As Safir Logo
المصدر:

»تركت نظرتي في البئر« لإبراهيم الملا إيقاع عدواني ملطف وبربرية دافئة

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2004-04-06 رقم العدد:9763

الكتاب: »تركت نظرتي في البئر« الكاتب: إبراهيم الملا الناشر: من دون ذكر لدار نشر صدرت في الشارقة، من دون ذكر لدار نشر، مجموعة »تركت نظرتي في البئر« للشاعر ابراهيم الملا، الملا شاعر وصحافي وكاتب سيناريو من مواليد الشارقة الامارات، صدر له »صحراء في السلال« مجموعة شعرية اولى سنة 1997 عن »دار الجمل« كولونيا ألمانيا. ما يلفت بداية، كثرة تجوال هذا الشاعر المحظوظ، اسفار كثيرة، حتى لتكاد كل قصيدة في المجموعة مذيلة باسم البلد الاوروبي الذي كتبت فيها. فضاءات اضافية على الشعر اذن، وكوكبة بلدان يكفي ذكرها وحده لكي نكتب القصائد، فكيف بالذي قضى في كل منها، ردحا من الشتاء وبعضا من الربيع وأغلب عمره. فينيسيا وحدها، تستدعي الشعر كله، وفيها كتب الملا: »هذا الطواف المر وهذا الأسى في الأزقة يتجول أُعْليك أيها الألم بيتاً في الهواء لأنني القارب وحيداً أترنح في التلاشيات المرهفة للفجر وحيداً في الغيم أحرث لأنه البحر نشيد ما يُعتم«. (ص 32). لعب حر في قصائد الملا، غاية الشعر فحسب، ترخي فرحاً في الاستحقاق الذاتي للشاعر، وفي تطلعه الى حياة قصائده الداخلية، بعيداً من موازير النظريات الشعرية، التي تعطل العاطفة وزخم المباشرة. لعب حر تقوم به طاقة الشاعر الإنسانية اولا، ثم الشعرية المسعوفة بلغتها المقتضبة الأنيقة، وبالبصريات الكثيرة والصور، الى الرؤى والاوهام التي لا يستغني عنها الشعر. في قصيدة ابراهيم الملا، خصوصاً في ديوانه الجديد قرأنا له في احدى اليوميات الالكترونية بعضا من قديمه ما يعلّم ويمتع ويهز، في تأثيراتها الجمالية الرشيقة، المتخلصة من إرهاص السرد وهذيانه. مجموعته مفتوحة على الشعر وعلى النثر، وفيها نرى الى متانة القبض على جملته في كلا الصنفين، وإن بدا اكثر وفاءً لذائقته في نثريات القسم الثاني من مجموعته. بيد ان قصائده القصيرة متماسكة في مناخها الواحد، وهي على الرغم من احزانها الوجودية الى حد، والبعيدة عن سخونة اليومي لا تنوح ولا تعول، بل تعبر في امورها الى رفعة التلويح والمقاربة. من »أحزان خفيفة«: لم يكن يقيناً ما رأيته ربما أنت من كان يفلت الأسرار بذلك الحزن العميق والمكتمل بذلك الجرح الذي لا مأوى له كأن الأسرار صف توابيت تنزلق تباعاً في الماء. غموض جميل تبتعد قصائد ابراهيم الملا عن الفنية التي تستند الى موقف (سياسي، فلسفي، ديني)، وتنغمس في قصدية المعرفة والادراك تنهلهما من الجمال فحسب، الشاعر في إسباغ ذلك الشكل الساحر للبربرية على قصائده، إنما ينجو بها من السائد المتخم باليقين، ومن المسطح والمسطر وفق نظام متفق عليه، والذي باعتباري الشخصي، خارج الشعر وبدائعه، التي تجعل منه شعراً. في قصائد الملا بربرية متأتية من روح حرة، ومن تجوال رحب، ومن قلب دافئ ولغة مزاجية وطموحة. بربرية من عصيانها على الادراك السهل، وغامضة غموض الاشياء الجميلة بأسرارها التي تجذب. بيد ان بربريتها ملطفة الى القارئ، يسعه التماهي معها من اقتراحاتها الجذابة، ومن إيقاعها الموسيقي القوي والمقنع. يحكم ابراهيم الملا القبض على الخاتمة في قصيدته، حتى لا تحتاج بعد الى مزيد القول: كل هذا الأسى لم يشغلني بل الغيمة التي مرّت ولم تُمطر واضح هنا وجلّي في قصيدته هذه، الشيء الذي لم يعلنه الشاعر. وهو لو اعلنه، لكان حرم القصيدة من جمالها، ولكان خان الفكرة في تبسيطها، او في ذلك النوع من الكتابة الذي يشبه الاعلانات. تقريباً، على هذه الشاكلة، صاغ ابراهيم الملا أغلب قصائده في »تركتُ نظرتي في البئر« لتأتلف في عناصر النشوة، وفي اللطف العدواني للإيقاع. يبرع الشاعر في ترميز بعض المشاهد القصيرة جداً، المتصاعدة في فراغ السطور، والمشابهة للصرخات، في هذه المشاهد تحديداً، يتبدى التحدي اللغوي المقتضب، الذي يحتضن الصور الكثيرة والذي يشكل في تقنيته الراهنة، صورة الشعر الحديث، الآخذ في مساراته وهمومه. يقول الملا في إحدى تمارينه الشعرية: فجأة وفي هواء صلب نظرنا للمرايا وهي تغوص في وجوهنا الصحراء لعبة قديمة هكذا لأننا تركنا البيت فارغاً من سمائه تركنا جفاف البحر على ثيابنا نرتب الوهم في أكياس... الخ »تركت نظرتي في البئر« مجموعة ابراهيم الملا الثانية، تشكل اضافة الى لغته الشعرية المتميزة، وتحمل تيمة تجوال خاص، وشاعري بامتياز. اعني تضافر كل من العين والقلب واللغه، الى رفقة من نوع حميم، تحملها الى البلاد البعيدة. رفقة تحضن المشاهد والامكنة، فلا تسأمها ولا تسمّيها اغتراباً، بل نافذة جديدة مفتوحة على مزيد الشعر، يتخلق منه الليل والسهر والمرأة والتفاصيل كافة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة