As Safir Logo
المصدر:

»امرأة من هذا العصر« لهيفاء بيطار رواية من الحياة لا المعجم

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2004-04-20 رقم العدد:9773

الكتاب: »امرأة من هذا العصر« الكاتبة: هيفاء بيطار الناشر: »دار الساقي« تكتب هيفاء بيطار من عزلة فادحة، هي في جوهرها ضرب من العكوف على الذات، يدفع ضحاياه احياناً الى القيام بنشاط محموم لا جدوى منه، كما يدفعهم في احيان اخرى الى إصرار جنوني على اشغال مخيلاتهم الخصبة اصلا في اختراع عواطف لا شأن لها بالواقع، والعمل على تزكية هذه العواطف، وأغلبها علاقات حب ناقصة، بكافة الولع والبذل، وهم في كلتا الحالتين ينفرون من الخلل الضارب في واقعهم، ويهربون الى اعمق مكونات عالمهم الداخلي، او اغترابهم الوجودي الذي لا يملكون منه فكاكاً. عزلة المرأة في رواية هيفاء بيطار، تبدو ممهدا لها وئيدا وباضطراد، بمنتهى الوضوح والسلاسة. وهي تبدأ من مقتلة شعورية بينها وبين الآخر غالبا الزواج في وقت مبكر الذي احبته كما يجدر بامرأة طفلة ان تحب، لتحل سلسلة منغصات يقتضيها التكشف والوقت، على الحب وشخوصه، فتنتهي اللعبة لتبدأ الكتابة. عزلة المرأة في عالم بيطار الكتابي، تتجاوز ايضا كونها حالة، ونتاجاً ادبياً، لتضرب جذورها في المنطق المجتمعي العربي برمته، فتتعمق وتتكاثف وتتبلور عند البطلة، لتغدو في النهاية طريقة حياة، ومنهاج استجابة لا واعية الى شروط الذكر العربي، الاقوى دينياً وتاريخياً، وتنتقل من كونها حالة خاصة، الى لعنة تحيق بطهرانية المشاعر وبراءتها ما يرتب انكفاءً سلوكياً الى حد الانكماش والرعب، إزاء العالم الخارجي الذي ينصب افخاخه، وإزاء الصياد الازلي لطرائد الغرام واللذة. السلاسة في روايات هيفاء بيطار نابعة من عدم ادعائها، وعدم اتكائها على نبرة ثقافية مفرطة. هي رواية حياة ومشاعر داخلية لا تستقوي عليها الكاتبة بنبش المعاجم وحشد العبارات الصعبة والمعقدة، بل تأخذ بيد القارئ الى جرحها الشخصي، عبر البساطة في السرد، والمباشرة العذبة ورقة العبارة التي تتماهى في النهاية مع حكاية عادية وحياة عادية فتلبس لبوسهما. لا تستنطق بيطار شخوص رواياتها كلاماً »أكبر« ممّا تحتمله حيواتهم وحكاياتهم، بل ثمة ذلك التماهي اللطيف بين السرد العادي واليقظ في آن، لحياة تبدو اقرب الى يومياتنا، وتجري مثلها شؤوننا وشجوننا. القصور بهذا المعنى فإن تاريخ الشخصيات في »امرأة من هذا العصر« بما فيها الشخصية الرئيسية للراوية، لا يعدو ان يكون تنويعات على شتى ضروب العزلة، ورحلة طويلة لقهر سوء التفاهم الإنساني/ التاريخي، تنتهي في اغلب روايات بيطار الى نفق مظلم بسبب من القصور الذاتي للقوانين العربية التي تغلّب الذكر على الانثى في شتى المجالات. لا نكتب هنا انحيازاً سطحياً الى المرأة بوصفها كائناً مهزوماً سلفاً، فثمة خلاص لا بأس به، يبدو من الضرورة الى المرأة بمكان، معرفته والقبض عليها من خلال تحديدات بسيطة لحياتها، اولها رغبتها الغائية من هذه الحياة. بل نضيف اننا نرى ايضا الى الغبن اللاحق بالرجل، بعيداً عن المراسيم والقوانين، ما يعادل ما يلحق بالمرأة، للافتقار الفيزيولوجي والطبيعي للرجل الى الرقة والمرونة والخيال، صلب تكوين المرأة ومصدر قوتها وعزائها. تلفتنا بشدة غزارة انتاج هيفاء بيطار واصداراتها الأدبية التي لا تنفك تطالع القارئ في موعد سنوي او دونه. للكاتبة في مجال الرواية حتى اليوم: »أبواب مواربة« »أفراح صغيرة... أفراح اخيرة« »امرأة من طابقين« »نسر بجناح وحيد« »يوميات مطلقة« وروايتها بين أيدينا »امرأة من هذا العصر«. ولها في المجموعات القصصية: »الساقطة« و»ضجيج الجسد« و»ورود لن تموت«. هذه الوفرة في الانتاج والغزارة ليستا عبثيتين ولا مجانيتين، فثمة الرغبة الباهظة عند الكاتبة الى الامساك بأوهى المشاعر كما اشدّها كثافة، تعمل فيها بيطار تشريحاً وكتابة، وكأنما الكتابة عندها، فعل حياة بديلة ومشتهى عذب. البطلة في »امرأة من هذا العصر« تبدو ضحية عواطفها المتقدة نفسها، النابعة من شغور، والراغبة الى الرجل بوصفه إلهاً لا تدور حياة من دونه، ولا يستقيم العالم، تقول البطلة: »أنت إلهي. كرست نفسي لأحمد. اسعدتني رغبته بالاستئثار بي وأرضت انوثتي غيرته. لم اعترض حين طلب إليّ ان ابدل ثيابي وان امتنع عن لبس البناطلين الضيقة والقمصان بدون أكمام. قبلت هداياه وكانت كلها قمصاناً فضفاضة بأكمام طويلة وتنانير طويلة واسعة. لم اعد اصبغ شفتي بأحمر الشفاه الفاقع بل اكتفيت بالألوان الشاحبة الوردية التي بالكاد تلحظ. منعني ان يوصلني احد زملائي في العمل بسيارته. وقدم إليّ في عيد ميلادي الذي احتفلنا به في مطعم فخم وعلى ضوء الشموع هدية ثمينة. دائرة من الذهب في قلبها حبة من الألماس تشع كالشمس«. (ص 61). هذه الرغبة السامقة الى الآخر الرجل، يزينها الحب الذي يبدو بدائياً خالصاً في تعاطيه، بل مازوشياً الى حد، حين تترك المرأة للحبيب مصائرها كافة، وأدق تفاصيل جسدها وعيشها، في نزعة حريمية بائدة قد تصلح للنزوات القصيرة، بيد انها تعجز عن توازن الحياة الذي يستدعي العقل والعاطفة، وأشياء ليست في حسبان الحب بالمرة. السرطان تبدأ رواية »امرأة من هذا العصر« من تنبه مؤلم الى حدوث سرطان في الثدي لدى البطلة التي تروح ترى بعد ذلك، الى حياتها من خلال الإحساس الساحق بمغادرة تلك الحياة. فتستعذب بفعل نذر المغادرة او المرض، كما ملمح من ملامح وجودها السابق، وتغدو طقوسها العادية، وجسدها، والليل، والنبات، وإبنها، ومذاق السجائر، ورؤية الغروب، فردوساً كاملاً كانت البطلة غافلة عنه حتى حدوث ذلك الامر المفجع. ومن استحضار حياتها كافة اثناء جلسات العلاج الكيميائي، تدفقت الحكايات التي تحكمها بكلها تيمة الحب والحاجة الى الكتف الدافئ، لتبدأ رحلة الاستعادات الطيفية لكل مراحل العذوبة والقهر التي تكتنه حياة عاشقة عرفت أخيراً جوهر الاشياء من خلال نقيضها، وكافحت الى سعادتها حتى الرمق الاخير، لتحل رغم المرض، السعادة الحادة والكثيفة المتأتية من الانعتاق من الارض، نحو سماء قصية لا يحدها عائق. حكايا بسيطة منسوجة برقة نرجسية، تتداخل فيها خيوط السرد بالتذكر، وتتقاطع مع تفاصيل كثيرة، تنتصر بأغلبها الى سخونة القلب رغم عماه، وإلى الحواس الخام التي ترفض بيقين البريء، تفاهة الهوس الى عالم خال من المشاعر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة