدى الصحافة البلجيكية. عام 1958 ظهرت للمرة الأولى قرية خيالية، تسكنها كائنات زرقاء عجيبة، على رأسها عجوز حكيم، ساحر وخبير بخلطات الأعشاب، وذلك عبر الشرائط المصوّرة، اللغة الخاصة التي طوّرها القرن العشرون لمخاطبة الصغار وسحرهم. نتحدّث هنا عن السنافر وقريتهم وسط غابة ما، غير محدّدة كعادة غابات القصص الخرافية، ونتحدّث عن الرسّام والسيناريست البلجيكي بيار كوليفورد Culliford، المعروف ببيو Peyo. سحرت هذه الشخصيات الغريبة العالم وترجمت الى معظم اللغات وتحوّلت الى التلفزيون، استمرت حلقاتها تعرض عشرات السنوات. لكن كائناً خرافياً آخر جديداً لم يأخذ مكانها، حتى العبقري والت ديزني، لم يبتكر مخلوقات خيالية، بل سعى خلف القصص الخرافية والأسطورية، وحوّلها إلى السينما والتلفزيون، مثل »جميلة والوحش« »بينوكيو« »سندريلا« »ويني الدبدوب« »سندباد« »علاء الدين«...إضافة الى أبطاله الأساسيين: الفأر ميكي وأصدقاؤه البطة والكلب... في هذا الوقت حمل التلفزيون عبر تقنية الرسوم المتحرّكة لواء القصّ للأطفال، ولعب دور الجدّة والراوي، وبدا أن زمن الكتاب قد ولّى، إلى أن مرّ ،صبيحة أحد أيام العام 1997 ، طائر بوم غريب فوق بيت ورمى للفتى اليتيم، هاري بوتر، رسالة تحدّد له موعد التحاقه »بمدرسة السحرة«. لم يكن هذا الموعد مهماً ومصيرياً لهاري بوتر وحده، بل لأطفال العالم، وكباره أيضاً. القصّة للكاتبة الانكليزية ج.ك.رولينغ، وهي تتابع اصدار فصولها كتاباً إثر كتاب، ويزداد قرّاؤها شهراً إثر شهر، أما ثروتها فقد ازدادت أيضاً إلى درجة خيالية، كما قصصها، وفاقت ثروة ملكة بريطانيا الحالية! واليوم، مطلع القرن الواحد والعشرين، يبدو بوتر وكائنات عالمه السحرية، أبرز القادمين من القرن العشرين الى الواحد والعشرين. وتبدو مدرسة السحرة ومفرداتهم وعاداتهم وطموحاتهم وألغازهم المكان المثالي لتحقيق المستحيل، والقضاء على الأشرار، تحديداً السحرة الأشرار. مدرسة السحرة هذه تتوّج الساحرين والساحرات على عرش الخيال، بعد أن هاموا أوّل حكاية خرافية في الطبيعة وفوق الهضاب والأشجار، ها هم يؤسسون مدرستهم الخلابة، المتنفس الأخير ربما لأطفال اليوم، نحو عالم مثالي وجميل. أما »قرية السنافر الفاضلة« حيث يسود السلام بعد التغلّب على العدو الشرير الوحيد، شرشبيل، وحيث تتحوّل الأنثى الوحيدة سنفورة، التي ابتدعها شرشبيل لإغواء السنافر، الى سنفورة طيّبة وخيّرة، بفعل خلطة بابا سنفور السحرية، فالغناء والورود والعليق والتوت البري وعسل النحل والورود العطرة هي زينة تلك الحياة الهادئة السعيدة. ألا أن السنافر صاروا اليوم، بعد نصف قرن من النجاح، موضة قديمة، وثمة حاجة لإبتكار جديد ومخلوقات عجيبة جديدة، هل هم التيليتابيز، الكائنات التي تحمل شاشة تلفزيون فوق صدرها؟ ربما؟ أم البعبع، الذي يخيف به الكبار الصغار، والذي ابتكرته ديزني مؤخراً في فيلم »شركة الحيوانات المرعبة«؟ ربما أيضاً. نحن بحاجة الى الوقت كي نحكم. لكن الأكيد أننا مهما بلغنا من درجات التطوّر التقني والعلمي نبقى بحاجة إلى عالم الخرافات والقصص الشعبية الخيالية، لأننا نبقى نولد أطفالاً، فلم يتوصّل العلم الى اختزال هذه المرحلة، ولعلّه سيحاول تطويلها إن تمكّن، مما يجعل ضرورة ابتكار الجديد من هذه الحكايات مطلباً علمياً ومواكبة للعصر، إضافة إلى ضرورة إحياء ما هو معرّض للإنقراض والنسيان الكلّي من هذه الحكايات. التوازن النفسي منذ البداية قدّم الآباء لأبنائهم القصص الخرافية مادة للتسلية وتعلّم دروس الحياة، وإلى هذه الأهداف أضاف المحلّل النفسي الأميركي النمساوي، برونو بتلهيم Bettelheim، في كتابه »التحليل النفسي للقصص الخرافية«، عام 1976، وغيره من علماء النفس فيما بعد، مهمة أساسية لهذه القصص، وهي مساعدة الطفل على إيجاد توازن في شخصيته، وتأسيس علاقة قوية مع الواقع بتمييزه عن الخيال. إذاً هذا الاستنتاج النفسي المتأخّر كثيراً عن القصص الخرافية، يثبت علمياً كم خدمت هذه القصص الإنسانية، وكم حقّقت من توازن في شخصيات البشر، صغاراً وكباراً، أغنياءً وفقراء. وبعد ان أنقضى ما انقضى من عمر البشرية لا يبدو أن الإنسان قادر على تحقيق العالم المثالي والفاضل الا في القصص الخرافية والخيالية. لا يهمّ أن كان البطل حي بن يقظان أم كروزويه أم ماوكلي، جميعهم بشر أحلامهم وحكاياتهم ملكنا جميعاً ليست لها جنسيات او قوميات، فقد تزول هذه الأخيرة وتبقى الحكاية. تبقى الحكاية ملكاً لكل من يملك لساناً وذاكرة ومخيّلة مساحة صغيرة في القلب للحلم، ووقتاً مستقطعاً لغفوة ساحرة تنقلنا الى عالم العجائب الذي خلف المرآة أو في جحر أرنب. كانت طفولتي وأخوتي جميلة بقدر ما كانت حكايات جدّتي الشعبية جميلة وحكايات أمي الخرافية (التي وصلتها عبر الكتب) فاتنة. كانت الطفولة جميلة بقدر جمال الخرافة والسحر اللذين لا يؤذيان، كما تؤذي معتقدات الإنسان الأخرى التي تصل الى أن تكون أعرافاً وقوانين أحياناً. لذلك فإن العودة الى عالم الحكايات الخرافية يشكّل لنا حياة أخرى ومثلى، لذلك أيها المتبحّرون في شؤون التنقيب وأنتم تبحثون عن الثروات المجهولة وتقيمون الحروب من أجل النفط أو الذهب التوسّع الفضائي ابحثوا في طريقكم عن هذه الحكايات وألهونا بها عن فظائع العالم حولنا، فنحن نعلم أن على أليس أن تفيق من الحلم وتعود من بلاد العجائب ولكن فلتكن غفوتها أطول، أطول، بقليل، فقط.