لدى تقليب ومعاينة الصفحات الاولى من رواية الكاتبة اللبنانية نجوى بركات، الصادرة حديثا عن دار الآداب في بيروت في عنوان »لغة السر«، تنتاب القارئ هواجس عن شخصية وقوام الرواية التي دُعي او دعا نفسه الى قراءتها. فهو يقع، بادئ ذي بدء، على عبارتين للعالم النحوي المعروف ابن جنّي، الاولى منهما سؤال: »ولماذا قالوا »كلم« للجرح وكلم للكلام؟«، الثانية هي الجواب: »ذلك انه سبب لكل شر وشدة في اكثر الأمر«. ثم تبدأ الرواية بكابوس عن مصرع الحروف، يخبر فيه الراوي، وهو رجل اسمه سرّاج وينتسب الى أخوية صوفية اسمها »أخوية الوفاء« يقيم أعضاؤها داخل مزار ناءٍ بعض الشيء، يخبر الرجل اخوانه كيف أبصر في نومه مشهدا يؤذن بحصول القيامة إذ رأى حروف الهجاء تنازع وتحاول النجاة بنفسها ثم تهلك إثر انقضاض حرف الألف عليها والتمثيل بها وإيقاد النار فيها، »فانتشر حريق هائل، ثم هبت عاصفة، تبعها إعصار ثم وقع طوفان. ثم كان عدم«. كان الرجل قد روى انه اثناء مشاهداته الكابوسية استفسر عما يحصل، فقيل له ان ملك ملوك مدين، »كلمن« قد هلك مع قوم شعيب وبقية حروف الهجاء بعد ان انقلب عليه اخوته. وعندما أدركت العامة ما جرى، سارعت الى العصيان والتخلي »عن طاعتها للحرف، فراحت تتلاعب بأحرف الكلم التي هي أحرف الملك ايضا، الى ان عمّت الفوضى وتألبت الغوغاء وأسقطت حروف اللغة المثبتة في اسماء ملوك«. وفي الكابوس نفسه، يرى الرجل، الذي سنعلم بعد قليل انه تقدم في السن، وابلا من حركات التشكيل ينهمر بزخم هاتفا: »كنا في الأصل حروفا صغيرة، لكننا خصينا كالعبيد وكبلنا كالجواري وحكم علينا ان نكون تابعات وخادمات للحروف حتى الممات. وها ان ساعتنا قد حانت بعد طول انتظار!« (ص13). ثم راحت هذه الحركات تستبيح اجسام الكلمات وتحشر نفسها بين الحروف كيفما اتفق، »فتضعضعت المعاني واختلت الأوزان وانحرفت الاشتقاقات واضطربت المضامين وتشوّهت المفردات وصارت تنطق بلغة اين منها لغط بابل وخلائطها من لهجات مختلف الأمم والجنسيات«. (ص13). الأمثولة لدى قراءة الصفحات الاولى الدائرة على التكنية عن الحال الكابوسية التي بلغتها اللغة العربية، يروح القارئ المتابع لنتاج الكاتبة منذ سنوات، كما هي حال كاتب هذه السطور، يتوجس مخاوف وأخطارا ويهجس بتساؤلات من نوع: الى أين ستأخذنا نجوى بركات هذه المرة؟ هل عادت الى شغفها القديم بالأمثولة الحكمية العابرة للأزمنة والمتسامية عليها؟ وهل هي بصدد المخاطرة والخوض في كتابة تعليمية تدور على اللغة والحروف وأهل التصوف والعرفان، بحيث لا يسعها سوى الاستغراق في الترميز والتجريد والاستعارة والتورية؟ وهل فطنت الى ان اعتمادها الحاذق على لغة فصحى شبه كلاسيكية ومستوحاة، في بعض وجوهها على الأقل، من أدب المقامات والرسائل الرؤيوية العرفانية، من شأنه ان يستثير شواغل قراءة موقوفة ومعيارية اكثر بكثير من شواغل قراءة متحركة ومتصلة بحاجات التعبير ومكابداته؟ فلنسارع الى القول إن كل هذه التوجسات والهواجس المتسائلة سوف تتبدد، إذ سيجد القارئ انه في قلب رواية حقيقية تذكر برواية الكاتب الايطالي أمبرتو إيكو المعروفة اي »اسم الوردة«، على ان وجه الشبه يقتصر على التذكير والاحالة ولا يسقط في المحاكاة والتقليد والاقتباس. ورواية »لغة السر« مكتوبة بلغة ناصعة ومشغولة تتمازج فيها طرائق عدة في السرد، وإذا كانت الكاتبة قد جازفت في سعيها الى اختبار اساليب متنوعة في القص وتظريفها بعضها في بعض بحيث يتألف منهما متن سردي متحرك، فإنه يمكننا القول إن نجوى بركات نجحت الى حد بعيد في تحقيق مسعاها والرهانات الأدبية والمعرفية المعقودة على هذا المسعى. غني عن القول ربما ان المجازفة هذه، وتعهدها برصانة، استلزمت بالتأكيد جهدا لا يستهان به في التحري والاستقصاء والبحث في عوالم الطرق والأخويات الصوفية وفي المعاجم وعلوم اللغة والحروف، قديما وحديثا، وهو جهد لم تبخل به الكاتبة، بل حتى إنها نجحت في تذويب معطيات بحثها وتنقيبها داخل قوالب السرد الروائي، اي بدون ان تتعرض حبكة الرواية لوقفات نافرة تُعرض فيها معطيات التوثيق والنهل من المصادر والمراجع. وقد يكون صحيحا ان »لغة السر« تنحو منحى تعليميا وتجيز الاعتقاد والتوصيف الاجماليين بأنها رواية تعليمية، لكن البعد التعليمي يبقى في أفق الرواية وغائيتها ولا يلابس مسارها ونموها الدرامي. ويرجح في الظن ان انشداد الرواية الى غائية تعليمية تتوسل الأمثولة الحكمية والسرد الروائي الحديث في آن، هو ما يجعلها لا تتقيد بزمان ومكان معلومين، بل تظل تتنقل بين مناخات يرقى بعضها الى زمن قديم يسوده السحر والعجائبية، فيما يتصل بعضها الآخر بزمن أقرب عهدا إلينا ان لم يكن اكثر التصاقا بواقعنا، ويدخل في هذا الباب عدد من العلامات التي »تعصرن« إطار الرواية مثل ساعة الحبيب والسيارة والمأمور القادم للتحقيق في جنايات وقعت ويعاونه الخفير. وينطبق هذا الامر ايضا، على مستوى الترميز والتشخيص معاً، على شخصيات الرواية التي يسعها ان تكون سابقة تاريخيا ومعاصرة لنا. هكذا يكون لدينا، في الاطار الحكائي الصرف، مزار يقيم فيه اعضاء اخوية صوفية يحملون اسماء أعلام سابقين من اهل الزهد والمجاهدة الروحية، وشاب في العشرين من عمره اسمه خلدون ويعيش مع أمه ويتقدم من اثنين آخرين لامتحان بغية العمل حارسا للمزار، لكنه يفشل ويقرر الانتقام فيتسلل الى المزار لسرقته ويكتشف لدى قيامه بالسرقة سرا عظيما يطاول اعتقادا شائعا لدى الأخوية وسواها بوجود لوح قضاء وقدر محفوظ في صندوق يحرم فتحه، ومفاد الاكتشاف انه ليس هناك اي لوح في الصندوق. ولدينا رجل متقدم في السن اسمه زيدون ويعمل ورّاقاً ويعيش بمفرده وتزوره من حين لآخر امرأة اسمها عدلى تعيش في قرية لا تبعد كثيرا عن المزار واسم القرية هو »اليسر«. يحتضن زيدون الفتى خلدون ويتبناه في معنى ما الى ان يحترق الحانوت في ظروف غامضة ويعتقد الجميع بأن الورّاق مات في الحريق، ثم تحصل امور كثيرة، من قتل وانتحار وهيجان لأهل قرية »اليسر« الذين يهجمون على فتى ينتسب الى الأخوية ويقتلونه بطريقة همجية إثر اتهامه زوراً بسرقة المزار ويتركهم الشيخ الاكبر اي زعيم الاخوية يفعلون ذلك حفظا للسر ولسلطة الكلام والمعتقد اللذين عقد عليهما مع مريديه وإخوانه رهان حياته وزهده، ورهان ترسيخ طاعة وولاء العامة. وفي المقاطع الأخيرة من الرواية حيث تنفك العقدة الدرامية المحبوكة بعناية وتشويق كبيرين، يكتشف القارئ ان زيدون الورّاق ليس سوى عضو سابق في أخوية الوفاء وهو وحده يحمل اسماً ليس من اسماء شيوخ الطريقة: العلايلي. وهذا الأخير كان قد طرده الشيخ الاكبر من الاخوية لأنه راح يبحث في اشياء غير مألوفة ويكتشف بالتالي اشياء من شأنها ان تزعزع سلطة الشيخ وكلامه. لغة السر واللافت للنظر في »لغة السر« هو ان الكاتبة استوحت على الارجح من منطق الخفاء والتجلي وانعقاد السر وكشفه أو انكشافه في صورة إشراقات تتحصل بالرياضة الروحية والمجاهدة، استوحت من عالم التصوف الملغز ما يجيز توليده داخل حياة معاصرة وحديثة. والتشويق الذي يشدنا بدون ملل الى قراءة الصفحات ال237 للرواية، يشتغل ظاهريا على منوال الأدب البوليسي الحديث لكنه في العمق يستحدث قوالب وسياقات للعبة الخفاء والتجلي. على هذا النحو، يكتشف أحد المريدين والاخوان، وهو سرّاج الذي رأى في منامه الكابوسي مصرع الحروف، شيئا يتعلق بطوية الشيخ الاكبر وما يخفيه. ذلك ان هذا الأخير يصاب بإغماءة مفاجئة بعد انتهاء امتحان الحراسة. وتروي الراوية كيف ان سرّاجا هذا طلب من الاخوان الخروج من دار خلوة الشيخ عندما وجدوه مطروحا على الارض، مزبد الفم، غائم العينين، مصطك الاسنان: »بقي يتخبط في الارض، فدنوت وتربعت على (عند؟) أعلى رأسه الذي ألقيته في حجري كي لا يرتطم بالبلاط، ثم حشرت طرف خرقتي بين فكيه خوفا من قطع لسانه بين أسنانه. هدأت نوبته بعد لحظات، وانحنيت اضع أذني على مقربة من شفتيه كي أطمئن الى انه لم يفقد الروح، فبانت لعيني عبر قبة خرقته بقعة داكنة مرتسمة على الصدر. خلتها كدمة زرقاء في البداية. لكن، ما إن أمسكت القماش ورفعته حتى بان لي انه أثر حبر امتزج بالعرق داخل وشم على شكل مثلت تحتل الحروف زواياه والأعداد قلبه المقسم الى مربعات. ما هذا؟ وما فهمت حتى قمت من خلفه واستدرت لكي أتمكن من قراءة المكتوب بعد ان استوى لناظري واستقام..«. يكتشف سراج ان ما رآه هو طلسم، فيضطرب ويخفق قلبه لأنه يدرك ان ما يوضع منه على الجلد مباشرة هو أقوى الانواع وأمضاها، ناهيك عن خوفه من استفاقة الشيخ. لكنه يتابع: »ورأيت ما رأيت. وقرأت ما قرأت. وأدركت ما أدركت. وكان الطلسم يتضمن حروفا نارية نحسة يعمل بها من الاعمال ما يختص بأمور الدنيا والفساد وسفك الدماء«. وينجح الرجل في قراءة اسم »سليمى«، والدة المقصود به الربط. ويتساءل من يكون ابن سليمى هذا كي يضمر له الشيخ الاكبر كل هذا السوء؟ ثم يمعن النظر لعلّه يقع »على أحرف اسمه بين الحروف التي سال حبرها فامّحت..«. بعد هذه الحادثة، وبعد أرق وقلق ألما به، يقدر سرّاج أن ابن سليمى هو »العلايلي« الذي غادر اخوية الوفاء وعلل الشيخ الاكبر رحيله بالقول إن العلايلي اكتشف بعد معاشرتنا انه لا يقدر على »احتمال ما تفرضه علينا حياتنا من مفارقة الدنيا وزهد بالملذات«. على ان مكتشف الطلسم يعتقد ان هذا التفسير لا يخلو من الكذب والنفاق. بعد هذا المقطع مباشرة تفصح الرواية (ص50) عن الاسباب التي جعلت الشخصيات تحمل اسماء كبار الصوفية وعلماء الحروف، فتقول: »هي الواحة التي أنارت فكر سراج وأعادت الذاكرة إليه. لم يكن الخطأ في ذاكرته، بل في تقليد درجت عليه اخوية الوفاء ويقضي بإطلاق اسم احد كبار علماء الحروف والأعداد على كل مريد ينتسب إليها ومنذ اليوم الاول. هكذا توزع الاخوان اسماء احمد بن عطاء الحكيم الترمذي، سهل التستري، ابن مسرة الجبلي وشمس الدين البوني. الصغيران اقتسما كتوأمين اسم جابر بن حيان، بينما اختار العلايلي اسمه هذا عن غير هدى، بانتظار اهتدائه الى شيخ يتكنى باسمه عن اقتناع. أفليس المبدأ هو نسيان حياتهم الماضية، الموت فيها، من اجل ولادة اخرى تحت اسم جديد يعلن انبعاث أرواحهم وتخففها من كل ما يمت بصلة الى وجودها الدنيوي؟ وهي الواحة التي انقذت الذكرى فيه، وهي الصدفة التي جعلته يطلع ذات يوم على اسم والدة العلايلي، اذ قلما عرف الاخوان بعضهم اسماء بعض، وقد نسي معظمهم حتى اسمه الاصلي«. اختيار الكاتبة لهذه الاسماء كي تغلّف على سبيل الترميز والكناية شخصيات لائذة ومنطوية على أسرار نجاة مزعومة، اضافة الى عزلتها وترفعها عن متطلبات حياة اهلية واجتماعية، كل هذا من شأنه ان يولد الانطباع بأننا حيال عالم ينتمي الى زمن سابق ومنقطع عن عالمنا وزمننا، على ان شواغله ومفاعيل تجاذباته ونزاعاته متصلة بكبرى شواغلنا الحاضرة. ومعنى هذا ان الكاتبة ارتأت التنقل بين الماضي والحاضر، والمزاوجة بين ما يحسب في عداد الماضي وما يقيم بعد في حياتنا الراهنة. ذلك ان الحدود بينهما ليست واضحة، وهناك قنوات جوفية تصل بينهما وتصل بين الداخل والخارج، وتصل ايضا بين الافتتان السحري بعجائبية الكلام وسلطته وأسراره وبين تعقل الكلام واللغة في منظار وضعي لا يستنفد ملكة التخيل ولا يقطع الطريق امام البحث في كينونة وهموم التناول الوضعاني. وكل هذا مأخوذ في مناخ سردي يكاد يكون حلميا او حلميا كابوسيا، مما يضغي على الرواية شيئا من الواقعية السحرية. ويرجح في الظن ان لجوء الكاتبة الى تنويع ايقاع السرد وتنقيل صيغ الكلام بين المتكلم والغائب والمخاطب، إنما هو استجابة لحاجة روائية تتوخى حركة الذهاب والاياب والتنقل بين شواغل الامس وشواغل اليوم، بين زمن معرفي سابق لكنه لا يمضي وزمن راهن يكبله هذا الماضي ويعوق استواءه وجلاء معالمه. الى ذلك، يسمح تنويع صيغ الكلام بإضفاء طابع »فاوستي« (نسبة الى فاوست الذي يعذبه التقابل بين المعرفة الخالصة القائمة على التبحر والزهد وبين الحياة وإشباع متطلباتها، بحسب الكاتب الألماني غوته) وهو طابع تجسده شخصية العلايلي. ذلك ان التنويع المذكور يتيح التنقل بين خارج الشخصيات وداخلها، بين استرسالها في تقريرية وصفية وبين البوح عمّا يعتمل فيها من شكوك وظنون ونوازع. على النحو هذا، وعلى سبيل المثال، نرى الشاب خلدون الذي دخل خلسة الى المزار وحاول سرقته، نراه يتقلب على جمر السر الذي حفظه عن عدم وجود لوح القضاء والقدر، وهو سر لا يمكن البوح به كما ان التكتم عليه مؤلم وواخز للضمير. عن هذه المعضلة التي يتخبط فيها خلدون، يخاطب هذا الاخير نفسه بما يشبه المكاشفة الحكمية الذاتية، فيقول: »المعرفة شقاء، اجل... لكن الجهل بؤس. والفرق شاسع ما بين الشقاء والبؤس وإن تبدّى ألا قطيعة بينهما. ها انت واقع بين الاثنين يا خلدون، تتأرجح فوق جسر معلق في الهواء تتقطع حباله كلما خطوت، متقدما او متراجعا. الوقت يمضي، وما تبقى من الحبال قليل، والهوة سحيقة من الجانبين، والعراء وحشي ممتد حتى اقاصي الارض، والقحط هائل ولا ظل لعابر او لمقيم... وأنت تنتظر في خواء العدم مصادفة تقع عليك فتنقذك من التهشم فوق صخور الوهم، او من الانسحاق تحت قلاع الحقيقة«. (ص 82 83). توفيق أم وحي المصادفة التي يبحث عنها خلدون للتخفف من وطأة سر ثقيل ومصيري، وهي روائيا القرينة على انفكاك العقدة الدرامية، تأتي في الصفحات الاخيرة حيث تتكثف الامثولة وتنجلي في آن معاً بطريقة مذهلة، وبدون ان تفقد سياقها الحكائي. فأمام المأمور القادم للتحقيق في حوادث خطيرة وقعت في »اخوية الوفاء« والمزار وقرية »اليسر«، يتحدث العلايلي الذي كان يتخفى في القسم الاول من الرواية خلف شخصية زيدون الورّاق، عن علاقته باللغة وكيف كان للكلمة دائما وقع السحر عليه. فهو بعد ان خاض بولع شديد في المعاجم ودراسة اللغة ومعرفة تقنياتها وموادها تحصلت لديه ذات يوم صحوة عظيمة النتائج. فقد شعر العلايلي بأنه يصحو »على مملكة اشبه بمتحف لا اثر للحياة فيه. ثري بروائعه، وإنما ناء وعلى برودة وسكون. ضربني الملل واستبدّ بي شعور هائل بالخواء، فغادرت مملكة اللغة للسلوى بمطالعة كتاب شريته ولداً قبل انتسابي الى الاخوية كمريد، حين كنت في مرحلة شغفي الاول بالالفاظ، في طيّه، وقعت على تلميح الى نقاش دار على عصور ولم يتسنّ لي السماع به من قبل، ويتعلق بسؤال يمكن إيجازه على هذا النحو: هل اللغة توقيف اي وحي، ام انها اصطلاح بالتواضع اي من صنيع الانسان؟«. هذا السؤال سوف يقضّ مضجع العلايلي الذي يروح يروي كيف استولت عليه نوازع متناقضة حياله، ذلك ان السؤال هذا أرعبني بمثل ما احياني. »فهو من ميل، ايقظ فيّ الفضول العلمي الذي كان على الدوام حافزي ومحرك الدفع في حياتي، وبث من ميل ثان الذعر في نفسي لإدراكي بأن التوقف عنده والانكباب عليه والتعمق فيه، هو بمثابة تنقيب الجمر بيدين عاريتين. المهم، أحرقت السؤال ودفنته في تراب الواحة، وعاودت الاستلقاء على صخرة إيماني الراسخ بأن اللغة معجزة اجترحها الرب وقدمها هبة لأبينا آدم. أنست روحي لهذا القرار واطمأنت، لكن لم يحمها ذلك من استفحال داء الملل فيها، قرأيتها تدّعي الاهتمام بما لا تكترث له في العمق، وتفقد ولعها بالكلمات بعد ان خسرت تلك ما كانت تمارسه عليها من غواية وافتتنان. على هذا النحو، الى ان تمددت اللغة جثة لكائن عجوز امتنع عليه النماء وتعذر توالده، فقضى ومات كما تقضي جميع الاحياء«. على ان الرجل »الفاوستي« بعض الشيء لم يجد عزاءً لنفسه. وظل يشتغل على المفردات ويدقق فيها، الى ان ظهر له جلياً أن اللغة لم تجهز دفعة واحدة، بل بدأت لهجة ترقت الى لغة، (ص 208). ثم يروي العلايلي كيف باغته الشيخ الاكبر واكتشف سر اعماله الخفية في محترف الكلام، وكيف طلب منه الرحيل فورا عن الاخوية وعدم إفشاء سر انتسابه إليها. يتدخل عندئذ احد الاخوان ليؤكد للمأمور ان العلايلي ارتكب جناية كبيرة، اذ هل هناك »ما هو اخطر من ان تنفي عن الحروف قدسيتها؟ ومعناه انها مستباحة للعوام من الناس، وانها لا تحوي اي اسرار، وأن لوح القضاء والقدر يلمس كأي كتاب عادي لأنه لم يقع لأحد كبارنا عن طريق الكرامة والكشف، ذلك ان علم الحروف ليس موجودا في الاصل...«. وهنا، يضيق ذرع العلايلي فينطلق في مكاشفة نقدية هي على الارجح مدار الرواية ونواتها الصلبة في آن، فيقول للمريدين الحاضرين: »تتسمون بأسماء من سبقكم من علماء الحروف، فيمنحكم الاسم وحده سلطة تجيز لكم الحل والربط في كل ما يخص تركة العالِم من علمه. فكيف بكم اذا طوّعتم اللغة بالفولاذ والحديد، فسددتم مسامها وشللتم حراكها وأنطقتموها بما يحلو لكم وبما تنصاع إليه مرغمة (...). ألا يجدر حينئذ التمييز بين السلطة التي للكلام، وبين الكلام الذي ينصب ذاته سلطة؟«. ثم يسترجع العلايلي هدوءه ويخاطب سراج بالقول إن اللغة لم تكن ابدا ضد الايمان، بل هي معين عليه لأنها تستدعي التفكير. على ان الحكمة ليست حكراً على الشيخ المتنور (اي العلايلي) ذلك ان الشيخ الاكبر، اي خصمه السلبي، يمتلك هو الآخر شيئا من الحكمة التي تحمله على إقفال اللغة والتفكير والعقل، اذ يوجه كلامه الى العلايلي امام الحاضرين، قائلا له: »انس المأمور والآخرين والعالم كله وابق معي، فالوقت يضيق والكلام كثير... لقد رأيت ايها العلايلي ما حل بالقرية اذ ظنت اللوح مسروقاً فقط. فتصور ما سيقع لأهلها ان علموا انه غير موجود. لست خائفا على الاخوية او على الاخوان، بل على الناس... ستودي بهم الى الهلاك وتفقدهم الامان وتحرمهم مصدر الرحمة الوحيد، ان انت قتلت فيهم إيمانهم بوجود اللوح، وهم لا يملكون ما يلتجئون إليه كبديل. اذا كانت الرواية التعليمية لا تخلو بطبيعة الحال من التفخيم ومن النبرة الوعظية والارشادية، فإن نجوى بركات بذلت جهداً كبيراً، ومشكوراً، للتخفف قدر الامكان من هذه النبرة وما تستتبعه من التزويق والتزيين البلاغي. على انها في بعض المواضع، وهي قليلة بالنظر الى حجم الرواية، تستسلم للتفخيم كتشبيه صرير الباب بصوت »أسد يفتح فاه ويتثاءب ملء شدقيه« (ص 17). وما دامت الكاتبة الخائفة في شاغل كبير من شواغلنا الحاضرة (اي السلطة السحرية للغة والكلام ولو عن طريق التصحر الثقافي وتعميم الجهل والخرافة، ما دامت مصرة على لعبة الانقطاع والاستمرار بين أزمنتنا الثقافية، فإنه سيكون مناسبا ان نشير الى ان بعض اسلافنا، وأسلاف الكاتبة، كانوا سيفرحون بروايتها لو قيّض لهم العيش، ونخص بالذكر الشيخ المصلح محمد عبده والكاتب جبران خليل جبران. ورواية »لغة السر« تنتمي على طريقتها الى اخوية النهضة وشواغلها التنويرية العريضة. فالشيخ المصري محمد عبده، الراحل منذ مئة عام تقريبا، كان هو ايضا يرى ان التعلق بالرسوم وعبادة الحروف والارتكان الى سلطة التقليد.