لم يعرف الادب العربي، في تاريخه الطويل، الادب الملحمي او فن المأساة إلا في ما ندر. وثمة مفارقة عجيبة هي ان المأساة، بالمفهوم الاغريقي، ظلت غريبة تماما عن الادب العربي في مختلف مراحله، بينما احتشد في الادب الشعبي العربي الكثير من الحكايات ذات الطابع الملحمي او المأساوي، كالزير سالم ابو ليلى المهلهل او شفيقة ومتولي على سبيل المثال. ولعل المآسي الانسانية والفواجع المروّعة التي حفلت بها المجتمعات العربية، والتي ما برحت تسربل الحياة العربية برمّتها، كان لها شأن كبير في صوغ الكثير من الحكايات المؤثرة والمؤلمة معاً. لا تنتسب »مذكرات أميرة عربية« الى فن المأساة قط؛ إنها »مذكرات« وكفى. لكنها تحتوي فصولا مثيرة من المآسي التي لا تنتهي الا بالموت او بالفرار. ومن غرائب المصادفات ان زنجبار نفسها التي شهدت مأساة الأميرة سالمة بنت السلطان سعيد، انتهت، بدورها، الى مصير مأساوي في 12/1/1964 حينما اطاحت الجموع الافريقية السلطان جمشيد، وهو آخر سلطان عربي في زنجبار، وأُبيد، في ليلة واحدة، خمسة عشر ألفاً من سكانها العرب، وأزيل اسمها بعد دمجها، عنوة، بمقاطعة تنغانيكا في 26/4/1964 ليؤلفا معاً جمهورية تنزانيا التي تولى جوليوس نيريري رئاستها حتى 5/8/1985 قبل ان يتوفى في 14/10/1999. بوح الأميرات لم يعرف الادب العربي القديم فن البوح او ادب الاعتراف البتة. وهذا الطراز من الكتابة هو فن حديث نسبيا، لكنه ظل مقصورا، الى حد كبير، على الرجال ققط ممن امتلكوا جرأة الافصاح والكشف. وفي هذا الحقل قلما كتبت اميرات عربيات مذكراتهن او يومياتهن، لأن الكتمان كان دوماً »الفضيلة« الشائعة التي توسل بها كل من أراد العيش في أمان(1). وهذه المذكرات التي دونتها الأميرة سالمة بالالمانية في برلين في سنة 1886، لم تر النور بالعربية إلا بعد فترة طويلة حينما نقلها الى العربية في سنة 1982 عبد المجيد القيسي ونشرتها دار الحكمة في لندن(2)، وهذه الترجمة، بحسب رياض نجيب الريس، غير كاملة ومجتزأة(3). وفي سنة 2002 اصدرت منشورات الجمل في مدينة كولونيا بألمانيا الترجمة التي ربما هي الاكثر شمولا ودقة وعن الالمانية مباشرة. زين البر اسمها في الأصل »زين البر«. ولاشتهارها كثيراً بتجارة »العبيد« تحولت الى »زين الزنج بر«. وبالتدريج سلكت مجرى اللسان العربي فسقطت منها »الزين« وشاعت على الألسنة باسم »زنجبار«. وزنجبار جزيرة مدهشة جمعت في أرجائها سحر الهند وإيقاعات افريقيا ومغامرات السندباد العماني معاً. إنها جزيرة القرنفل والبخور والبهارات ونخيل جوز الهند والمراكب الشراعية، وهي ايضا مرافئ القراصنة وتجار التوابل والعاج و»العبيد«. وفي منازلها ذات الابواب الخشبية المطعمة بالنحاس والاصداف، كانت الحياة تفور في الأزقة الترابية البائسة، وتتمازج فيها اقوام وديانات شتى من العالم القديم كله: سُنّة وإباضيون وأرواحيون ومسيحيون وبانيان (هندوس)، عرب وبرتغاليون وأفارقة وهنود وشركس وبلوش، أفّاقون ومغامرون ولصوص وعبيد وجوار وحريم وخصيان وتجار. في هذه الجزيرة، وفي سنة 1844 على الارجح، ولدت الأميرة سالمة بنت السلطان سعيد. والسلطان سعيد هو حاكم عُمان وزنجبار وحفيد السلطان أحمد مؤسس السلالة الحاكمة في عُمان حتى اليوم. ومنذ ذلك التاريخ فصاعداً، سيقيّض لهذه الجزيرة ان تشهد فصولا أليمة من مأساة أميرة شرقية خرجت على قومها، وتركت سكنى القصور، وخلّفت وراءها حياة الحريم لتندمج بحياة الاختلاط والسفور، ثم تتنصر وتغيّر اسمها من الأميرة سالمة الى »إميلي روث« او »اميلي رويته« بحسب اللسان الالماني. الوحدة وترويض الموت عاشت الأميرة سالمة في زنجبار ثلاثا وعشرين سنة فقط امضتها في مواجهة تصاريف الحياة القاسية. ومنذ أن رأت النور في هذه البلاد الرملية، كان الموت والوحدة يرافقانها في خطوها المتسارع نحو مصيرها التراجيدي. ومنذ الطفولة شهدت، على التوالي، موت اختها الكبرى، وموت والدها وهي في الثانية عشرة، ثم موت والدتها وهي في الثالثة عشرة، وموت شقيقها ماجد وهي في بلاد المنفى في السادسة والعشرين، فموت زوجها وهي في السابعة والعشرين. كانت وحيدة لأمها الشركسية التي اورثتها الحزن والصلابة معاً. فهذه الأم الجارية التي تدعى »جلفيدان« مرت، هي نفسها، بضروب من العذاب والألم الشديد، فقد قتل والدها ووالدتها في إحدى الغزوات المجهولة، وسيقت مع اخيها وأختها الى البيع وهي لما تزل في الرابعة. وبيعت، في ما بعد، من السلطان سعيد. وعندما دخلت الى منزله لم تكن تجاوزت السابعة. وفي هذا المنزل بدلت اسنانها الحليب. ومنذ ذلك اليوم ما عرفت اي خبر عن اخيها وأختها، وما عرفته هو الأسى والحزن والتفجع التي لم تبددها السنون قط. أما السلطان سعيد، والد الأميرة، فكانت له زوجة شرعية واحدة لم تنجب له البتة. لكنه امتلك، فضلا عن خمس وأربعين مزرعة وثمانية آلاف عبد، نحو خمس وسبعين جارية ولدن له نحو مئة ولد. ومن بين هؤلاء بقي في قيد الحياة عند وفاة السلطان خمس وثلاثون ابناً وابنة. ومن غرائب هذا العيش ان الأميرة سالمة كان لها ابن اخت يدعى »علي« يكبرها بعشرات السنين. ولما رأته، أول مرة، كانت في الخامسة بينما كان الشيب تسلل الى لحية ابن أختها. حتى ان ابن علي هذا كان يكبر الأميرة سالمة ايضا. اي ان الولد في هذه العائلة كان اكبر عمراً من خالة أبيه. فتخيلوا! تعلمت الأميرة سالمة حتى التاسعة فقط. واقتصر تعليمها على قراءة القرآن فقط من غير القراءة. ثم تدربت على المبارزة بالسيف والرمح والخنجر والرماية بالمسدس والبندقية، وتابعت دروساً في الفروسية. وفي اندفاعها الصاخب الى مقاومة شعورها الغامض بالموت ووحشة العزلة، نشأت متمردة ومغامرة ومبتهجة ظاهريا بالحياة، حتى ألجأتها الاحوال المتقلبة والعاصفة الى تحطيم تقاليد اسرتها الصارمة، فأطاحت جميع قيم مجتمعها، وأعلنت انحيازها الى الحب، ودفعت ثمناً لهذا الانحياز هو المنفى. الحب والتمرد والفرار بعد موت والدها في سنة 1856، تولى الحكم بعده أخوها ماجد الذي كان اقرب إخوتها الى قلبها. لكن شقيقتها خولة التي امتلكت تأثيراً عليها، دفعتها الى القيام بتمرد مسلح على أخيها ماجد المتحالف مع البريطانيين لمصلحة أخيها برغش المتحالف مع الفرنسيين. غير ان البريطانيين تدخلوا، بقوة، الى جانب السلطان ماجد وأفشلوا التمرد وأجبروا الأمير برغش على الاستسلام ثم الرحيل منفياً الى الهند. أما الأميرة سالمة فقد خسرت أموالها التي وزعتها على المتمردين، وفقدت ثقة أخيها ماجد الذي فرض عليها الاقامة الجبرية في دارها، فعاشت في قلق واضطراب وخيبة وخنوع، وكانت تتلوى حرقة جراء تبكيت ضميرها لتمردها على شقيقها ماجد الأثير لديها. في هذه الاحوال سكن الى جوار دارها شاب ألماني وسيم يدعى »رويته« كان يعمل في إحدى الشركات. وبالتدريج تسلل الحب الى شغاف قلبيهما، فانغمسا في عشق جارف عنيف. وبعد ان حملت منه، ما عاد في الامكان كتمان هذا الامر على الإطلاق. ووصلت أخبار هذه العلاقة الى اخيها السلطان ماجد. ولما علمت ان السلطان يخطط للتخلص منها، اتفقت مع صديقها الالماني على الفرار الى عدن. وبترتيب من القنصل البريطاني في زنجبار هربت على متن طراد بحري بريطاني، فوصلت الى عدن في 26/8/1866، وأقامت لدى إحدى العائلات البريطانية حتى وضعت مولودتها، ثم لحقها حبيبها في آذار/ مارس 1867، فتنصّرت وتزوجت في الكنيسة الانغليكانية، وغادرت برفقة زوجها، في الشهر نفسه، الى مدينة هامبورغ في ألمانيا، واتخذت لنفسها اسماً جديداً هو »اميلي رويته«. لكن الحياة الجديدة في اوروبا لم تقدم إليها ما وعدتها به. فما لبث زوجها ان توفي في حادث سيارة في سنة 1871، فتركها في صقيع ألمانيا مع ثلاثة ابناء صغار. وفي هذه البلاد الغريبة والبعيدة عرفت الفقر لأول مرة في حياتها الصاخبة. ومع انها ثارت على شقيقها وهربت من بلادها، إلا ان هذا الشقيق ظل يرسل إليها المساعدات وهي في غربتها بمدينة هامبورغ. لكن، بعد ان مات في سنة 1870، انقطع ما كان يصلها منه. أما شقيقها الأمير برغش الذي ثارت على أخيها ماجد من أجله، فقد ناصبها العداء الشديد لأنها حملت من غريب وتنصّرت وهربت من بلادها لتعيش مع زوج مسيحي. وهذا وحده يكفي لا لإزالة اسمها من العائلة، بل لإزالتها من الوجود. وقعت الأميرة سالمة في فاقة شديدة، ولم ينقذها من براثنها إلا الأميرة فيكتوريا زوجة ملك ألمانيا فريدريك التي قامت بينهما مودة وصداقة متينة. وفي تلك الاثناء تعرفت الى بسمارك الذي منحها لقب أميرة، وصارت تعرف باسم »البرنسيس إميلي رويته«. لكن، ما إن مات الملك فريدريك، وتولى بعده ابنه غليوم الثاني، وكان مشلول الذراع، حتى دب الخلاف بين الملك وأمه فكتوريا. فآثرت الأم مغادرة ألمانيا الى إنكلترا لتعيش الى جانب اخيها الملك ادوارد السابع، فاصطحبت معها البرنسيس اميلي رويته. وبين إنكلترا وألمانيا صرفت البرنسيس رويته او سالمة بنت سعيد بقية عمرها حتى وفاتها في سنة 1926، وظلت دائمة الحنين واللوعة إلى زنجبار، ولم تتمكن من زيارتها إلا مرة واحدة في سنة 1885 بعد محاولات متكررة، وبعد تسعة عشر عاماً من الهجرة المتواصلة. مشاهد من الحياة في زنجبار تحتشد في هذه المذكرات تفصيلات مدهشة عن الحياة اليومية في قصور زنجبار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. غير أن هذه المشاهد تدور، في معظمها، على الأمراء وعلية القوم، وقلما تتحدث عن عامة الناس إلا حينما يتعلق الأمر بالخدم والطعام والخصيان والعبيد. ومهما تكن الحال، فهذه المذكرات شديدة الثراء في الوصف والسرد والمعلومات؛ فبيوت الحريم، على سبيل المثال، كانت تضم »نساءً وإماءً، مختلفات أوطاناً وألواناً، متباينات نشأة وطباعاً، حاقدات حاسدات متباغضات فارغات إلا من الدس والكيد والحقد والمقت، متهالكات على كسب ود السلطان ورضاه، متآمرات على دفع أبنائهن إلى مقدام الصدارة على حساب إزاحة أبناء الأخريات« المنافسات. وكانت زوجات السلطان الشركسيات الشقراوات يرفضن الجلوس الى مائدة واحدة مع الحبشيات السوداوات الأفريقيات؛ فالحبشية حادة المزاج عصبية الطبع حقودة منتقمة، وإذا ما تملكها الغضب خرجت عن طورها وعن حدود الاعتدال وعن حدود الحشمة والوقار والتحفظ. ولهذا كان لكل طبقة مقامها، بينما الأولاد متساوون ولا يسري عليهم ما يسري على الأمهات. وتعترف الأميرة سالمة بنت سعيد بأن »الحقد الدفين والبغض الأعمى كان من أبرز صفات العائلة«، فضلاً عن الغضب والشراسة، حتى إن شقيقها الأمير برغش شاهد، في إحدى المرات، إحدى محظياته الشركسيات تلوّح بالتحية لبحار برتغالي كان يمر بزورقه أمام القصر، فقام بجلدها بالسوط بقسوة متناهية، فماتت جراء ذلك بعد أيام قليلة. وتتعلم بنات السلطان القراءة فقط، بينما يتعلم الأبناء الكتابة والقراءة معاً. وكان بعض أبناء السلطان يجلبون معهم عبيدهم الى قاعة الدرس لخدمتهم، وهؤلاء كانوا يجلسون في آخر القاعة. وكثيرا ما كان هؤلاء العبيد يبزون أسيادهم في الفهم والتعلم. ولأن أفريقيا بلد تكثر فيه الأوبئة والأمراض، فقد كان للطب شأن مهم في حياة الناس. وعلى الرغم من ذلك، فقد ظل الفصد أو الحجامة، حتى في بيوت السلطان، هو العلاج الشافي لكل علة ابتداءً من الجدري حتى الكوليرا، بينما التدليك يأتي في المرتبة الثانية بعد الحجامة، »أما في حالات المرض الشديد، فليس للمريض إلا الأدعية ورحمة الله«. تجارة العبيد لا ريب في أن العبودية كانت واحدة من أكثر مآسي التاريخ البشري بشاعة وانحطاطا. ولا شك في أن تجارة العبيد كانت عاراً لم تنجُ منه البشرية حتى الآن. وللأسف الشديد فإن بعض العرب جعلوا من المتاجرة بالأفارقة السود مهنة رابحة جداً. وبهذا المعنى أسهموا بهذه المأساة الإنسانية بنصيب وافر. والحقيقة أن مأساة الأفارقة السود لم تقتصر على التجار العرب والأوروبيين فقط، بل كانت القبائل الأفريقية المتحاربة حينما تأسر أفراداً من خصومها، رجالاً ونساءً، تبيعهم من التجار لقاء القماش والخرز. إن قصة العبودية، في حد ذاتها، تراجيديا مروّعة جديرة بأن تروى وتُعاد روايتها باستمرار اقتباساً للعبرة وللشحنة الإنسانية الهائلة الكامنة فيها. أما فصولها الأولى فكانت تبدأ من أدغال أفريقيا أو من سهوبها الداخلية التي ينتشر في أحضانها الباهرة بشر سود وادعون، يعيشون فيها بأمان وحرية وحبور. وكان التجار المسلحون يطاردون هؤلاء السود فيقتلون من يحاول الهرب، ويلقون القبض على من قلّت حيلته وعثر حظه. وحينما يجمع التجار ما يكفي من هؤلاء الأسرى البائسين (ربما يصل العدد الى ألف) يبدأون رحلة العودة الى زنجبار وهم يسوقون قافلة بشرية لا تنفك باكية متألمة متعثرة، فيُربط »العبيد« في صفوف طويلة، وتوضع رقابهم في أنيار خشبية، كما توضع السلاسل الحديدية حول كواحل أرجلهم. ولأن تجارة »العبيد« مرتبطة بتجارة العاج، فقد كان على »العبد« حمل قرون العاج على رأسه أو على ظهره في أثناء سيره المنهك الطويل، وكانت النساء يحملن أطفالهن على ظهورهن ويرغمن، فوق ذلك، على حمل العاج أيضاً. فإذا عجزت المرأة عن الاستمرار في حمل الطفل والعاج معاً، يُقتل الطفل أو يُترك على الطريق. وإذا عجز »عبد« عن متابعة المسير يُقتل ويُترك طعاماً للضباع والنسور. وبعد مسيرة أسابيع، وربما شهور، تصل القوافل الى الساحل. وهناك يُحمل »العبيد« في مراكب شراعية طول الواحد منها خمسة وثلاثون مترا فقط. وفي هذا المركب يُحشر ما بين مئتين الى ستمئة أفريقي، فضلاً عن البحارة والحراس. ويُحشر السود كلهم في جوف المركب على رفوف من الخيزران لا يرتفع الواحد عن الآخر أكثر من متر واحد. وفي هذه الحال لم يكن ثمة متسع للجلوس أو الركوع أو القرفصاء. وكانوا يُعطَون وجبة واحدة من الطعام في اليوم عبارة عن كمية قليلة من الأرز المسلوق وكوب من المياه غير النظيفة. وفي أثناء الإبحار لا يتورع التجار عن إلقاء كل من يصاب بالمرض في البحر. وبوصول الرقيق الى زنجبار يكون هؤلاء جميعاً في حال من الإعياء الشديد والجوع وتشنج الأرجل، ويحتاجون الى أسبوع، بعد النزول الى البر، لمد أرجلهم بشكل مستقيم. وبما أن تجار »العبيد« يدفعون رسوماً جمركية للسلطات المحلية، فقد كان التجار يلقون بالعبيد المشكوك في قدرتهم على الحياة في البحر، ومن بقي منهم أخيراً يُباع لأصحاب المزارع في زنجبار وعُمان والجزيرة العربية. هذه هي، باختصار، قصة رحلة واحدة من رحلات صيد »العبيد« في أفريقيا. وإنه لعار كبير يجلل الإنسانية كلها، بمن في ذلك العرب والأوروبيون على وجه الخصوص، لأنهم، بهذه »الأخلاق« الهمجية، دمروا قارة بأكملها، وأبادوا الملايين من أبنائها، واستعبدوا ما بقي من هذا الشعب المظلوم. سالمة وعزة تشبه مأساة الأميرة سالمة، في بعض جوانبها، مأساة العائلة الهاشمية في العراق. فقد حاقت بالاثنتين المصائب، وأحاطت بهما الويلات التي ترنّحت ما بين قتل وعشق وبغضاء وفرار. فقصة الأميرة سالمة التي هربت مع عشيقها الألماني وتزوجته واتخذت لنفسها اسم »إميلي رويته« تشبه، الى حد ما، حكاية الأميرة عزة بنت الملك فيصل الأول التي هربت في سنة 1936 مع أحد اليونانيين وتزوجته، ثم اتخذت لنفسها اسماً جديداً هو »أنستازيا«. غير أن البرنسيس إميلي رويته لم يتخلّ عنها زوجها بل مات في حادثة سير. بينما تخلى اليوناني عن الأميرة عزة، فسرق مجوهراتها وهرب. وفي الحالتين، عاشت الأميرتان في صقيع أوروبا بلا سند أو زوج. ومثلما عانت خولة أخت الأميرة سالمة التضييق والإكراه حتى ماتت بالسم في حادث غامض في سنة 1875، عانت الأميرة جليلة أخت الأميرة عزة، الإكراه على الزواج، فانتحرت في سنة 1955 بإحراق نفسها في شارع الأميرات في بغداد. بدأت مأساة العائلة الهاشمية في العراق بعد وفاة الملك فيصل الأول في سنة 1933؛ فقُتل الملك غازي بن فيصل في 4/4/1939. وفي 14/7/1958 وقعت مذبحة مروّعة راح فيها الملك فيصل الثاني وخاله الأمير عبد الإله وخالته الأميرة عابدية وجدته الملكة نفيسة. أما العائلة السلطانية في زنجبار فقد اشتجر الصراع بين أفرادها بعد وفاة السلطان سعيد أيضاً، فبادر سالم بن ثويني، حفيد السلطان، الى قتل والده بالرصاص في سنة 1866 ونصّب نفسه سلطانا على عُمان. لكن ابن عمه عزّان قام عليه وأجبره على الرحيل الى الهند، وهناك مات بالجدري في سنة 1874. لكن عزان نفسه قتله تركي شقيق ثويني. وتركي هذا مات مقتولاً بيد شقيقه الصغير عبد العزيز. ومع أن المؤامرات في قصور السلاطين شأن مشهود في التاريخ العربي القديم والوسيط، إلا أن هذه الفصول لم تكف عن الظهور حتى في العصر الحديث، فأضيفت إليها فصول جديدة من العسف والهمجية والقتل، ولكن بحق الشعوب في هذه المرة. الحكمة المتأخرة عاشت الأميرة سالمة، إذن، في ألمانيا وإنكلترا وتوفيت عن اثنين وثمانين عاما، فشهدت الكثير من حوادث الزمان. وعلى الرغم من تنصرها، ظلت تدافع عن الحجاب والرق والإسلام والعادات الشرقية. ولعلها عاشت صدمة الغرب والحداثة التي لم تستطع الانخراط فيها، والتي أورثتها فصاماً شديداً في القيم ومظاهر السلوك، فترددت بين ما نشأت عليه وما انتهت إليه. وهذه الحال ربما أدت الى ارتدادها نحو قيم الطفولة والنشأة الأولى. وفي خضمّ هذا الصراع المرير بين قيم الطفولة وقيم العالم الجديد، كان لسان حالها لا ينفك حكمتها التي تقول إنها لم تدرس إلا القراءة فقط، في القرآن. أما التاريخ والجغرافيا والفيزياء والرياضيات فلم تسمع بهذه المعارف إلا بعد وصولها الى ألمانيا، فانكبت على تعلمها انكباباً مضنياً. وعلى الرغم من ذلك طالما تساءلت حيرى، كيف أنها، بعد اكتساب هذه العلوم، وبعد هذا الجهد المضني الذي صارت معه أكثر ذكاءً وأحسن حالاً، لم تتمكن من حماية نفسها من الاستغلال من أناس يتقنون هم أيضاً هذه العلوم والمعارف. وفي ما يشبه البوح الأليم تخاطب طفولتها بالقول: »يا أيتها النفوس الحبيبة الصافية السعيدة في بلادي الجنوبية، انعمي بجهلك معارف الكيمياء والفيزياء وفلسفة اليونان وتاريخ الرومان وثقافة الغرب، فإنكم لا تستطيعون أن تتصوروا ما يرتكب هنا من أعمال الدس والدناءة باسم الثقافة السامية. وإنني لأقولها بكل صراحة وصدق إنني لم أتعرض في حياتي كلها لأسوأ ضروب الابتزاز والاستغلال، وأدنى أساليب الغش والاحتيال كما تعرضت لها بعد إتقاني كنوز المعرفة الأوروبية، ومع الأسف على أيدي أربابها وأساطينها«. الهوامش (1) كتبت الشريفة مصباح حيدر، في مطلع القرن العشرين، مذكراتها التي تروي فيها جوانب من الحياة في بيوت أشراف الحجاز في اسطنبول ومكة. ونُشرت هذه المذكرات بالإنكليزية في سنة 1945. (2) تُرجمت هذه المذكرات الى الإنكليزية في سنة 1888، والى الفرنسية سنة 1889، وأعيدت ترجمتها الى الإنكليزية ونُشرت في نيويورك في سنة 1905. وعن الطبعة النيويوركية تُرجمت أول مرة الى العربية في سنة 1982، وأعادت دار الحكمة في لندن نشرها في سنة 2002. (3) رياض نجيب الريس، »صحافي ومدينتان«، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 1997، ص 257.