As Safir Logo
المصدر:

الذين سجنونا في أوزان الخليل ساروا بنا إلى الموت الشعري محمد السويدي: الفصحى ناقة والمحكية غزالة

سويدي وإلى جانبه طلال حيدر
المؤلف: حيدر طلال التاريخ: 2004-05-28 رقم العدد:9803

ولد محمد السويدي في بيت ضم اكبر مكتبة خاصة. وهو الى كونه أمينا عاما للمجمع الثقافي شاعر »موانئ السحر« و»رفيق الليل« و»دقاقة الطار« و»اساور في ذراع القمر« دوواينه التي رفد فيها اللغة بالمحكي وحرر الشعر من أسر النبطي واغراق الفصيح المتزمت، حول اعماله كان هذا الحديث. ÷ هل نتكلم عن مسيرتك الشعرية،... كيف اجتزتها؟ { كله يتعلق بمفهوم الشعر.. أليس كذلك يا طلال؟! من كان الشعر عنده وزنا وقافية يصل الى الرنين. ومن كان يفهم الشعر بأنه عاطفة وحكمة فإنه يصل إليهما. أليست الحكمة فكرة ثبتت وترسخت حتى ماتت وصارت مثلا. الشعر تاج يتوج به كهنة الزمان من الشعراء. وأنا أتيت الهيكل منذ زمن بعيد أحاول ان أرسم ما لا يرى، رسم شيء واحد: صورة لاحت كومضة برق كلما حسبت أنك رأيتها تلاشت كأنها غيرها.. قصائدي ودواويني حتى الآن كانت محاولات في تلمس تلك الصورة. التميمة، السر. التعويذة. واعترف أنني لم أكن أحط بها كلها ولكنني قبضت على ملامحها منذ »أساور في ذراع القمر«. كنت في حالة مطاردة لذلك الكائن الاسطوري الذي اسمه الشعر ولم أكن قد قبضت عليه. لا أزال في هذه الغابة لكنه صار يأتيني، اذهب اليه يراني وأراه.. يستضيفني وأستضيفه، لقد تآلفنا حتى صرنا القصيدة والغابة والوحش الاسطوري معا. كنت أهذي.. كانت البداية ضربا من الهذيان وظللت أهذي الى ان رأيت النخلة التي تساقطت رطبا شهيا على الذين ولادة قصائدهم من روح الله.. الكتب ارواح.. مسكون أنا بأرواح الازمنة.. تسكنني وأسكنها. منها من يناديني فأسمعه ومنها من أناديه فيسمعني.. أشعر دائما في حالات الفيض أنني أجلس في أروقة الزمان في رواق يُرى أفلاطون يحاور سقراط عن الحق والخير والجمال، وفي رواق آخر تعبق رائحة الحبر من محبرة المتنبي. كلمة شاعر تبهرني. رأيت أقواما يصلون للشعر وقد غيبهم التاريخ، ورأيت حكما فصلا هو الزمان. ÷ يأخذنا حديث الشعر، الى الموسيقى.. من الوزن والقافية الى إيقاعات حديثة ومفاجئة ومن التوتر النفسي المألوف الى الايقاع السمفوني المتعدد النبرات.. كيف... (فقاطعني أبو جاسم قائلا): { وهذا ايضا يتعلق بمفهومنا للموسيقى. قال لي محسن سليمان، العالم الأوبرالي. ملخصا سموات الموسيقى العلى: دق جرس الباب فخرجت وفاجأني بتهوفن فصعقت وانحنيت امام تلك الهامة العالية، وفي اليوم التالي دق موزار فوقعت مغشيا عليّ ولما استيقظت اخذتني الموسيقى على سجادة الصلاة الى رحاب السماء. أنا محمد السويدي، ندهتني الموسيقى الكلاسيكية الى رحابها وفتحت لي باب فضائحها وحملتني الأوبرا في معراجها الى سماء الغناء السابعة سمعت صوت الارض وهي تدور صدى ل »زايدي« التي هي من السمو والبهاء ما يغنيك عن الصلاة لتتحد بالسماء.. مبارك الزمان الذي كتب باسمهم. يقول غوته »حيث ينتهي الشعر تبدأ الموسيقى.. ان الذين أحبوا ان يرتجوا علينا ابواب سجن الخليل بن أحمد الفراهيدي على الحانة الستة عشر إنما يريدون ان يسيروا بنا الى الموت الشعري على رتابة الربابة في عزفها للرتابة التي تشبه صمت الرمل والرمل غناء. لكي نستحق ان نسكن في زماننا علينا كشعراء ان نهدم هيكل الموسيقى البائدة على رؤوس ساكنيه ونهد السدود لتدفق مياه الروح جارفة في طريقها ازمنة التخلف والمفاهيم البائدة لنسمع رنين الكون في موسيقى القصائد. موسيقى مشرعة الابواب على إيقاعات لم تخطر على بال. وإلا فما هو مستقبل الاغنية؟! ألا يشهد عالمنا العربي عصر انحطاط الاغنية إذا لم نقل انقراضها.. كانوا على الأقل يغنون بذهب وكريستال حناجرهم، وأما اليوم فلا ذهب ولا كريستال ولا حبال للغناء ولا موهبة من السماء. حبالهم هي زمننا الصعب، هو ما يشكل ذائقة أطفالنا بنشاز منظم. الترجمة ÷ ما الذي حداك الى احداث قسم الترجمة في المجمع الثقافي، ترجمة الأدب العالمي من الصين واليابان الى أوفيد الى الألياذة، من التاريخ الآن الى اعماق التاريخ. { ضاقت الروافد العالمية على مجرى الشعر العربي بشكل خاص والأدب بشكل عام حتى كدنا نتقوقع في بركة زمن ضحل، في بركة معزولة عن مياه الثقافة العالمية. فالمناهج التعليمية في كل الاقطار العربية بليدة لا تفتح الابواب على الأدب العالمي ولا تبادر الى دعم المؤسسات التي تحلم بالانفتاح. مناهج شاخت فلم تستطع ان تلحق بذهنية الاطفال المتوثبة. لا يبدأ التاريخ من الجاهلية ولا ينتهي في العصر الاموي. الحضارة اصبحت ملكا للانسانية، للإنسان حيث كان. مثلما قطف الغرب ثمار الحضارة العربية وبنى بها حضارته التي فعلها فأوصلته الى القمر والمريخ علينا ان نقطف من حضارة الغرب ما يلائم مثلنا لنصل الى قمر أنفسنا. الانفتاح على العالم وحده يخرجنا من شرنقة الاصولية الخانقة. في بداية القرن الثامن عشر قرر الكسندر بوب ان يترجم الالياذة فاشترى الشعب الانكليزي نسخه سلفا ليمول مشروع الترجمة التي تغني الادب العالمي. هكذا تتعطش الشعوب للاطلاع على الكنوز العالمية فتغتني بالحضارة. علينا ان نعيد لعواصمنا العربية »دار الحكمة«. كذلك عام 1746 كان الهاجس اصدار قاموس اللغة الانكليزية فعمد الى جونسون التزام همة هذا الضرب من ضروب المعرفة التي احتاجت الى تمويل فقصد وزير الدولة اللورد شسترفيلد الذي منحه عشرة جنيهات فقط لا غير وفي المرة التالية تركه في غرفة الانتظار فصرف جونسون النظر عن إهدائه الموسوعة المعجمية واستغرق عمله تسع سنوات ولما أشرف القاموس على الظهور حاول اللورد ان يكفر عن تقصيره ليربح إهداء الكتاب فرفض جونسون الذي اصبحت رائعته خطا فاصلا في أدب القرن الثامن عشر الانكليزي وأرسل اليه يقول: انقضت اليوم سبع سنوات منذ انتظرت في حجرتك الخارجية ورددت عن بابك وإنني أمضي بعملي، والاهتمام الذي طاب لك ان تبديه تأخر حتى اصبحت عديم الاكتراث له ولكم. هذه سيرة المبدعين عبر العصور السلطة لا تفكر إلا بقطف الثمار، والمبدعون الكبار يكتبون أسماء اوطانهم على دفتر الخلود. ÷ هل صحيح أنك عاكف على تعلم الفارسية. ألا تكفيك الترجمة؟! { نعم.. الترجمة خطوة اولى لفتح الابواب مشرعة على آداب الشعوب. لكن القبض على الروح، تماثل اللحظة الابداعية والإحاطة بكل نشوتها وأبعادها لا يتم إلا بالاتحاد باللغة وسبر أغوارها ومتعها. أليست اللغة مناجاة النفس للنفس حيث تستوي لغة الصحو والنوم لغة الوعي واللاوعي. لطالما شدني حافظ والشيرازي والخيام فذهبت الى لغتهم لأنفذ الى روحهم وشعرهم الخالص.. وها أنا أمسك غصن شجرة الارض في حديقة جلال الدين الرومي فتتساقط اوراق الزمان بين دفتي المثنوي. ذهبت الى حضرة اللغة لأتلمس بين يديها نبض شعرائها. اللغة ÷ يدهشني حديثك عن اللغة الآن. في مقدمة موانئ السحر كنت تعرف اللغة التي تكتب »باللهجة المحلية«، وأصبحت الآن تتحدث لغويا ولغاتيا.. مشوار. { كان مشوارا طويلا بزمن قصير، طويلا جدا، بزمن قصير جدا. أعجبت بابن لعبون »والبرق مثل كفوف دقاقة الطار«. ثمن أدهشني المتنبي. كان المتنبي يدهشني دائما، والمتنبي مدهش عبر الزمان ولكن من يحاكي المتنبي، من يقترب من صوته يصبح صدى. الذين حاولوه وحاكوه في عصره وعصرنا دخلوا عتمة الزمان، اغتربوا عن عصرهم الى عصور سحيقة. ذهبوا في سفر الى هاوية الماضي لا الى دهشة المستقبل لأن المتنبي صادر ذلك الزمان. ثم سكنني الشعر حيث كان. ألم يكتب شكسبير باسمه مئات من السنين الشعرية.. وهومير.. وفرجيل. أننسى حافظ. »من أجل خاله الاسود أهبه بخارى وسمرقند«. ÷ في ديوانك الجديد الذي لم ترسله الى المطبعة بعد ولم تعطه عنوانا قرأت أنا قصائد منه. لا تدخل الى خاله الاسود لتهبه بخارى وسمرقند فقط ولكن تدخل الى ملكوت جسد المرأة الحبيبة العاشقة ليصبح وطنا. { كان الشعراء كلما اقتربوا من ملكوت الجسد الانثوي يهوون الى القاع.. تشدهم كيمياء الجسد الى البذاءة او العهر والامتهان فيهبطون الى الفجور وهم يهتكون ستار اللذة وفي أحسن حالات »الكماسوترا« يرسمون دوائر المتعة ولوالبها وانحناءاتها كأقواس الصيادين ويبقون طافين على صفحة جلد الانثى التي تبقى كدّن أبي نواس »جسدا بلا روح« او يبتهلون للجسد الانثوي حتى يغيبونه خوفا منه فإذا المرأة ضباب وإذا الجسد سراب وإذا ارض الامتاع يباب.. من يستطيع ان يقبض على جسد امرأة متلبسة بعريها عندهم؟ يتصوفون كي لا يذكروا اسماء الجسد الحسنى. أنا، محمد السويدي اجعل من جسد المرأة سجادة صلاة لأعبر منها اليها، أجعل هذا الجسد المستباح ساميا حتى النشوة، جسد تطيب به سكنى الانثى. أدخل هيكل جسد المرأة صادا الى أرخبيل الخليج وجزوره اللؤلؤية وخلجانه ومحاراته وسفنه وأقانيم صحرائه فإذا جسد الحبيبة خارطة وطن يمتد من الربع الخالي الى الربع الملآن، الى تضاريس صدر الارض فارشا امامه عري المياه حيث تربض الجزر وتتدفق الينابيع من سرة الارض. أنحني امام محراب الجسد وقد آمنت بقدسيته وبهاء روعته وأدخل اليه كما دخل »سان جون برس« على حفيف الاشرعة والمراكب المفتوحة على عري البحار في »أناباز« و»أمير« فإذا وسط جسدها المراكب الضيقة: »ضيقة هي المراكب.. ضيق هو سريرنا« فسأله ديغول ان يكون سفيرا الى فرنسا ليحمل وجهها الحضاري الى العالم. ÷ كيف تطبع ديوانا جديدا وانت متهم بأنك ضد الكتاب الورقي ومع الكتاب الالكتروني. { أنا مع الكتابين. الكتاب الورقي سيبقى جزءا من جسد الشاعر يخطه بحبر اصابعه والكتاب الالكتروني رسوله الى العالم أنسيت أنني أحدثت الوراق. ÷ ومع الوراق بدأ عصر كتاب مكتوب ومسموع ومرئي لقد قرأت على الوراق ابن بطوطة في القرون الوسطى. { وسمعتها وشاهدتها أليس كذلك؟! لكي تصبح قراءة الرحلة متعة يعيد القارئ الرحلة ذاتها وفي ذلك الزمان ذاته. تسافر الى الامكنة وتراها وتسمع صوت أهليها وطيورها. تصبح الرحلة اعادة رسم جغرافية العالم القديم لتلمس متغيرات الزمان في أمكنة تحاول ان تتماسك لتروي سيرة عبور الزمان ووقع خطى الذين عبروا على دروب البقاء والزوال. أنا رحت أبحث عن الزيتونة المباركة فوجدتها في توسكانة وأنا في طريقي الى فينشي لأزور دارة ليوناردو. وأشم رائحة الجمر العتيق في تلك الموقدة. وسأل لقاء الشاعر ليسأله عن الفلسفة والوجود والشعر والرياضة. في رحلة غوته الى نابولي نرى ولع ألمانيا بإيطاليا ألا يعرفنا غوته بنابليون آخر عندما اجتاح المانيا. ÷ لنعد الى الشعر لأنك محمد السويدي في النهاية شاعر وفي البداية شاعر على الرغم من ألقابك واهتماماتك. أليست القصيدة هي صوت الحرية النهائي لإيمانك لما تقول. الى أين تأخذك الحرية. { (فشردت عيناه الواسعتان وهو يتمتم الحرية اولا والحرية آخرا) انسيت عودة دانتي الى فلورنس. ÷ كيف كان ذلك؟ { لم يعد دانتي. رأت فلورنس وهي في نشوة النصر ان تنسى أحكامها الابدية فعرضت ان تعفو على جميع المنفيين وتؤمنهم على حياتهم ان هم عادوا اليها شرط ان يؤدوا غرامة مالية وان يسيروا في شوارع المدينة في أثواب الندم وان يدخلوا السجن ولو من الباب الى الباب، أبلغ دانتي العرض فأرسل جوابه يقول: »أهذه دعوة توجه الى دنتي اليغيري ليعود الى بلده؟! بعدما أجبر على النفي ما يقارب خمسة عشر عاما. إن رجلا مثلي ينادي بالعدالة لا يطيق ان يؤدي ماله الى من يرتكبون المظالم كأنهم يحسنون اليه. إذا لم يكن دخول فلورنس مستطاعا بطريقة الكرامة فلن أدخلها أبد. أليس بوسعي ان استمتع بنور الشمس وجمال النجوم في كل مكان على ظهر الارض«. إن الاصلاح الذي تطلبه القوى العالمية ليفرض على العرب يجب ان نطلبه من أنفسنا ليأتي ملائما لخصائصنا الانسانية. علينا ان تتسع صدورنا للرأي والرأي الآخر ليصبح الآخر إغناء لا عداء. الديموقراطية وحدها تبني المستقبل.. الحرية. الشعر؟! لا يتنفس الشعراء إلا هواء الحرية ولا يبدعون الا عندما يهدمون اسوار المحظورات البائدة كلها ويرسمونم دوائر الحرية على جبين الهواء.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة