As Safir Logo
المصدر:

هوامش

المؤلف: سلمان طلال التاريخ: 2004-03-26 رقم العدد:9754

من دفتر البدايات: ابن الدركي يتوغل داخل لبنان! ما زال »ابن الدركي« كامنا في الصدر، يطل بين حين وآخر على تجربة الصحافي، محررا تحت التمرين، محققا، سكرتيرا للتحرير في مجلة ناجحة، مديرا للتحرير في مجلة ثانية، ورئيسا للتحرير مؤسسا لمجلة عربية خارج لبنان، رئيسا للتحرير في ثلاث من المجلات الكبرى، وأخيرا محررا متجولا متخصصا في محاورة الاحداث وصانعيها والظروف التي بررتها او فرضتها فرضا في لحظة محددة. »ابن الدركي« في راس بعلبك ثم في عين زحلتا صار »ابن العريف« او »ابن الاونباشي« في رشميا قضاء عاليه، ف»ابن الرقيب« او »ابن الشاويش« رئيس المخفر في بعقلين الشوف، ثم في المتين، فالدعتور شركة نفط العراق بموقع مصفاتها شمالي طرابلس، على تخوم البداوي والمخيم الفلسطيني، ثم في المنيه وبعدها في العبده غير بعيد عن حلبا عاصمة عكار. في المتين، كان الواقع المعيشي قد فرض على »الشاويش« ان يصارح نجله الأكبر: »يقصر راتبي عن إعالتكم جميعا، عليك ان تساعدني بأن تحمل نفسك بنفسك.. اذهب برعاية الله، فتدبر امر اكمال تعليمك وسكنك بالعثور على عمل يدر عليك ما تحتاج اليه لحياتك... وكل ما أستطيع تزويدك به، بعد الدعاء، هذه الليرات الاربعون، تنفق منها، ريثما يتوفر لك دخل تعيش منه«. بدأت الرحلة من »دار ضيافة« وفرها كرم بعض الاقارب في جديدة المتن، قاسموا نزيلهم الطارئ رغيفهم الذي كان يجنيه عرق الشباب والصبايا من اعمالهم المختلفة، بين معمل السكر ومعمل العسيلي للنسيج وكاراج وارطان في سد البوشرية. كان على الفتى الباحث عن عمل، والغريب عن المدينة، والذي لا يعرف اي مهنة، ان يمشي يوميا من خلف سراي الجديدة الى الدورة لكي »يعربش« على »الترامواي« فيحمله الى ساحة البرج، عبر اللجوء الى »لعبة الغميضة« مع الجابي واحيانا مع المفتش المهاب. طال البحث بأكثر مما يحتمل رأس المال (40 ليرة)، وتواضعت الشروط مع تواضع الكفاءة، خصوصا ان على الفتى ان يوفر الليل لإكمال تعليمه، إلا إذا توفر عمل ليلي يسمح له بالدراسة نهارا كبقية الطلاب المجاهدين للقفز من فوق حاجز »البكالوريا« في اتجاه الجامعة. عمل »مصححا« في صحيفة تصدر ظهرا، إذ كانت »لغته« سليمة تنفعه في تصحيح اخطاء كتابة الآخرين او اخطاء الطباعة، وحين انتبهوا الى انه يصحح بالإضافة احيانا او بالحذف، استدعاه رب العمل ووبخه ورقاه الى رتبة محرر اضافة الى مهام منصبه الاصلي، مع استمرار وضعه المادي ثابتا: عشر ليرات في الاسبوع، إذا نجحت! ونجح أكثر مما يجب، فاكتشف »مدير الإدارة« انه دخن مرة فحسم من راتبه مئة ليرة، وانه استقبل أباه مرة اخرى، في الطرقة خارج المكتب، فصار عليه ان يعمل ثلاثة شهور يذهب راتبه خلالها لسداد »الدين«! وعاد الفتى الذي كان يتطوع لمساعدة بعض باعة الكتب الجليلة المنزوعة الغلاف مقابل ان يسمحوا له باستعارتها، الى البطالة مجددا. ذات يوم انفتحت له ابواب القدر: صحبه صديق الى رجل نافذ، كان واحدا من كبار المعلمين في سوق الخضار بالجملة، خلف سينما ريفولي، التي كانت تقوم تخما لساحة الشهداء، تمنع عنها البحر وتمنعها عنه. اخذ »المعلم عباس« الهاتف وصرخ في سماعته: عندي شاب ممتاز، يقول ان لغته العربية جيدة، اريدك ان تجربه... ... وسعى الفتى الى مكتب الصحيفة عند نهاية الجميزة، مقابل شركة الكات. ومن هناك بدأت الرحلة: كان على الفتى ان ينهض في الخامسة صباحا، فيمر على المكتب، ثم يتركه ليطوف بين مديرية الشرطة، وكانت في ساحة البرج، وغير بعيد عنها صيدلية الجميل، والى الخلف الشارع الذي أهين بتسميته شاعرنا العظيم المتنبي، وبين مبنى الاسعاف في الباشورة، واطفائية بيروت، غير بعيد عنه، يجمع التقارير عن الحوادث (القتل، الخطف، الحريق، الإنقاذ... الخ). كان على الفتى ان يعمل ثلاثة شهور بلا أجر... وبعد نجاحه اضيفت اليه مهمة تغطية اخبار السراي، مقر رئاسة الحكومة، والعدلية التي كانت تجاورها وتماثلها في هندستها العثمانية. في الشهر الرابع نال اول أجر من عمله في الصحافة: قرر صاحب الجريدة ان ينفحه عشر ليرات كل اسبوع. وبدأت الرحلة التي واكبها الفتى كشاهد حتى اليوم في »السفير«. عن بعقلين التي تعلم مع الهوى الأول... السياسة! ... في بعقلين تفتّح وعي الفتى اليافع (1512 سنة) على »السياسة«، بالاحزاب فيها والشخصيات ذات الاسماء الرنانة وذات الزعامات العريقة، وبالصحافة والصحف التي كانت تخوض آنذاك معركة اسقاط العهد الاستقلالي الاول ممثلا بشخص رئيس الجمهورية الذي ارتكب خطيئة تزوير الانتخابات ليتسنى له التجديد لست سنوات اخرى: الشيخ بشارة الخوري. ... وفي بعقلين، التي عاش فيها الفتى سنوات تفتّح الوعي والغرائز والأحاسيس، واكتشف الالوان والاطياف والطوائف فضلا عن الاديان، والتراتبية الاجتماعية (البيك، الشيخ، الاستاذ، الافندي... الخ.) بدأ الفتى حياته، إذ صار له »رأي«. كان يقرأ فيفهم قليلا، ويسمع فيعرف كثيرا، ويواكب والده »رئيس المخفر« احيانا فتتكشف امامه »الاسرار« الخطيرة لهذا المجتمع المستنير على كونه محافظا. قبل أيام، انعقدت في »مكتبة بعقلين« التي باتت صرحا ثقافيا، ندوة ممتازة شارك فيها »رفيقا سلاح« هما الزميل جورج ناصيف والمحامي سليمان تقي الدين، وكلاهما قدّم ل»السفير« بعض فكره في بداياتها، وبالتالي فكلاهما صاحب حق في المشاركة في عيدها الثلاثين. هنا بعض ما استعاده »الفتى« الذي صار كهلا، عن علاقته ببعقلين وأهلها: »في البدء كانت بعقلين، البيت والمدرسة، الجيران الاهل وملاعب الصبا وارتعاشات الحب الأول. كنت ذلك الفتى الآتي من البعيد... والمتشوق الى الاكتشاف والى المعرفة والى دفء الصحبة والى كسر حاجز الغربة بغير ان يؤذَى الوالد رئيس المخفر في رتبته او في حسن سيرته بين الناس. ولقد عرفت هذه »السراي« التي كانت تضم المحكمة والمخفر والسجن، كما أعرف بيتنا في أعالي حي بيت حمادة، ثم بيتنا الآخر عند آل الغصيني، وهو ايضا بعيد من هنا... كما عرفت الدارة القريبة بشجرتها الروحية الوارفة ممثلة بشيخ العقل المرحوم الشيخ رشيد حمادة، كما بسنديانتها التي كانت تستظل صباحيات التداول في شؤون الناس من هنا وحتى آخر حدود الموحدين في جبل لبنان، في سوريا. ربما لهذا، فإن بعقلين تأخذني الى الشعر، فبيني وبينها علاقة مندّاة بعطر الهوى الاول مكانا وزمانا وأهلا ارتضوني واحدا منهم وارتضيتهم عائلة كبرى وهم المشهورون بالألفة والتكتل والتساند والاحتشاد، حتى رأى فيهم »النقاش« ما جعله يطلق عليهم لقب »الغنم«. ولهذا كله، فلا يمكن ان أكون موضوعيا في علاقتي مع بعقلين او في حديثي عنها، كما لا يمكنني ان أكون موضوعيا في علاقتي مع »السفير« او في حديثي عنها. ان بعقلين تسكنني، ففيها تفتّح وعيي على شؤون الحياة، وفيها بدأت صلتي بالسياسة، وبالكلمة، وبالطبيعة، وبالشعر الذي يمكن نسبته الى المراهقة. فيها تعرفت الى الاحزاب وشعارات التغيير والتيارات الفكرية بتلاوينها المختلفة. ومنها مشيت الى دير القمر لأشهد مهرجان المعارضة الشهير في آب 1952، واستمعت الى خطب قادة حركة التغيير بزعامة كمال جنبلاط ومعه كميل شمعون وحميد فرنجية والشيخ عبد الله العلايلي وسائر تلك الكوكبة من حملة رايات الحرب على الفساد في ذلك الزمان. ومنها مشيت الى بيت الدين للاحتفال بسقوط عهد بشارة الخوري وإزالة تمثاله من على مدخل قصرها. ومنها مشيت الى المختارة حيث أسعدني حظي بأن أتعلم كثيرا من أساتذتي آل عابد، ثم بأن أدخل جامعة كمال جنبلاط من بابها العريض. في بعقلين ودير القمر والمختارة وبيت الدين تعرفت الى جبل لبنان وبالتالي الى التاريخ السياسي للبنان وتحولاته من امارة وولايات الى متصرفية فإلى دولة. ولأنني تعلمت في مدرسة كمال جنبلاط فأنا أفهم السر في تعاظم حضوره كلما تزايدت مستويات الغياب. وها هو اليوم يقوم بفكره هاديا، وبتجربته دليلا الى الغد. وفي هذه الأرض وبين ناسها فهمت ما تطمسه كتب التاريخ المدرسي عن التدخل الاجنبي الصانع للفتنة، وعن حتمية الوحدة الوطنية كضرورة حياة للنظام، وعن العروبة كهوية لهذا الشعب، وكانتماء ثابت لهذا الوطن الصغير الذي تظلله سوريا وتحميه، فإن أخذه العمى السياسي بعيدا عنها كانت الحرب الاهلية حتى »لا يكون للاستعمار مقرا او اليها ممرا«. ولعل أثر بعقلين وهذه المنطقة الجميلة يطل عبر سطوري في »السفير« حين أتحدث عن لبنان ووحدته او عن ضرورة حماية عروبته بالديموقراطية. بين كمال جنبلاط و»السفير«... من باب الاستذكار والوفاء للاصدقاء الكبار، اسمحوا لي بأن اروي هنا حكاية من حكايات كمال جنبلاط مع »السفير«: ذات ضائقة مالية، في السنة الثانية للحرب الاهلية التي امتدت دهرا، زرت »القائد المعلم« في بيته في محلة »فرن الحطب« وطى المصيطبة لأبلغه ان قروشنا قد نضبت، وان »السفير« الى غياب... استغربني فسألني: كم تكلف »السفير«... هل تكفيك مساعدة من خمسة وعشرين الف ليرة شهريا؟! ولما ابلغته ان الكلفة أعلى بكثير، سأل: ألا يساعدك من اعتبر نفسه امينا على القومية العربية؟ قلت: ساعدنا لفترة، كما ساعدكم، ثم امتنع بغير انذار.. قال: وياسر عرفات، ان امكاناته ممتازة... قلت: لا نحن طلبنا ولا هو عرض، ولن نطلب. وحتى لو طلبنا فلن يلبي.. وكان ان شكل كمال جنبلاط وفدا للطواف على من يفترض فيهم واجب المساعدة لتأكيد استمرار صحيفة وطنية في حومة معركة تهدد الوطن في مصيره... ثم ودعني وهو يقول بحرقة: ألم يعد احد معنيا بمصير جريدة العروبة وجمال عبد الناصر؟! وكان حديثه كافيا لأن نأكل من لحمنا وتستمر »السفير«... وها هي في شرخ الشباب: الثلاثين! *** »السفير« في الثلاثين، ورحلة الفتى الذي جاء من شمسطار فطاف مع أبيه الدركي العديد من انحاء لبنان، ما زال يحاول ان يتعلم. وكل عام وانتم بخير.. وأخص بالذكر مع من ولدت معه »السفير« او ولد بالمصادفة مع يوم صدورها، 26 آذار، الذي جعل الفتى يكبر فجأة ألف عام! من أقوال نسمة قال لي »نسمة« الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب: يطربني صوت حبيبي. كثيرا ما اطرح عليه اسئلة بلا معنى لأسمعه يتدفق في الشرح بينما أنا أسبح في نشوتي. الصوت رسول أمين، لا يمكن تزويره بتحميله الكذب في الحب. للحب لغة كاشفة وممغنطة، وصاعقة كالتيار الكهربائي. حبيبي مطربي وصاعقتي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة