يرتدي الاستحقاق البلدي والاختياري في بلدة العبادية قضاء بعبدا، أهمية استثنائية تتعدى الجانب الإنمائي والإداري إلى سبل تكريس وتحصين المصالحة والعودة، بالرغم من أن التهجير لم يكن شاملاً مع بقاء عدد كبير من أبناء طائفة الروم الأرثوذكس في البلدة طوال سنوات الحرب، وما زال بعضهم جزءاً من لجنة المقيمين. وتستعدّ العبادية بكافة قواها السياسية والعائلية لخوض هذا الاستحقاق بعد أربعين سنة على إجراء آخر انتخابات بلدية فيها، لكن ثمة تبدّلاً في نسبة توزع القوى، في ظل التغيير الديموغرافي الذي بدا في لوائح الناخبين، وأظهر تقدّماً في عدد الناخبين الدروز الذين باتوا يشكلون 53 بالمئة من أبناء البلدة في مقابل 47 بالمئة من المسيحيين، مما طرح أن يكون موقع الرئاسة لمصلحة الدروز. وبدأت حركة الاتصالات المستمرة حتى الآن لمصلحة قيام ائتلاف بين سائر القوى السياسية من خلال العائلات وإيجاد صيغة توافقية، دونها صعوبات لكنها ليست مستحيلة مع تذليل الكثير من العقبات. ويبدو أن الصيغة شبه النهائية التي يتم التداول بها حالياً تقضي بأن يكون المجلس البلدي مؤلفاً من من خمسة عشر عضواً بعد أن كان مؤلفاً من اثني عشر عضواً موزعين على ثمانية أعضاء دروز مع رئاسة البلدية، وخمسة أعضاء موارنة وعضوين من الروم الأرثوذكس. وأخذت قضية رئاسة المجلس حيزاً كبيراً من الاتصالات واللقاءات، إلى أن تمت »حلحلتها« بنسبة كبيرة، على قاعدة اعتماد مبدأ »المداورة«، أي أن لا تكون الرئاسة حكراً على فريق دون آخر. ويؤكد مسؤول منطقية عاليه في الحزب الشيوعي اللبناني وابن البلدة الدكتور جورج أبوحبيب أن هذه المشكلة تمّ تجاوزها والعمل يتركز ويتمحور الآن على أساس إنتاج لائحة توافقية من العائلات والأحزاب تكون منسجمة ومنتجة قادرة على النهوض بالبلدة على أساس شعار تنموي«. لافتاً النظر إلى أن »التوافق يتم بالتعاون مع الحزب التقدمي الاشتراكي والقومي والحزب الديموقراطي، ومع الأحزاب المتواجدة في الوسط المسيحي وأبرزها الأحرار والكتائب والكتلة الوطنية«. ويوجد في العبادية نحو 5200 ناخب تبعاً للوائح الشطب، إذ أن عدد أهالي البلدة يتراوح ما بين 12 و 14 ألف ناخب، لكن نسبة العائدين من المسيحيين وصلت إلى 10 بالمئة من الموارنة ونحو 20 بالمئة من الروم الأرثوذكس، ولذلك تقع على عاتق المجلس البلدي الجديد مهمات كبيرة من أجل تسريع العودة وتحصينها، وهنالك توجّهات واضحة لدى القوى السياسية كافة من أجل توخّي المناخ المؤاتي للتوافق والتزكية لاحقاً، من أجل تجنيب العبادية تبعات معركة قد تؤثر سلباً على قضايا التنمية واستكمال العودة وتكريس المصالحة. وأبدى ممثلون عن الأحزاب المسيحية ل »السفير« حرصاً على التوافق، دون أن يرغب بعضهم في الإطلال علانية »نتيجة خصوصية المعركة الانتخابية التي نريدها فرصة لمواجهة المستقبل«، وأشار البعض إلى أن »هناك تحفظات على قضايا تمّ تجاوزها وقضايا نعمل يداً واحدة وقلباً واحداً لنتخطّاها مع استمرار اللقاءات والمشاورات«. وشدّد أمين عام الحزب الديموقراطي اللبناني زياد شويري على خيارات الحزب في مجال التوافق وإبقاء الاستحقاق البلدي خارج أطر التجاذب السياسي، معتبراً أن »حضور الحزب في العبادية يعكس هذا التوجه الذي تلاقى مع سائر القوى من عائلات وأحزاب«، ورأى أن »من غير المقبول وطنياً أن نعود إلى الإدارة الحزبية للمجالس البلدية فالعبادية بلدة مهجّرة ونصفها من المسيحيين الأمر الذي يفترض مراعاة التركيبة القائمة لتشجيع العودة إلى قرارنا والمهم هو إيجاد الحافز لحثّ المسيحيين على المشاركة في القرار البلدي لتعزيز التواصل«. وأشار ممثل الحزب التقدمي في لجنة العودة شوقي أبو حمزة إلى أن »الحزب مع أحزاب البلدة سعى ولما يزل من أجل الاستفادة من هذا الاستحقاق لتعزيز المشاركة بين مجتمع العبادية على تنوّعه، والذي نريده مصدر غنى لا مصدر تفرقة ونزاع«، مؤكداً أن »هاجسنا تشكيل لائحة ائتلافية من مختلف القوى السياسية والعائلية من المقيمين والعائدين، وذلك انسجاماً مع شعار التوافق الذي أطلقه رئيس الحزب النائب وليد جنبلاط«، وأثنى على دور »لجنة المقيمين التي تضمّ دروزاً ومسيحيين في تحقيق خطوات مهمة بالتعاون مع لجنة العائدين التي أبدت الحرص ذاته على التوافق مع التمني أن تنتفي قريباً الحاجة للجنتين«. وأكد ممثل الحزب القومي شوقي ماضي على »دعم الحزب للتوافق انطلاقاً من المعايير الوطنية الواضحة التي أعلنها رئيس الحزب جبران عريجي، وانسجاماً مع أهدافنا الوطنية والقومية«، ولكنه رأى أن »كثرة العائلات في العبادية تشكل عقبة يمكن تجاوزها بالنسبة لتسمية اللائحة الائتلافية وسط كثرة المرشحين وهذا ما نعمل عليه في الوقت الحاضر«. يُذكر ان أمام المجلس البلدي الجديد تحدّيات كبيرة لتجاوز سنوات الإهمال التي ما تزال مفاعيلها قائمة على مختلف المرافق والبنى التحتية وحركة البناء والعمران.