بعد تجربة طويلة مع الصحافة والترجمة، تفاجئنا الكاتبة السورية المقيمة في باريس هنرييت عبودي بروايتها »خماسية الاحياء والأموات« الصادرة عام 2003 عن دار المدى في دمشق، والتي لم يتم تداولها سوريا بعد. وهي الرواية الثانية لها بعد روايتها »الظهر العاري« الصادرة عن دار الآداب 1999. غير ان هذه المفاجأة تجد تفسيرها لدى البعض بأن هنرييت كانت شريكا فعليا في الترجمات النوعية التي تبلغ المئات، والتي أغنى بها جورج طرابيشي المكتبة العربية. إن المفاجئ في هذه الرواية »خماسية الاحياء والاموات« إذا نظرنا لها كراوية سورية، يتبدى في تلك السردية السوسيولوجية الرهيفة المتحررة من سطوة الاسلوبية المشاعرية العاطفية الرخوة والمترهلة والغنائية الهشة التي تدك العوامل الركنية للرواية من خلال حلول المؤلف في كل ثنايا النص ليمارس سطوته البلاغية والايديولوجية التي مؤداها هيمنة الصوت الواحد ملغيا التعدد الصوتي والحواري والاعتراف بالآخر، أي المعافاة من مرض (سرطانية اللغة) على حد تعبير سارتر، التي تسم بل وتسمم الاسلوبية الروائية السورية (الرجولية) فكيف بالرواية (النسوية)؟! فنحن تجاه رواية يتحقق فيها التناسب بين المعجم اللغوي للشخصيات والوقائع السردية للمتن الحكائي، إذ الاسم يطابق الجسم، والمغزى الدلالي ينبثق من هذه العلاقة المتينة بين الكلمة الروائية والواقع الروائي، بلا ترهل أو تفاصح أو فخفخة بلاغية يستغويها البحث الغيبي عن الحقيقة في الكلمة، وعلى هذا فإن مكمن بواعث الانفعال في هذه الرواية تكمن بالمشاهد المروية وليس في طريقة التعبير اللغوي. الرواية وفق التصنيف المدرسي، هي رواية شخصيات، أي ان الشخصيات هي التي تنتج السردي للنص من خلال المدلول وليس الفعل، أي من خلال صوت الراوي (الأنا) رغم ان هذا الصوت هو الاكثر عرضة للغرق بالذاتية الغنائية عادة، لكنا في (خماسية هنرييت) نحن تجاه صوت تمثيلي، فاعل دلاليا في البنية التركيبية الرواية (Actan) بمصطلحات غريماس. تتعاقب الشخصيات، عبر صوت الراوي (الأنا) لتشكل الفسحة التوزيعية، الافقية، التزامنية سرديا عبر صوت خمس شخصيات تتداول الأدوار في السرد، لكن مصفوفة الفواعل السردية تمنح احدى الشخصيات (بهاء) موقع تقاطع المحورين: المحور العمودي التعاقبي (الكرونولوجي) والمحور الافقي التزامني، إذ عبر هذا التقاطع ستتولد البنية الاشعاعية الدلالية لنص متعدد الاصوات تفتقر اليه الرواية السورية الكلاسيكية منها والحديثة. هذا التأقطب الشرخ بين محوري التعاقب العمودي والتزامن الافقي، سيخترق الخماسية، عبر إنتاج شبكة من التناظرات الدلالية، وذلك عندما سيتبدى هذا الشرخ عن حالات من الالتياث والتشظي والانقسام والانفصام والاوهام تطال كل شخصيات الرواية الخمس الساردين، بوصفهم تمثيلا ثقافيا كل شخصيات الحضور الساردة مثقفون للحظة راهن مستلب مشروخ ومنقسم على ذاته، في مواجهة ماض طبيعي، منسجم، مفعم بالمشاعر والاشواق والانفعالات والمتع والحب، ففي المحور الاول حيث الحفر في الزمن الماضي، يتبدى البشر ملتصقين بواقعهم يحققونه ويتحققون به اجتماعيا، إنسانيا، عاطفيا، بينما في المحور الحاضر المحايث، يحضر البشر وهم في حالة عصاب جماعي، غياب في الحضور، يحضرون جسديا، لكنهم نفسيا وثقافيا ووجدانيا، منقطعو الصلة بالواقع، يعيشون انفصاماتهم الشخصية، بين الحقيقي والوهم، المعيوش والمتخيل، الواقع والمثال، ومن ثم الحياة والموت. يمتد المحور الافقي التزامني على مدى شهور (ص232) هي زمن لقاءات الشخصيات الخمس، ليحايث محور زمن عمودي تعاقبي يضرب عميقا حتى بدايات القرن العشرين من خلال شخصية العجوز و(بهاء) الذي يسكن عندها بدون مقابل مالي، بل مقابل ان يسمع حكاياتها خلال ساعتين او ثلاث، إذن نحن تجاه حكايا التزامن، اي الزمن الحضوري الذي تلتقي فيه الشخصيات الخمس التي تتناوب سرد احداث الرواية، فهو زمن لا يتعدى (بعض شهور) وهي حكايا خماسية الاحياء، بينما حكايات السيدة العجوز الثرية مع (بهاء) تتعشق محور التعاقب الذي يعود في أحدثه الى 1902 (ص8). إذن (بهاء) الذي هو نقطة تقاطع محوري الزمن التعاقبي والتزامني، ومركز تقاطع محوري التوزيع والتركيب سيكون الانفصامي الاول، وبمقدار ما يتعمق شرخ انفصاله عن الحاضر باتجاه الغرق في الماضي، بمقدار ما هو واعي لحالته الفصامية، فخياله هو ثروته على حد تعبيره، لكن هذا الخيال وقع ضحية عملية استلاب »انفصل خيالي وتنكر لماضينا المشترك وما عاد يحلو له الاشتغال والتحليق الا في الفضاءات الخانقة لعوالم منسية (ص5) بهاء والعجوز يقومان بالحفر تحت طبقات الزمان من خلال صورة فوتوغرافية تعود الى 1902، وتاريخ هذه الصورة، سيومئ لنا أننا تجاه »عائلة اعيان« حيث التصوير لم يكن قد شاع بعد. لكن مسار الاحداث حيث الاستفادة من الحبكة البوليسية المشوقة الذي ستتكشف عنه الشخصيات، لن تضعنا في مناخات (اعيان اي ملاك كبار) بل مناخ فئات مدينية وسطى ميسورة، حيث سيرصد هذا المحور تاريخ حياتها الاجتماعي والثقافي والقيمي من خلال تاريخ هذه العائلة التي يسكت النص عن هويتها البيئية والمكانية والدينية، إذ يمكن لهذه العائلة ان تكون سورية او لبنانية، حلبية او بيروتية، والكاتبة عاشت البيئتين، بل هناك اشارتان موحيتان دلاليا، بقصد الإيماء الى التباس الوسط الديني، وذلك عبر الايحاء بعالم رموز الطقوس، فجميل غانم عندما أطلق سراحه زقيم له فرح يليق بمكانته »ذبحت الخراف وحضرت النوبة« (ص78) مما يحيل الى الطقوس الاسلامية، بينما في سياق محور الزمني الراهني، ترد اشارة توحي بالطقوس المسيحية، من خلال الحديث عن المشيعين في المقبرة »المتشحين بملابس سود« ص117، والبعد الدلالي الاشاري الثاني، هو اختيار الاسماء حيث لا يوجد في الرواية بكل شخوصها اسم شخصية يشي بمنبته الديني، فالنص يرنو الى الارتقاء بخاص المحفل السردي، الى مستوى المحفل الادبي التداولي، حيث التعميم الجمالي الفني الروائي للواقع المرجعي الخاص بقصد الارتقاء به الى مستوى عمومية الدلالة عن المجتمع العربي، او بالأدق الشامي (السوري اللبناني) الذي تقوضت فيه الطبقة الوسطى بعلاقاتها وقيمها وعاداتها، لينهض على أنقاضها نماذج ملتاثة، نغلة، هجينة، ازدواجية، منفصمة. شخصيات العائلة التي تتعاقب اجيالها منذ 1902 تعيش حياة ممتلئة جسورة جامحة في عيشها الحياة كما هي، فالرجل هو الرجل، »فأي رجل يقوى على رفض امرأة اقتحمت فراشه، إن لم يكن عنينا؟!... وقد كان خليل فحلا، وأي حفل!« ... ص148، في حين ان مآلات هذه الفحولة ستنتهي الى احدى شخصيات الرواية (مازن) حيث ستتحول الفحولة الى فسولة ديكية أنانية متبجحة تغلف عجزا رجوليا يرتفع الى مستوى رفض مسؤولية الأبوة، حيث رفض مازن الاطفال، لأنه يريد ان يرى »نفسي في صورة ابن سرمدي« ص 185. لا شك ان التفسير الذي يسوقه الخطاب الروائي في تعليل مازن لرفضه الأبوة يحيل الى ثقافة واسعة في علم النفس: ثقافة عالمة من جهة وثقافة حياتية واسعة وعميقة من جهة اخرى، ترتقي بالخطاب الروائي الى مستوى سوسيو نفسي رفيع، وهو يتغلغل في عناصر بناء الحكاية، والخطاب السردي، والحوار بين الشخصيات عبر اندراجه في البنية الموضوعية التكوينية للنسيج الروائي، دون ان ينحرف باتجاه (التثاقف، والتنظير، والتجريد) الذي يطيح بالتوازن الضروري في رسم سيماء الشخصية اجتماعيا وبسيكولوجيا وثقافيا. حارس الموتى فمعادلة الحياة والموت عند (بهاء) تتحقق في صيغة عيش الحياة بين الاموات، ففي كل يوم ينبش قبرا جديدا من قبور العائلة، حتى نال الجائزة الكبرى، خشخاشة برمتها! حضور الجسد في الراهن، وغياب الروح الهائم في برزخ الماضي، حتى تستنكر عليه العجوز هذا الولع الذي يبلغ حد الهيام بإحدى جميلات الصور، لتقول له: من نصبك ساهرا على ذكرى الاموات؟ (ص63)! ان شخصية (بهاء) تكثيف مجازي للحظة راهنية بلغ فيها انكفاء العقل العربي باتجاه الماضي حدا مرضيا عياديا يبلغ حد عبادة الاموات! بالتناظر مع (بهاء)، ستعيش الشخصيات أزمات انفصامها وانقسامها على ذاتها بين الحياة والموت، فإذا كان بهاء ينبش القبور ليخرج منها الأموات، فإن »غدير تخرج الأحياء من لوحاتها« ص46، هكذا يعلق (حليم) احدى الشخصيات الخمس على (غدير) التي تعيش وهم ان اللوحة الخيالية التي رسمتها لامرأة تقرأ في الكتاب، رأتها فعليا في الشارع، وتمضي رحلتها الروائية وهي تبحث عن المرأة صاحبة الصورة المتخيلة في لوحتها، باعتبارها قد شاهدتها فعليا في الحياة، مما يستدعي الى ذاكرة القارئ استحضار أسطورة بجماليون وخروج الشخصية من التمثال، ومايكل انجلو وهو يصيح على تمثاله: انطق يا موسى... لكن المغزى الدلالي الذي يتحراه الخطاب الروائي إذ ينتج تقاطع محوري التوزيع مع محور الاستبدال المنتج للدلالة حسب بارت يذهب أبعد من أسطورة طموح الابداع لجعل الحياة تحاكي الفن، او شكوى سمكة هيغل التي ستحاكم مبدعها أمام الله لأن خالقها المبدع حرمها الروح..! غدير تبحث عن شطرها الثاني في (الحلم) الذي من دونه لا يكتمل لها كيان، ولذا تصفها (نجلاء) بأنها تكاد ان »تفقد الصلة مع الواقع لتحلق في عالم أوهامها« (ص121). حضور الحياة التي ترتسم في (حلم/وهم) لدى غدير يناظر دلاليا صورة الحياة التي ترتسم في صورة امرأة حلم أسطوري تبعثها مخيلة بهاء الملتاثة من القبور، أي بالمآل استمداد الحياة من سديم الفراغ، العدم، الموت.!. هذا الانقسام على الذاتبين الحياة والموت، الحقيقة والوهم، الواقع والمثال، يدفع (نجلاء) الشخصية الأكثر كثافة في الرواية لتتساءل »هل أصبحت أعاني من انفصام في الشخصية؟« ص199. انها منقسمة على ذاتها بين نجلاء الأستاذة الجامعية الراديكالية في صياغتها ل»نموذج معياري مؤمثل« للمرأة العصرية المتحررة من ثقافة الحريم، وبين واقع يرغمها على العودة اليه في صيغة انتصار آراء أمها التقليدية ونصائحها وحكمتها التي أنتجتها الثقافة الذكورية. يخونها زوجها باسم حاجته لاستعادة رجولته، وباسم مصفوفة قيمية ترى ان خيانة الزوج ليس مجلبة للعار وبالتالي يمكن ان يكون صاحب نزوات، بينما العار لا تجلبه سوى المرأة، ومن ثم ترويج اساطير ذكورية تقول: ان الرجل يستطيع ان ينام مع نساء كثيرات دون ان يحب، في حين ان الجنس مرتبط عند المرأة بالحب، وبالأخير ما عليها سوى ان تغفر لزوجها نزوته العابرة، وذلك بعد ان غدت »أسيرة مثلها ومبادئها«، فلا تلبث ان تنصاع لهذا الزوج الديكي (مازن) الذي يمثل كل الميراث الثقافي الذكوري، ولهذا فالمآل هو ان تعيش انقسامها على نفسها بين الحياة والموت من خلال أشواقها لحياة تستعيد فيها صورة نجلاء (الحرية) التي ماتت بداخلها، هكذا يتداخل الموت بالحياة، وذلك عندما تغدو الحياة موتا ينشد الحياة!... تعاملات كل هذه التقابلات والتناظرات في انقسام الشخصيات تتحقق من خلال تقاطعها في فضاء التواصل الذي تشغله شخصية (حليم) صديق الجميع، إذ يلوذون به جميعا ليفرجوا كروبهم عبر حاجتهم الإنسانية الى البوح، عندها يلجأون اليه لتتقاطع عنده حكاياتهم، حتى ليغدو مركز التبئير السردي، إذ يتحول الى الفاعل السردي الوحيد الذي لا وظيفة له روائيا وفق ترسيمة غريماس عن وظائفية الفواعل سوى ان يكون عنصرا او عاملا مساعدا، أي باللغة السيمويولجية (Actant adjuivant) فهو الوحيد الذي لا يستطيع ان يعلن حاجته للآخر، في حين انه هو المنذور لحاجة الآخرين، وذلك لأنه يحمل عجزه الطبيعي/ الاجتماعي على التواصل لأنه »شاذ جنسيا«، أي تبلغ معادلة الحياة والموت حدها الأقصى، عندما الضرورة الاجتماعية تفرض عليه قتل الآخر فيه ليحيا، لأن إحياء الآخر فيه انتحار اجتماعي، فإذا كانت الشخصيات الأخرى تحضر روائيا عبر (الوضع الانطولوجي) فذروة الشقاء الانطولوجي يمثله (حليم)، لأن وضعه الكينوني الحي، يفترض موت أناه الغريزي الطبيعي...! في رواية »خماسية الأحياء والأموات« يتواصل المتلقي مع الشخصية (فيما هي عليه) وعبر هذه التواصل تتكشف أناها المأزرومة، لكن دون ان نعايش خط تطورها وتشكلها وظروف عيشها وملابسات علاقتها بمحيطها التي أفضت الى اكتسابها هذه السمات بل والسيماء كما في الرواية الكلاسيكية (حيث الفرد نتاج البيئة الاجتماعية)، فإذا كنا مضطرين لمعرفة مغزى الأنانية المسرفة والطموح الأجوف لحسنين في »بداية ونهاية« لنجيب محفوظ الى ان نتابع على مدى مئات الصفحات خط هذه الظروف التي كان ضحيتها، فإننا وفق التكثيف الايحائي النفسي السوسيولوجي كما في خماسية هنرييت لسنا بحاجة لتنابع ولادة ونشأة وعائلة (بهاء) للوقوف على سر ماضويته وعبادته للموتى، بل نحن نتملى مشهديا نبشه للقبور من خلال هوسه في التحري عن شخصيات الصورة، أي اننا لسنا بحاجة الى كل هذه الاندياحات في المحاجة السردية لإقناعنا بأن »محجوب صار قوادا« في »القاهرة 30«، او لإقناعنا بموضوعية الظروف التي ساعدت على كشف »العهر بالسليقة« عند (حميدة) في زقاق مدق نجيب محفوظ، ما دامت الشخصية القصصية خلقا وابداعا وتخيلا!.؟... ولهذا فإن (حليم) ببساطة وككل الشخصيات في الرواية نتاج شرطه كما فيكفيه ان يبدأ بصيغة الاعتراف ب»وضعه« فيقول: »أنا حليم صادق لا أزال بكرا مع اني تجاوزت الثلاثين، ولم أضاجع امرأة لأني لا أرغب بالنساء، أصادقهن، أعطف عليهن، ولكن لا أشتهيهن، أبناء جنسي هم رغبتي وموضوعها« ص19. تنخرط رواية »خماسية الأحياء والأموات« في الحداثة من خلال تقديم شخوصها ووقائع حكايتها من خلال »النسقية الوضعية« التي طالما نعى عليها أي (الرواية الحديثة) لوكاش لا تاريخيتها، ونعى عليها ميلها الى التحليل النفسي المتغلب على التحليل الطبقي الاجتماعي، بل ان خاتمة الرواية تؤول الى تأكيد هذا النسق الوضعي عندما لا تكشف إلا عن نسقيته المتوالية المنتجة لذاتها المتكررة، أي الدوران في المكان والزمان، وذلك عندما يتساءل مازن في الصفحة الأخيرة مع الرواية (237)، »ترى، كيف سنكون بعد عشرين او ثلاثين عاما؟« فيرد بهاء ساراد الوقائع ذاتها التي يعيشونها بوصفها هي الوقائع ذاتها التي سيعيشونها، أي انهم سيعيدون سيرتها الأولى! ان النسقية الوضعية النفسية دفعت بالنص الى التعويل على الوحدات الادماجية لأنها على النقيض من الوظائف التوزيعية التركيبية تحيل على مدلول، وليس على فعل، وهذه الوحدات الادماجية الاستبدالية (Paradigmatique) تطغى في أنماط الحكي الأكثر تعقيدا من الأنماط الحكائية، مثل الروايات (السيكولوجية) حسب توصيف رولان بارت، ورواية (الخماسية) تنحى المنحى السيكولوجي، ولكن بأسلوبية سردية سوسيولوجية تتنوع بتنوع الأصوات والميول والأمزجة، والاهتمامات دون أي ولع بالتفخيم والفخفخة اللفظية. هذا التعويل على الوحدات الادماجية التي تحيل الى المدلول أكثر من الفعل ميزت المحور العمودي بالشكل الجمالي (اللهب) بينما ميزت العمود الأفقي بالشكل الجمالي (البلور). وهما شكلان جماليان تقاسما الرواية في القرن العشرين حسب ايتالو كالفينو الذي ينسب شكل اللهب الى بياجيه حيث (النظام الخارج من الفوضى)، وينسب شكل (البلور) الى شومسكي حيث (النظام المنظم ذاتيا). لقد تميز المحور الأول، وهو يحفر في الماضي انه محور اللهب، حيث الرغبات المحمومة واشتعال المشاعر، والحب وفوران الجسد، والاندفاع نحو النهايات في الاستجابة لعالم الداخل، جموح الكائن الذي يضعف أمام النزوات، معبر عنها بحكمة العجوز: ما الحياة في النهاية؟ أيام معدودة وتنقضي... والغبي وحده هو الذي يفوت على نفسه فرص التنعم التي قد تمعن بها عليه الظروف«. ص183 بينما المحور الأفقي يكتسب طابع (البلور) لكنه البلور المهشم، حيث زمن السرد المضارع هو زمن هندسة فراغ الروح وصقيعها وانفصامها وانقطاعها عن واقعها، والتياث عقلها بالأوهام، بحثا عن رتق الذات بالبحث عن صنوها المفقود، عن الحياة في الموت، ومثاله المعبر عنه نموذجيا يتمثل في حليم الشاذ العاجز عن استعادة طبيعته المفقودة طبيعيا، وضعيا انطولوجيا...! هل يمكن لنا إذا قمنا بعملية استبطان لظاهر النص بحثا عن ميثاقه المرجعي، ان نرى في رواية (الخماسية) بحثا وسبرا للوضع الشاذ الذي آل اليه واقع متشظ، فصامي شعاري، ازدواجي، أجوف، مترع بالأوهام والهلوسات والأكاذيب، وذلك على أنقاض موت التطور الطبيعي للمجتمع المتلئ بالحياة رغم انه غدا في عالم الأموات؟ هنرييت عبودي رغم انها تكتب نصا مكتظا بالتباسات الرمادي وإيحاءاته ذات البنية الاشعاعية الدلالية، مع ذلك فإنها تصر على الوضوح وتلح على المعنى، وإذا كان الموت في الرواية ينازع الحياة حياتها، فإن إنقاذ المعنى يجعل الحياة تنازع الموت موته، لذلك تركز هنرييت على المعنى في الكتابة، وتقف بقوة ضد موت المعنى لأنه موت الكتابة، على حد تعبير خوسيه ساراماغو. إذا كانت الرواية السورية في العقد الأخير من القرن العشرين أصبحت مشغولة ومهجوسة بالبحث عن سر تردينا الى كل هذا الموات الذي انتهينا اليه ونحن لا نزال نتشبث بالحياة، وذلك عبر العودة الى الجذور، جذور بدايات القرن (العشرين) لمساءلته سياسيا واجتماعيا، لتقصي سر هذا الحطام والعطالة الفكرية والاجتماعية والسياسية، فأتت رواية هنرييت متساوقة مع هذه المساءلات، لكن عبر الابحار الذي يغوص تحت السطح للبحث عن جذور حطام الروح وعطالة الإنسان، التي قادتنا الى كل هذا الالتباس بين »الحياة والموت« في »خماسية الأحياء والأموات«!؟..