يحتل جمال عبد الناصر مساحة هامة في شعر نديم محمد، ويمكن القول بثقة تامة، ان الشاعر لم يمدح سوى جمال عبد الناصر، طيلة حياته، ولم يكن يحب المديح، باستثناء نادر في قصيدة نظمها نكاية بفرنسا، بعنوان (هتلر) في اثناء الحرب العالمية الثانية. وقبيل وفاته مدح الرئيس الراحل حافظ الأسد. ويبقى جمال عبد الناصر، هو الزعيم الوحيد الذي مدحه بصدق، من غير ان يطمح او يطمع الشاعر بمكافأة، او بمنصب، او بموقع، لقد كتب عنه منذ انتصار ثورة تموز 1952، واطلق عليها: (الثورة الخضراء). فلقد ادرك الشاعر اهمية انتصار ثورة تموز في مصر، والتي كانت انعطافا هاما ليس في مصر، بل في كل الوطن العربي، وفي ارجاء العالم الثالث. ورأى فيها الشاعر، ثورة فلاحين وعمال، موجهة ضد الاقطاع، والاستعمار، والرجعية، وتبرعمت من خلالها، احلام المخلصين العرب بوحدة الامة العربية. في اثناء احاديثي الكثيرة مع الشاعر الراحل، كان يحكي عن جمال عبد الناصر، بمحبة واجلال، ويقول انه الزعيم العربي الوحيد المرشح لقيادة الامة العربية، ذات يوم، وعلى ذكر الانتصار العظيم على العدوان الثلاثي، قال لي: انت لا تذكر، كنت صغيرا، ولكني اذكر تماما، وعشت تلك الايام، للحمي وعظمي، ومشاعري مع عبد الناصر. هل سمعت برجل اسمه صلاح سالم، فقلت: ورد اسمه كثيرا في قراءاتي عن تلك المرحلة، فقال الشاعر: للاسف، وقع الصاغ صلاح سالم في شبكة نوري السعيد، ونوري السعيد معروف هو ومواقفه وخيانته ومؤمراته على سوريا ومصر، ففي اثناء جلسة طارئة لمجلس الوزراء، قال صلاح سالم لعبد الناصر بالحرف الواحد: »لقد فعلت كل ما بوسعك، وخدمت بلدك بكل قدرتك وطاقتك، ولكنك فشلت، وبقيت خدمة اخرى واحدة فقط، يمكنك ان تؤديها لبلدك، ان السفير همفري تريلقيان لا يزال في السفارة البريطانية فاذهب وسلم نفسك اليه، ذلك انهم يريدونك وحدك فقط... فرد عليه جمال بهدوء وبحزم وحسم: »انني افضل ان اضحي بنفسي، وأنا اقاتل، لكني لن استسلم«. الوحدة لن اتوقف كثيراً عند التحضير لقيام الوحدة العربية بين مصر وسوريا، فالاحداث والملابسات معروفة للجميع. المهم، ان الوحدة تمت بين سوريا ومصر، اول وحدة وآخر وحدة. وينتعش نديم محمد بطرب لهذه الوحدة، فيطلع بقصيدة طويلة بعنوان: »مولد المجد«، اقتطف منها: فتح، وما ازهى، ونصر وترفع، ابداً، وكبر المجد مولده على راياتنا... والدهر بكر لبست مطارفه دمشق وجررت برويه مصر عرس العروبة رشد ألق... وغرو فيه عطر كتب نديم اغلب قصائده، في الخمسينيات، عن النضال القومي، وبعث الأمة العربية، ووحدتها، وكتب عن النضال الاجتماعي، وعن معاناة الفلاحين، وكان يرى المثل الاعلى في الثورة الخضراء، اي ثورة تموز. يكتب، ويكتب، ثم يعود الى جمال عبد الناصر: ما هذه النجمات يحضنها ويعمما لفي صدره علم علم اذا رفت جوانحه في ساحة... رجفت لها قمم وعلى الثنايا الخضر اسمرنا فإذا اشار تلفت الهرم والمفرق الزهوان يضفره غار عليه النجم يبتسم يا اسامر الجلى... سواعدنا ما مسها ضعف ولا سقم... كما كتب عن الوحدة العربية يغنيها في عام 1959 قصيدة بعنوان »موكب الفجر«: مغنى الضياء وملعب النسر لوحان من سحر ومن كبر فهما جناحا راية حصنت (هرمي) دمشق و(غوطتي) مصر كذلك في »غضب السلاح« يستنهض الهمم، ويشد على ايدي المكافحين في ارضهم، وذودهم عن حدودهم، ويذكر ببطولات الشعب المصري، في حرب القتال. وانتقل الى المحور الثاني. لماذا تراجع نديم محمد عن حب جمال عبد الناصر، او الاهم ان اقول لماذا انقلب، هكذا فجأة، ولكن قبل ان اتحدث عن قصيدته (فرعون)، يحضرني ما قاله لي عن جمال عبد الناصر: »قابلت جمال مرة واحدة في عام 1959، وقد اذهلتني شخصية هذا الرجل، ذي الحضور الاستثنائي، وخرجت من حضرته وأنا متفائل به واكثر اعجابا بشخصيته الفذة«. وما ان وصل سوريا، حتى شرع بنظم قصيدة بعنوان (فقاتل) منها: سألت وما بعاوتك السؤال انسكت أم نقاتل يا جمال؟ نقاتل او تغص بنا بحار نقاتل او تميد بنا جبال يد العربي في عنق الثريا اذا بطرت واسكرها خيال يفتح الشاعر قوسين ويكتب ما يلي: (... واكبح جماح القلم لأقف جري هذه القصيدة الى المدى الذي قدرت. فقد عرض ما عرض فانصرفت وفي الحلق غصة، وفي النفس حرقة، يكشف عنهما هذان البيتان: غنيت حسن الظن فيك وطار واستعلى النشيد جهد يضيع وكم تضيع بظن مخدوع جهود؟ وهكذا لويت عنان الخيال... فانطلق الى ما يكشف عنه المستقبل ومن يدري ماذا يكون؟). عربي اشتراكي بعد لأي، يختار نديم حزب (العربي الاشتراكي)، قبل دمجه بالبعث. وبذلك يكون قد اطمأن قلب الشاعر لآماله وطموحاته: فأولا: اشتراكي، ونديم اشتراكي، ثانيا: عربي، ونديم عربي. وثالثا: وحدوي، ونديم وحدوي، ورابعا بعث، ويعني بعث وانبعاث الأمة العربية، ويتحمس الشاعر للثالوث: الوحدة، والحرية، والاشتراكية، ويصبح نديم من اعز واغلى اصدقاء السيد اكرم الحوراني، الذي صار نائبا للرئيس جمال عبد الناصر، وقصة اكرم الحوراني، والوزراء البعثيين، وموافقتهم على حل الحزب معروفة، ولن اتوقف عند تجربة الوحدة، والمؤامرة العظمى عليها، وكيف انحرفت الوحدة عن مبادئها، او هكذا قدر لرجال ان يعبثوا بمقدرات الشعبين، فأحكموا التآمر عليها، فيصاب الكثيرون بخيبة الامل من جراء الاحكام التعسفية وخنق الحريات، وهيمنة رجال المباحث، وزج اليساريين والشيوعيين في السجون. وبلغت الحماقة برجال المباحث الى تذويب جثة الشهيد فرج الله الحلو بالاسيد. باختصار ارتكبت اخطاء جسيمة، والسؤال هو، هل كان يعرف عبد الناصر، ام لا؟ المهم، ينسحب اكرم الحوراني من الوزارة، ويقبل عبد الناصر استقالته. وفي نهاية شهر آب عام 1959 يلتقي اكرم الحوراني في مصايف صلنفة نديم محمد في محافظة اللاذقية، وفي جلسة طويلة، طويلة، اوغر اكرم الحوراني صدر الشاعر ضد جمال عبد الناصر. وطلب اليه ان يكتب شيئا ضد جمال. فكتب قصيدة طويلة بعنوان »فرعون«، وكتب المقدمة: الشاعر سليمان العيسى. مطلعها: فرعون سوطك في يديك وتحت رجليك العبيد لم تهرم الاغلال، في الاعناق، لم تبل القيود هرم جديد للبناء، حجار مقلعة الكبود اوقف مياه النيل، ما بعد الدم الجاري مزيد فرعون اين رخاء شعبك والمغانم والسعود القصيدة طويلة، يفند فيها الشاعر شناعات المباحث، ويفضح انواع التعذيب في الاقبية والسجون، ولا يترك شاردة او واردة من اخطاء وعثرات عهد الوحدة القصيرة الا ويذكره. وتنتصر المؤامرة، وترتكب جريمة الانفصال الشنيعة، ويفرح الرجعيون، ويفرح الحوراني ويهلل للانفصال الذي سماه »الانتفاضة المباركة«. لكن الشاعر صمت بحزن، وبقي حزينا، وارسل رسالتين الى اكرم الحوراني، يلومه، ويعاتبه، ويتبرأ منه. قلت ذات يوم للشاعر: ألا تعتبر ما فعلته في قصيدة »فرعون« تناقضا، مدحت عبد الناصر، ولم تمدح سواه، مدحته، مدحته، مدحته، ثم هجوته: فقال فورا، عبد الناصر ايضا كان متناقضا، كان يسمل الشيوعيين السوريين بيد، وباليد الاخرى يصافح الشيوعيين السوفيات. عليّ هنا، ان انوه، كما يحلو للبعض ان يشبه الحالة هذه، بحال المتنبي، الذي مدح كافور ثم هجاه، فأقول: ان الموقف مختلف تماما، فلا نديم محمد كان مثل المتنبي، ولا جمال عبد الناصر، كان مثل كافور. ونديم محمد عندما مدح جمال عبد الناصر لم يمدحه كي ينال مكافأة، او يهبه ضيعة، بل مدحه لانه رأى في جمال آماله، وطموحاته، وطموحات الأمة العربية كلها. وهذا ما تبين، عندما قتل جمال عبد الناصر، فيحزن نديم محمد حزناً عميقاً، ويطلع بقصيدته الرائعة العميقة الحزينة الصادقة: (صمت الرعود). الاعتذار ولم ينس نديم ان يعتذر من جمال، على قصيدته »فرعون«. مات!! من!! جفت الحروف من الذعر، ماتت على فم التكبير لحظة... تعدل الزمان، وتروى عند اقدامها عقول الدهور كيف؟!! هذا تنفس العطر في الورد، وهذا في النور لون النور ينكر الموت نفسه حين يمشي الموت في موكب الرئيس الكبير لم يمت من يشب في كل نفس مارج من اتونه المسعور ان صمت الرعود تعرفه الصحراء من عنفوان ليل مطير يا نبي الحياة لا يعرف الاموات معنى البقاء والتعمير ما على الصبح ان يري حسنه الاعمى ولكن عليه حق السفور يبلغ الواثب الضعيف مناه من امير عبد وعبد... امير جئت بالحق ثورة وانتصاراً، لعبة... قبل بالشعور الضرير وتنزلت... للعروبة... قرآنا... لسعي حر ونيل... كثير وعبدناك قائلا واطعنا كل حرف من قولك المأثور ويعتذر عن فرعونتيه قائلاً: كان ما كان من عثار بياني في جماح الخيال والتعبير أشعلتني عليك غضبة إبراء من الذم، لا هوى موتور وبقلبي تمجد الحب والزهد فحبي ديني وزهدي غديري يا طيوبي، يا انجمي، يا نسوري لن تضوعي، لن تزهري، لن تطيري وبكت مصر ألف كوكب نصر الف مجد يغفى بحضن سرير لن يموت الشموخ في جبهة الشمس ولا العطر في شفاه الزهور لم نكن قبله من الامر في شيء وكنا به ولاة الامور. القصيدة طويلة، وحزينة، وعميقة، لا يعتذر فيها الشاعر الكبير من الرئيس الراحل الكبير فحسب، بل يمجده، ويمجد منجزاته، ومآثره البطولية، ويسميه: »يا نبي الحياة«. كما نزار قباني عندما رثاه قائلا: »قتلناك يا آخر الانبياء«. وبالمناسبة، ليس نديم محمد وحده، من هجا واعتذر، او مدح وهجاه في مصر، مثلا: توفيق الحكيم، كتب »عودة الوعي« وهو بذلك، فتح الهجوم على عبد الناصر. وبعد موت عبد الناصر، كتب توفيق الحكيم فوراً، يدعو لاقامة تمثال للزعيم الراحل بوصفه قائد الثورة وزعيم الامة. وأخيراً، اسمحوا لي بأن اختم بقصيدته (الكافرة) وفيها يعبّر عن رأيه في الشعر، والذي يرفض التكسب والتعيش من المديح والتملق والنفاق: الشعر يا عيد، لا راحاً ولا عبقا الشام بدله في سوقه ورما تقزمت في نواديه »عمالقة« مخدمون... وجروا هامهم خلقا كفرت بالشعر، تسبيحا، كفرت به عبداً... كفرت به عيشاً ومرتزقا القادر... المالئ الدنيا برحمته يهوي على قدم الاحسان مختنقا؟ ما كان اكرمه عندي، واكمله شعراً، تطهّر، لا خبا ولا مذقا يا مرقص الدف، لا اغلالنا انحطمت باللفظة الشهد، او جولاتنا انعتقا إني لأوطئ رجلي في رحمتهم وارفض العطف والاشفاق منطلقا.