منذ بداياته مال الشاعر العراقي محمد مظلوم إلى قصيدة النثر من دون أن يعني هذا الميل إلغاء للأشكال الشعرية الأخرى التي، تغني برأيه، المشهد الشعري العراقي. وعبر ثلاث مجموعات شعرية استطاع مظلوم أن يستثمر معظم المنجز الشعري العراقي والعربي ويبحث، في الوقت نفسه، عن نبرته الشخصية وعن قوله الشعري الذاتي. ومن الجدير بالذكر أن تجربته واسمه تشكلا خارج العراق تقريبا وفي دمشق تحديدا. في مجموعته الأخيرة »أندلس لبغداد« كان هناك نوع من التنبؤ المجازي لحال العراق كما قال البعض، ولكن الأهم أن محمد مظلوم كان يضيف، في هذه المجموعة، رصيدا شعريا لتجربته التي تذهب إلى النثر ولكنها تحتفظ بمخزون اللغة وطاقة الاستعارات على مزج الكلام اليومي بالبلاغة الخفيفة وخلط المنفى بالمكان الأول. كان الكتاب أشبه بنشيد فردي ولكن بحناجر عراقية كثيرة. هنا حوار عن المكان الأول والشعر والمنفى وتجربة الكتابة. ÷ عدت إلى بغداد أكثر من مرة بعد سقوط النظام كيف تصف عودتك بعد سنوات الغربة والمنفى؟ { سيكون الأمر، أبعد من السنوات الثلاث عشرة التي عشتها خارج العراق، وأطول من المسافة التي قطعتها لأصل إلى بيتنا القديم! سيكون سرداً طويلاً، لذلك بدا لي بعد هذه الرحلة أن الكتابة ينبغي أن تتسع قليلاً، أو كثيراً، لتروي مشاهدات يتداخل فيها الحلم بالكابوس. الآن أعتقد أن عودتي كانت رحلة في حلم، الآن أعرف أن المنفى لهب والبلاد رماد، لكن لا اللهب يغني عن الرماد، ولا الرماد نفسه بإمكانه أن يصل الضفتين بخيطه المنكسر، عندما تجد كل شيء تغير من حولك، عندها فقط تشعر بفداحة ما أنت فيه! كنت كلما هممت بالسؤال عن أحد توقفت، لبرهة خشية أن أبدو كمن يسأل عن ماض سحيق! بعد أن اصطدمت بعض أسئلتي، عن أشخاص عرفتهم، بأخبار جاءت من زمن طوفان جرف البلاد والعباد: ففلان قتل في الحرب، وفلان هرب من العراق، ولم يعد أحد يعرف له أثر، وفلان لا زال أهله يفتشون المقابر، وبقايا السجون القديمة على أمل أن يجدوا ما يشير إليه، ذكرى على جدران زنزانة، أو بقية قميص أو نوع دواء كان يستعمله فيتعرفوا عليه في المقابر الجماعية. هل تعرف إن ذوي أحد صبيان الحي الذين أعرفهم لم يجدوا له أثراً إلا في سجلات التوقيف في أحد المركز القمعية، وحينما حاولوا التعرف على بقية الأجزاء في مقبرة جماعية بالمحاويل قرب بابل، وجدوا قطعة نقدية معدنية من فئة الربع دينار، لم تعد مستخدمة في العراق منذ سنوات، هتف والده كمن يتيقن من أن العظام التي أمامه تعود لابنه: أتذكر إنني أعطيته الربع دينار صباح ذلك اليوم أجرة الطريق للوصول إلى المدرسة، كان الضحية طالباً في المرحلة الثانوية، ولا أحد يعلم ما الذي جرى في طريقه إلى المدرسة! لكن القطعة النقدية المعدنية لم تستطع أن تحسم الجدل وسط تداخل العظام في تلك المقبرة. ربما ستكون عودة العراقيين أشبه بيقين ذلك الرجل الذي يحاول التعرف إلى جثة ولده من خلال تلك الفئة النقدية التي مر عليها الزمن، حتى صارت ذكرى ليس أكثر. ولكن ولكي لا تكون الصورة قاتمة تماماً، فإن في تلك العودة كان ثمة أمكنة لم تتغير، وبدت قادرة على الحضور بقوة وكأنك لم تغادرها للحظة واحدة، أمكنة تبدو عصية على الزوال رغم تغير تفاصيلها لكن خريطة الذاكرة سرعان ما تتحرك في روحك رغم ما طرأ على التفاصيل من تبدلات فالمحلة هي ذاتها، مع أن البيت الذي ولدت فيها قد تغير وأنشئت محله فيلا كبيرة، والبيت الذي نشأت فيه، تغيرت ملامحه تماماً، والباب الذي لم يصمد أمام طرقاتي وركلاتي في الصبا تغير هو الآخر، والسياج الذي تسلقته مرات للهروب من النوم القسري في نهارات العراق الساخنة، صار أكثر علوا وبدا كما لو إنه سياج معتقل مقفل. أما البيت الذي خرجت منه فقد تغير هو الآخر حتى بدوت أمام الأهل وكأنني ضيف أسأل عن الحمام، وعن المكان الذي سأنام فيه وسط ضحكات يتداخل فيها الفرح بالتندر على هذا الغريب الذي سرعان ما يتذكرون أن تلك المطارح قد تغيرت كثيراً منذ غيابه. ÷ مجموعتك ( أندلس لبغداد ) التي نشرتها قبل الاحتلال الاميركي كانت بمثابة نشيد للأماكن والأسماء والتواريخ، كأنك كنت ترثي المدينة أو تفقدها أو تتذكرها كحلم. هل العراق أندلس بهذا المعنى؟ { عندما صدرت »أندلس لبغداد« مجموعتي الشعري الخامسة، وهي قصيدة واحدة طويلة، في نيسان عام 2002، أي قبل عام واحد بالضبط من احتلال العراق، بدت للبعض وكأنها مرثية مبكرة لمدينتي التي ولدت فيها ونشأت وغادرتها مرغماً، فكتب الشاعر محمد علي شمس الدين مشبهاً إياه بمراثي أرميا، بل ذهب الشاعر عبد العزيز المقالح إلى اعتبارها نبوءة استباقية ترى مصير المدن على بعد، لكن الواقع أنني كنت ولأربع سنوات أكتب هذا النص الطويل وأنا أبحث عن بغداد الضائعة في التواريخ والأمكنة التي أشرت إليها، ربما كان البحث نفسه هو ما تضمن بشكل تلقائي محصلة الحس الرثائي أو نبوءة الخراب تلك، والمآل الذي تؤول إليها المدن المحكومة بمصائر تكرارية على ما يبدو وبغداد من خلال بحثي التجسدي والمعرفي معها هي من تلك المدن، فما أراه في تاريخ بغداد هو أن الحلم يشكل صورة لمدينة تستباح دائماً لكنها لا تموت، كأن كمية الدم المسفوحة فيها هي نهر ثالث يصف المدينة، دم القتل هنا قد يكون معادلاً لدم الولادة أيضاً، تأمل في ما حل بالمدينة تاريخياً ويحل بها راهناً ولكنها لا تفقد رمزيتها الحية ودلالتها الاعتبارية، وانفتاحها على المستقبل، تداخل الحلم بالكابوس هنا واحدة من سمات بغداد، كل الذين عاشوا فيها أو زاروها يدركون هذا الواقع الملتبس، تلك هويتها يا صديقي، ولذلك فإن وجوه بغداد تبدو متناقضة أحياناً وعصية على الفهم لمن لا يعرفها أو يعيش فيها. قصيدة النثر العراقية ÷ منذ البداية كان طموحك الشعري أميل الى قصيدة النثر. لماذا برأيك ما زالت قصيدة النثر العراقية أقل حضورا مقارنة بحضورها في بلدان عربية أخرى، رغم وجود أحد روادها وهو »حسين مردان« في العراق. { لا أتفق مع ما تذهب إليه من تقليل حضور قصيدة النثر في العراق، مقارنة بحضورها في بلدان عربية أخرى، ولا أستطيع أن أتيقن تماماً من طبيعة الحضور الذي تقصده، فإذا كان ما تقصده يتعلق بوجود الأشكال الشعرية الأخرى في الشعر العراقي، فهو سمة غنى وتعدد أكثر من كونه تغييباً لشكل ما، وإن كنت تذهب إلى إنجاز الأسماء في هذا الشكل الشعري وريادته، فإن الريادة في قصيدة النثر العراقية تمتد على أبعد من مرحلة الخمسينات وحسين مردان الذي أشرت إليه، فمنذ أواسط العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كان ثمة محاولات عدة لكتابة قصيدة النثر وحتى التبشير التنظيري لها، محاولات رفائيل بطي واحدة منها، ومحاولات أنور شاؤول اليهودي العراقي المتحدر من مدينة بابل، يمكن أن تضاف إلى هذه المحاولات رغم أنه ظل يكتب الشعر العمودي ولديه ريادة إضافية في القصة القصيرة أيضاً. سترى أن قصيدة النثر ستستهوي الكثير من مثقفي الأقليات العرقية والقومية في العراق، حتى خلال الستينات، فالتركمان والآشوريون هم عصب جماعة كركوك، وتجارب سركون بولص ومؤيد الراوي وفاضل العزاوي وأنور الغساني وصلاح فائق شاهد على ذلك، وعلى حد تعبير الشاعر المشاكس وليد جمعة فإن الكنى العربية الصريحة لهؤلاء (من عزاوي وغساني وراوي) لم تمنع زملاءهم مما كان يعرف بينهم من أنهم تركمان! ربما أصبحت هذه الخريطة واضحة عربياً اليوم وذات دلالات أخرى، بفعل ما جرى، لكن الثقافة العراقية في الواقع، لم يزدها هذا التنوع إلا غنى عبر العصور، وبالنسبة لجيلنا لا بد من الإشارة إلى أن خيار قصيدة النثر خلال الثمانينات، كان نوعاً من الاحتجاج على ما ألحقه (الشعراء العموديون) من سمعة سيئة بالشعر عموماً، كانت القصائد المنبرية هي خطاب الحرب، وكأنها أصبحت صوت العنف والقتل المجاني، والتحريض عليه، ولهذا كان خيار قصيدة النثر نوعاً من اختيار الهامش غير القابل للمصادرة أو الوقوف على منبر العنف ذاك، وفي هذا السياق أسوق لك هذه الحادثة التي تنطوي على طرافة نادرة من تاريخ الدكتاتورية في بلادي، وهي طرافة ليست نكتة بل واقعة حدثت بالفعل، فبعد أن استلم صدام السلطة في العراق، وفي أول مهرجان شعري يحضره، أمر بعد انتهائه أن يتم نقل الشعراء خلفه في باص كبير، لكي يلتقي بهم في أحد قصوره الباصات التي ستنقل الشعراء طوابير وحشوداً ستكون سنة دكتاتورية بعد ذلك وخلال اللقاء طلب من الشعراء أن يطرحوا مشكلاتهم، فنهض الشاعر الراحل سلمان السعدي، ليقول إنه شاعر يكتب قصيدة النثر لكنه لا يجد في الصحافة العراقية من ينشر له، وأمام هذا المصطلح الغريب (قصيدة نثر) تلفت الدكتاتور من حوله عله يجد من مساعديه من يفسر له هذا اللغز، فبادر الشاعر الفلسطيني المقيم في العراق خالد علي مصطفى، إلى تبسيط المصطلح، بأنه نوع من الشعر لا يلتزم بالأوزان ولا القوافي، وهنا رد صدام بضحكته المعهودة ولهجته التكريتية (عجل يابه أنا همين أكدر أكتب قصيدة من هذا الشعر وحجيي هذا هو شعر مو؟) ما أردت أن أوضحه أن قصيدة النثر في ذلك الوقت لم تكن صالحة لمزامنة (صوت المعركة) لكن هذا الأمر لن يستمر طويلاً إذ يبدو إن ذائقة الدكتاتور ستتطور هي الأخرى فقد دخلت قصيدة النثر خلال فترة الحصار (نادي القصائد المليونية)، وهي القصائد التي تنشر في الصحافة وتمدح الدكتاتور فيأمر بصرف مليون دينار لشاعرها. بالنسبة لي، قلت أكثر من مرة، إن لا عقدة لدي من أي شكل شعري، طالما أنه يحقق الفكرة التي أريد كتابتها، صحيح أن المتن الأساسي لمجموعاتي الخمس كان الكتابة خارج الإيقاع، لكنني بالمقابل لم أتخل في أي من تلك المجموعات عن الكتابة على وفق البحور الخليلية، حيث ثمة قصائد عدة في هذا الشكل في تلك المجمموعات. ÷ هل تعتقد أن المنفى فتت أو حجب مفهوم الجيل الشعري أو التيار الشعري في الشعر العراقي، ومن هم، بهذا المعنى، أقرانك أو مجايلوك كجيل أو كتجربة شعرية وأسلوبية. { مفهوم الجيل الشعري نشأ في العراق نتيجة ظروف سياسية خاصة، وبدأه الستينيون في حمى الاصطراع السياسي آنذاك، وفي الثمانينات لم يكن أمام الشاعر الشاب من مرجعية سياسية او عقائدية، وسط حكم الحزب الواحد، ربما كان الجيل الشعري والتيارات المتعددة داخله نوعاً من افرازات ذلك الواقع، أما المنفى فقد أضحى قضية بحد ذاته، كان الشعراء يصنفون في العراق على وفق الأجيال لكن المنفى جمعهم في هم واحد وبهذا المعنى أتفق معك تماماً بأن المنفى، لم يحجب مفهوم الأجيال فحسب بل حل محله بديلاً، فعندما كنا في العراق، كان ثمة فاصلة أخرى تفرقنا عن سامي مهدي أو حميد سعيد أو عبد الرزاق عبد الواحد مثلاً كان هؤلاء إضافة إلى المسافة الجيلية المفترضة التي تفصلنا عنهم، يمثلون رموزاً ثقافية للنظام الذي حاولت حذف وإقصاء الأجيال اللاحقة على طريقة ثقافة الدكتاتورية التي لا تؤمن بالتعدد والاختلاف، في المنفى لم تعد هذه المسافة مع البياتي أو سعدي يوسف أو فاضل العزاوي مثلاً أو سواهم. وإذا كان محمد تركي النصار أو باسم المرعبي أو نصيف الناصري أو الصائح أو ناصر مؤنس، من بين الأسماء التي خضت معها تلك الشفاف فقد اتسعت ضفاف المنفى لتشمل أسماء أخرى موازية كجمال مصطفى والراحل آدم حاتم وحميد العقابي وغيرهم. لكن ما أود الإشارة إليه هنا ويتعلق بجانب من سؤالك أن المقترح الأسلوبي الذي تبنيناه في الداخل، وكان متضارعاً إلى حد ما، بدأ يتباين ويجري في اتجاهات مختلفة وهو شيء طبيعي بفعل اتساع خريطة المنفى وتنوع التجارب وتبدل القناعات. غير أن القضية تبدو أبعد من هذا عندما يتعلق الأمر بمجايلي من الشعراء العرب، سيصبح الأمر أكبر من قضية جيل ليتجلى بما يمكن وصفه بحركة شعرية واسعة التيارات، يصعب تصنيفها في حوار سريع.