As Safir Logo
المصدر:

أوليات إسلامية عامة في فقه الجهاد

المؤلف: فحص هاني التاريخ: 2004-05-24 رقم العدد:9800

في القرآن، وفي الآيات المكية، امر الله رسوله (ص) بالصبر على قومه الرافضين لدعوته لما فيها من مخاطر على امتيازاتهم، والذين تمثل رفضهم في ثلاث صور، كان النص القرآني يتصاعد خلالها، وحسب مقدار الاذى الذي يلحق بالرسول (ص) وجماعته الاولى.. ففي مكة كان الالتزام بالحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة والتأسيس، وكان امر الله تعالى بالعفو »واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا«، »فاصفح عنهم، وقل سلام، فسوف يعلمون«، »قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ايام الله« أما الأذى والاساءة ومحاربة الدعوة والدعاة والتضييق عليهم او العمل على فتنة المؤمنين بالدين الجديد لردهم عنه، فلم يكن امر ولا إذن من الله بالرد عليها بمثلها »إدفع بالتي أحسن السيئة، نحن أعلم بما يصفون« وفي الصورة الثانية، وفي مكة، تصاعدت السلوكيات المؤذية من اعداء الرسول والدعوة، حتى انهم ائتمروا به لقتله، فهاجر الى المدينة فاتحا باب الهجرة امام اصحابه. »وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين« »الا تنصروه فقد نصره الله«. وفي المدينة، وبعد ما اتفق الرسول »ص« وأهلها على الشراكة في الدفاع عنها اذا ما تعرّضت لعدوان، من دون ان يكونوا ملزمين بالقتال خارجها، بدأ الأعداء بالتعرض للمدينة وأهلها من المهاجرين والانصار، فكان لا بد من الدفاع عن النفس، فنزل الاذن بالقتال منحصرا في المهاجرين بداية، تاركا للانصار التزامهم بالمشاركة في الدفاع عن مدينتهم وأنفسهم وضيوفهم، »اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وان الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا: ربنا الله«. اذن فالشرط او المناط في القتال او الجهاد: ان يكون الانسان مظلوما ومطرودا من ارضه... وبعد سنة من تاريخ نزول هذا الاذن المحدود بالقتال، اي في السنة الثانية للهجرة، نزل التعميم »كتب عليكم القتال وهو كره لكم«. وككل تعميم لا بد له من تخصيص وإلا آل الى الفوضى والعنت والظلم، فكان الجهاد في وعي المسلمين وسلوكهم فرض كفاية، ولو كان واجبا عينيا لتعطّلت امور الحياة واصبح الجهاد ارهاقا. ولا يتحول الجهاد الى واجب عيني على كل شخص بعينه، الا بشروط منها حضور الشخص المعني في »المكان الذي فيه قتال ضد العدو، واذا حضر الاعداء الى المكان الذي يقيم فيه المسلمون »يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار«. هذا الى شروط في المجاهد، اي من يجب عليه الجهاد كفاية، او عينا بشروط، منها، الذكورة، العقل، البلوغ، الصحة، الكفاية المالية له ولأهله الى ان يفرغ، وفي جهاد التطوّع يجب الاستئذان من الوالدين، واذن الدائن او تكفّل كفيل مليء بالدين ووفاؤه عن المجاهد اذا لم يعد حياً. يتحصل لدينا من كل ذلك ان ما اتفق عليه علماء المسلمين هو ان القاعدة هي السلام وان الحرب هي الاستثناء، ولا مسوّغ لها الا في حالتين: 1 الدفاع عن النفس والمال والوطن عند الاعتداء. 2 الدفاع عن الدعوة اذا ما وقف احد في سبيلها او عذّب من آمن بها »اي عندما تصبح حرية الاعتقاد والتعبير في خطر شديد« اذن فالقتال المشروع هو ضد المعتدين لرد العدوان ومن لا يبدأ بالعدوان لا يجوز قتاله »ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين« ويتفق المؤرخون والفقهاء على ان حروب الرسول »ص« كانت كلها دفاعية، وحتى حروب الردة بعده في زمن ابي بكر، وبعده في زمن علي (قتال البغاة) إنما كانت حروبا دفاعية ليس إلا. وجوهر الموقف كامن في ان الاسلام لم يجعل الاكراه وسيلة من وسائل الدخول في الدين، بل دعا الى استخدام العقل والفكر والنظر »لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي« ومن كان عنده ذوق لغوي او أنس بلغة القرآن في مقام التشريع والتبليغ يدرك ان الآية تتضمن حكما شرعيا بعدم جواز الإكراه. وقد ثبت ان رسول الله »ص« لم يكره أحدا من الاسرى على الاسلام.. اما النصارى فلم يقاتل الرسول احدا منهم، الا بعد ان قتلوا المسلمين ومن أسلموا، في معركة مؤتة الشهيرة. هذه مقدمات عامة في الجهاد تسالم عليها المسلمون، ولكن هناك ايضا فروقا وفروعا فقهية مختلفة جزئيا، من دون ان يكون اختلافها تناقضا، لدى مذاهب الفقه المختلفة، وبعض هذه الفروق الفقهية مبني على اختلاف في المنظومة العقائدية او الكلامية.. هذا الامر لسنا بصدده الآن.. ولكن لا مانع، بل هناك داع لاستعادته، حتى لا يخترع لنا المتطرفون، احكاما لا اصل لها ولا مصدر في شرعنا، علماً بأنه يمكن مناقشة كل شيء علميا، غير ان المقصود الآن هو إثبات ان هناك مسائل فقهية وعملية في تاريخ المسلمين تعطي اولوية للسلام وتضع العراقيل المنهجية في طريق الحروب من خلال اشتراطاتها عليها، مانعة بذلك من الخلط بين وجوب الدعوة بما هي مسألة فكرية مطروحة دائما، ولا يستطيع احد مصادرتها، وبين التطرف والجنوح الى القتال (العدوان على الآخرين) تحت يافطة الدعوة ونشر الاسلام وإنقاذ البشرية من الكفر بالإبادة!!! حيث تكون النتيجة غالبا، او دائما، هي مزيد من الدمار والاعاقة للمسلمين في دينهم وعقلهم ودنياهم، وحيث تتوارى عن الوعي والسلوك مقاصد الشريعة الاساسية، من خلال تغليب المقاصد المحدودة والحزبية، التي تحوّل الاسلام من دين الى ايديولوجيا تقوم على الغاء الآخر لتعود فتلغي ذاتها، لولا ان الاسلام دين سماوي يحفظه الذي أرسل به رسوله »ص«، من دون ان يكون محصورا تاريخيا وحضاريا ومصيرا ووجودا وحضورا وفاعلية وحوارا وتكاملا، بالذين يماهونه بذاتهم ومنازعهم بدل ان يتماهوا به، اي ينتجوه على مقاساتهم بدل ان ينتجهم على مقاساته الانسانية الرفيعة... خصوصية اثنا عشرية في الموضوع في رسالته العملية »تحرير الوسيلة« يضع الامام الخميني عنوان »الدفاع« في فصل متفرع من كتاب »الامر بالمعروف والنهي عن المنكر«، اي انه لا يقدمه مستقلا، ومن دون ان يعنونه بالجهاد... وهو على جاري عادة فقهاء الشيعة الاثنا عشرية، الا ما قل وندر جدا، يجعله على قسمين: اولهما الدفاع عن بيضة الاسلام وحوزته، وثانيهما الدفاع عن النفس. ويخصص اقل من صفحتين للقسم الاول، واربع صفحات للقسم الثاني، مع تطرقه لتفريعات في القسم الاول لم يتطرق الى امثالها فقهاء سابقون له ولا حتى معاصرون، تتصل بالنمط المطلوب إقامته في علاقات التوافق والتعارض بين الدول الاسلامية والدول الاخرى، في عصر تداخلت فيه امور السياسة بالاقتصاد والحرب والسلام كما تداخل الحوار والانفتاح بالممانعة والمعاندة وصولا الى أشكال مختلفة من المقاومة. وهذا المسلك، وإن كان لافتاً في الإمام الخميني، قائد الثورة ومؤسس الجمهورية الاسلامية في ايران، على حجر زاويتها (ولاية الفقيه). الا انه ليس بدعا في الفقه الاسلامي العام، ولا في الفقه الشيعي الاثنا عشري، من دون ان يعني ذلك انكار وجود الاختلاف او عدم احترام الرأي الآخر. لقد التزم المسلمون الشيعة الاثنا عشريون، اي الذين يقولون ويعتقدون باثني عشر اماما منصوصا عليهم بأسمائهم من ولد علي وفاطمة، ومعصومين، وآخرهم محمد بن الحسن المهدي المنتظر المغيّب (عج).. التزموا بنظرية الانتظار للمهدي ليقيم العدل في العالم، والتزموا بشرط الإمامة، اي ان يكون هناك امام يقود الامة ليصبح الجهاد واجبا شرعيا، على ان يكون هذا الامام معصوما وظاهرا، ولأن الإمام غائب فقد اصبح الجهاد امرا غير مشروع. طبعا مع التفريق الحاسم بين الجهاد الدفاعي والجهاد الابتدائي او جهاد الدعوة، حيث ان ما ذكرناه ينصبّ على القسم الثاني من الجهاد... والذين اشترطوا ظهور الامام العادل او نائبه الخاص الذي نصبه للجهاد، هم الاكثرية التي لا يُعلم لها معارض الا في حدود الشواذ، من فقهاء الشيعة. ومنهم الشيخ الطوسي ت (461ه) في كتابه »المبسوط« حيث قال بعدم وجوب مجاهدة العدو اذا لم يكن الامام ظاهراً، وقال: »ان الجهاد مع أئمة الجور او من غير امام خطأ يستحق فاعله الإثم وان اصاب لم يؤجر وإن اصيب كان مأثوماً« واستثنى من ذلك، كما استثنى الجميع، حالة الدفاع عن النفس وعن حوزة الاسلام وعن المؤمنين اي الجهاد الدفاعي، اذا ما دهم المسلمين عدو يُخاف منه على بيضة الاسلام (البيضة هي الخوذة.. كناية عن رأس الاسلام).. واشترط عدم القصد في هذه الحالة، الجهاد مع الامام الجائر. وان لا يكون الجهاد لإدخالهم في الاسلام«. والفقيه الشيعي ابو الصلاح الجلي (447373ه) علق الجهاد على وجود الامام وقيادته.. وكذلك الفقيه الشيعي ابن البراج الطرابلسي (400 481ه) وأبو الحسن الجلي، وأبو المكارم، ابن زهرة الحسيني (585511ه) وابن ادريس الحلي والمحقق الحلي والعلامة الحلي الذي قسم الجهاد الى قسمين، الاول الدعوة الى الاسلام، والثاني الدفاع عن المسلمين واشترط في الاول اذن الامام العادل او من يأمره الامام. واشترط ان يكون قائد الجهاد ومعصوما، لان الجهاد فيه اتلاف للأحوال وسفك للدماء، فلا بد ان يكون المجاهد على يقين من صحة قوله وفعله... ورأى ان القتال من دون رئيس محال، ولا بد ان يكون الرئيس منصوبا من الله تعالى، وإلا لزم الخلاف والهرج والمرج. وكذلك قال المقداد السيوري، والشهيد الاول، والمحقق الكركي (علي بن الحسين المنظر الفقهي للدولة الصفوية) فحصر وجوب الجهاد بوجود الامام او نائبه المنصوص عليه بخصوصه، والشهيد الثاني (966911ه) رفض اعطاء الفقيه المنصوب للمصالح العامة حال الغيبة صلاحية مباشرة الجهاد. وكذلك المقدس الاردبيلي (ت 933ه) والشيخ جعفر كاشف الغطاء، وذكر الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266ه) صاحب موسوعة الجواهر، نصوصا كثيرة حول اشتراط وجود الامام في وجوب الجهاد. وأكد »عدم اذن الائمة للفقهاء في زمن الغيبة بجهاد الدعوة«. الى ذلك فإن موسوعة فقهية (مفتاح الكرامة) للسيد محمد جواد الحسيني العاملي، لا يوجد فيها كتاب خاص للجهاد، وفيها بعض الروايات عن الامام علي والامام الصادق من قبيل »لا غزو الا مع امام عادل« و»ان خرجوا على امام عادل فقاتلوهم، وان خرجوا على امام جائر فلا تقاتلوهم« وكذلك لم يخصص الشيخ يوسف البحراني (1186ه) كتابا للجهاد في موسوعته »الحدائق«. وللسيد كاظم اليزدي (ت1919م.) متن فقهي هو الاشهر في اوساط كبار الفقهاء والمراجع الذين دأبوا على التعليق عليه منذ صدوره، كحقل تمرين على الاجتهاد والمرجعية وهو كتاب »العروة الوثقى« ولكنه خال من اي حديث عن الجهاد... ويفسر (سبيل الله) الوارد في مصارف الزكاة بأن جميع سبل الخير كبناء القناطر والمدارس والخانات والمساجد وتعميرها وتخليص المؤمنين من يد الظالمين، ونحو ذلك من المصالح، كإصلاح ذات البين ودفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين وإكرام العلماء والعاطلين عن العمل الخ.. اي غير الجهاد.. واللافت تعليق الامام الخميني على ذلك بقوله: »لا يبعد ان يكون سبيل الله هو المصالح العامة للمسلمين والاسلام«. والمراجع المتأخرون كالكلبايكاني والشاهرودي والخونساري والخوئي والقمي وشريعتمداري، علّقوا على العروة الوثقى ولم يذكروا شيئا عن الجهاد. ومن فقهائنا المسلمين الشيعة في لبنان المتأخرين فقيهنا المميز المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية يقول: »قسم الفقهاء الجهاد الى نوعين، الاول: جهاد الغزو في سبيل الله وانتشار الاسلام وإعلاء كلمته في بلاد الله وعباده، وهذا النوع لا بد فيه من إذن الامام« ويذكر قول الامام علي (ع): »لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم، ولا يُنفِذ الفيء كما امر الله عز وجل«. وقول الامام الصادق: »لعبد الملك بن عمرو: »لِمَ لا تخرج الى هذه المواضع التي يخرج اليها اهل بلادك؟ اي تجاهد مع الحاكم قال عبد الملك: انتظر امركم، والاقتداء بكم، قال الامام: اي والله لو كان خيرا ما سبقونا اليه، قال عبد الملك: ان الزيدية يقولون: ليس بيننا وبين جعفر خلاف الا انه لا يرى الجهاد، قال الامام: »أنا لا أرى الجهاد!!! بلى والله، اني أراه، ولكن اكره ان أدع علمي الى جهلهم«. ويقول الشيخ مغنية »ان هذا الجهاد وجوب كفائي لا عيني« بشروطه الخمسة (الذكورة والعقل والصحة الخ) بالاضافة الى اذن الامام او نائبه. والنوع الثاني من الجهاد. يقول مغنية »جهاد الدفاع عن الاسلام وبلاد المسلمين والنفس والمال والعرض، بل الدفاع عن الحق اطلاقا.. وهذا الدفاع لا يشترط فيه اذن الامام ولا نائبه الخاص او العام (اي الفقيه العادل غير المنصوب من الامام) ويجب عينا (على الجميع) لا كفاية (على الجميع فإذا قام به البعض سقط عنهم جميعا).. ومن دون فرق بين رجل وامرأة. ويضيف مغنية »ويدل على ان الجهاد في سبيل الدعوة الى الاسلام لا بد فيه من اذن الامام، دون الدفاع عن النفس والمال.. يدل عليه قول الامام الصادق »الجهاد واجب مع امام عادل«. او عن الجهاد الدفاعي فيقول الصادق: »ومن قتل دون ما له فهو شهيد« اي وان لم يأذن له الامام او نائبه إذنا خاصا. ان عدم اشتراط اذن الامام المعصوم او العادل في الجهاد الدفاعي، ليس احالة الى الفوضى العسكرية المسلحة او العنف العشوائي الذي يؤول الى توسيع مساحة العداوة الى المختلف في الوطن الواحد او الحزب الواحد، وهنا مجالات في النظر الفقهي تلزم بالتنظيم وحساب الجدوى والمراوحة بين الممانعة والمعاندة والمقاومة المباشرة او الجمع بينها.. ويمكن ان يكون هناك موقع متقدم للفقيه العادل الخبير والمتعاون في منظومة القيادة الضرورية للحالة الجهادية السيستاني في حالة العراق مثلا. في الختام(1) كل ما قمت به هو اعادة ترتيب لآراء الفقهاء في هذه المسألة من دون جهد اضافي كبير الا في حدود الوصل بين الفقرات وبعض التعليقات السريعة.. وللقارئ ان يلاحظ ان المبنى الكلامي او العقائدي الذي بنى عليه فقهاء الشيعة شرطهم للإمامة المعصومة في وجوب او جواز الجهاد، يعادله الموقف الفقهي المحض لدى فقهاء المذاهب السنية في التركيز على الجهاد الدفاعي دون الجهاد الابتدائي، والجامع بين الجميع هو الذوق الفقهي المشترك والقراءة المحتاطة جدا للخطاب الفقهي في المسائل ذات المداليل الانسانية والحضارية الخطرة.. وفي ختام الختام: يحلو لي ان نفتح نقاشا بلغة مختلفة حول المسألة تحت عنوان: ماذا نريد؟ اسلمة العالم او ان نكون جزءا فاعلا ومنفصلا من هذه الدنيا الواسعة؟ أسلمة العالم شعار سهل يغري الذين لا يريدون ان يجددوا في الاسلام ويتحدوا به ويسهموا في تجديد هذا العالم الذي يتجدّد من دوننا وعلى حسابنا، لأننا ما زلنا نجاهد في المفهوم الخطأ. (1) راجع: مغنية محمد جواد فقه الامام جعفر الصادق وسيد سابق فقه السنة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة