As Safir Logo
المصدر:

جديد جوليا بطرس »لا بأحلامك« المراهقة الثورية والحب الناضج

المؤلف: نهرا هالة التاريخ: 2004-03-17 رقم العدد:9746

جوليا بطرس اسمٌ، حضورٌ، وصَوْت... فرضت نفسها بنفسها، ومن خلال عاملٍ أساسيٍّ ساهم في شكلٍ مباشر في نجاحاتها السّابقة المستمدّة من متطلّبات المرحلة الماضية، مرافقةً في مسيرتها الفنّية حقبة صراعية/تاريخية معيَّنة، لمع فيها كلّ من مارسيل خليفة، زياد الرّحباني، وآخرون... كأبرز مؤدّي ومؤلِّفي الأغنية الملتزمة، أيّ الفنّ الملتزم الذي اختزلته »الأغنية« إلى حدٍّ بعيد مع تشابكٍ رؤيَوي في المسرح والذي شكّل آنذاك حلقة من سلسلة الحلقات الرّامية إلى التّغيير. وقفت جوليا على خشبة المسرح، غير آبهة بطلقات رصاص الاحتلال الاسرائيلي. وغنّت لجنوب لبنان »غابت شمس الحق«، وجسّدت في تلك الأيّام موقف الرّفض والتّمرّد على الأمور القائمة، داعيةً بهذا إلى الثّورة في أغنية »يا ثوّار الأرض« على سبيل المثال، ومُتبنيةً أفكاراً تغييرية في وجه الطغيان والظّلم في العالم من جهة، ومُدينةً انعدام قِيَم الإنسان في ظلِّ حكم الأنظمة العربية الديكتاتورية شبه المتواطئة في صمتها المرعب، وتربّعها على عرش التّوجه العالمي حينها، من جهةٍ أخرى. وقد تجلّى هذا الجانب الصّريح عند جوليا في أغنيتي »وين الملايين« و»يا شعبي«. بيد أنَّ جوليا التي بدأت مسيرتها الفنّية في الأساس في أعوام مراهقتها باللَّوْن الغنائي الفرنسي، وما تتطلّبه تلك الأغاني الفرانكوفونية من ناحية الأداء، الميلوديا، اللّفظ، وعناصر موسيقية خاصّة بالثقافة الموسيقية الفرنسية، لم تستمرّ طويلاً في هذا الميْدان، فكان انتقالها إلى درب الأغنيتين الوطنيّة والقوميّة المذكورتيْن أعلاه. وقبيْل انتهاء الحرب اللبنانية الأهلية، راحت جوليا تبحث عن بحرٍ يُشبهها أكثر، وقضيّة حبٍّ وزبدٍ مختلفين في زمن السِّلم (النّسبي)؛ حبّ الجسد والرّوح وعوالمهما التي تبدأ عند أوّل إقبال على مناداة الآخَر، أيّاً كان هذا الآخر، ونافذة الحرّية الشّخصيّة التّي تُعتَبر المتنفَّس الوحيد الذي خوَّلها البحث عن ال»أنا« الفردية أوّلاً، والجماعية ثانياً، مع جملٍ موسيقية متماهية والنّص الكلامي الحاوي شتّى تعبيرات وأساليب الرّومنسية المنسيَّة المتقاطعة واللّقاء أو الفراق، والتّعطّش إلى اللّهاث الانسانيّ المخنوق داخل قضبان القفص الصّدري، بدلاً من التّحليق في إثارة الألوان والأشكال، أو جنون الصّهيل ساعة الرّحيل... لكن إذا أردنا أن نُخضِع كلامنا هذا إلى علم المنطق الموسيقي، ومنهجيّة التحليل الميلودي الأفقي، الهارموني العمودي، أو »الكونترابونتيك«، في تشابك تلك العوامل معاً، كما والتأليف الموسيقي الذي يضمّ كلّ ما أشرنا إليه، فلا بدّ لنا من أن نُسلِّم جدلاً أنّ جوليا قد أُقحِمَت في دوّامة التّكرار بعد أسطوانة »القرار«. إضافةً إلى تغييب عناصر وأسماء كبيرة لمّا تزل خلف الكواليس في حصاد النّجاح الكبير المنسوب إليْها في الواجهة. هنا بالذّات، يمكننا ذكر الموزِّع الموسيقي المخضرم (ORCHESTRATEUR) وعازف »الغيتار/باص« عبّود السّعدي مثلاً، وتعاون المايسترو المبدع هاروت فازليان مع جوليا، في قيادته الأوركسترالية لحفلات موسيقية حيّة خارج لبنان... إلخ. وفي الكلام على ال MELODISTE الشّفاف زياد بطرس (شقيق جوليا)، نقول وبكلّ صراحة إنّ زياد كان بمثابة الدّعامة التي تقف خلف نجوميّة جوليا، لا بل كان ظلّها أو ملاكها الحارس الذي يتتبّع خطاها الفنيّة، يصنعها هو أحياناً، أو يرسم معالمها، فترى صورته على مرآتها. لكنّ زياد بطرس الخلاّق في ألحانه المفرطة بالحسّ الموسيقي الرّومنطيقي، وبخصوصيّةٍ لا نظير لها، ظلَّ لمدّة زمنية طويلة أسير MODE ال LA MINEUR : .ASCENDANT , DESCENDANT , HARMONIQUE أيّ ما يعادل مقام النّهوند، الحجاز، الحجاز كار، الحجاز كار كورد، النّوا أثر... إلخ، وغيرها من المقامات، الأجناس، والعقود الخالية إلاّ نادراً، وفي صيغةٍ خجولة من ثلاثة أرباع الصّوْت التي تتّصف بها الموسيقى العربية في صورةٍ لافتة. وتلك المسألة طبيعية نسبيّاً، بوصفها ناجمة عن ملحّن يستخرج جمله النَّغمية من آلة البيانو (أيّ زياد بطرس). فالبيانو بات معدّلاً وفقاً للدّيوان العلمي/الفيزيائي الغربي منذ عهد جان سيباستيان باخ. ونذكر هنا مصدراً منوَّطاً حسب هذه النّظرية، ويُعتبر من الكتابات والمراجع الأولى التي ترجمت هذا المفهوم الجديد في عصر االBAROQUE ألا وهو (LE CLAVIER TEMPERE ). غنت للحب أمّا أسطوانة جوليا الجديدة »لا بأحلامك«، التي أنتجتها شركة روتانا، فقد تميّزت أوّلاً بالكوادر الموسيقية المساهمة في العمل؛ فكانت أسماء وبصمات كلّ من ميشيل فاضل (بيانو)، فرانكو لي (غيتار أكّوستيك)، ألان مقدسي (غيتار كهربائي)، إيلي نجيم (ترومبيت)، ميشيل أسعد (ترومبون)، صولو ساكسوفون (توم هورنيغ)، علي مدبوح (ناي)، طوني جعجع (أكورديون)، جيلبير يمّين (قانون)، علي الخطيب (بزق)، روني برّاك وطوني عنقا (إيقاعات)، ألان سليم (درامز)، بالإضافة إلى 17 عازف كمان وفيولا، أنجيلا هونانيان (تشيللو)، وأخيراً الكَوْرس المنقسم إلى مجموعتيْن: جوْقة الرّجال أوّلاً، وما تحوي خاماتهم الذّكورية من خلفية عريضة تُدعِّم الجملة الموسيقية، وفريق النّساء ثانياً، النّاعم في همسه، وكيفية استخراج الصّوت من مكامِن الحناجر الصّائبة مع عمليّة النّطق السّليم. يبقى التّلحين الميلودي لزياد بطرس وحده، التّوزيع الموسيقي لعبود السّعدي في TRACK أوحد، أمّا القسم الباقي فقد تراوح بين ميشيل فاضل (ودوْره كبير في الحجم الكمّي والنّوعي) وبين زيّاد بطرس، علماً بأنّ الشِّعر كُتِب بأكمله، في كافة أُغنيات الأسطوانة من قِبَل نبيل أبو عبدو. وفي الحديث عن أغنية الغلاف »لا بأحلامَك« التي بدأت بصولو على البيانو مع ACCORDS MODERNES، ثمّ دخلت فيها شعبة الكمنجات على أنواعها مع المؤثّرات الصّوتية الخارجية، ورنين آلة الTRIANGLE وهي عبارة عن مثلّثٍ معدني ، قبل دخول جوليا على الطّبقة المنخفضة، لتقفز بعدها مباشرةً إلى الأوكتاف الأعلى ((OCTAVA ALTA في حركةٍ تقنية عالية المستوى، لا بدّ لنا من الاعتراف بمداها التكنيكي الذي عبّرت عنه بثقة، وهوامشها التّعبيرية التي اكتسبتها المغنّية من التّدريبات والتمارين الصّوتية مع مرور السّنوات، أيّ نتاج نضوج وتمرّس الأوْتار الصّوتية عندها. وقد لاحظنا استعمال إيقاع الCHACHA اللاتيني في أغنية »ما تتطلع هيك«، ودوْر الBRASS SECTION، أي النُّحاسيّات النَّفخية، المتقَن في توزيعه الحالي مع مساندة الإيقاع. وفي هذه الأغنية بالتّحديد، أثبتت جوليا قدرتها على الغناء المحض غربي في مزاوجة مع العُرَب الشّرقية وال APPOGIATURES الجازية. أمّا الروحيّة الشّرقية، فقد بانت بوضوح في »على شو؟« مع نوستالجيا أنين الناي وجرح القصب، تعدّد وتداخل عقود المقامات، تحت سقف الإيقاع العربي عبر آلتيْ الطبلة (الدربكة) والرّق مثلاً، بالإضافة إلى نقر وعفق أوتار البزق في أماكن حسّاسة ودقيقة أضفت روْنقاً، نكهةً، وسحراً، وسرّاً على تألّق الأغنية. وقد بانَ على نحوٍ ساطع الاقتباس العَلَني في مقدّمة أغنية »مغلّط بالعنوان«، لا بل »استعارة« مطلع مقطوعة »BEAUTIFUL LOVE« الجازية في شكلٍ فاضح، المنقولة بدورها عن أغنية »ليالي موسكو« الفلكلورية الرّوسية. في النّهاية، نترك الختام للأغنيات الباقية ولجوليا بطرس التي بدت وكأنّها تناست في ألبومها الجديد تلك المراهِقة الثّورية التي كانت ترتدي سروالاً واسعاً على المسرح لتقول كلمتها بعنفوان، وتغنّي... لكنّ انقلاب سياسة العالم رأساً على عقب، في ظلّ اختلال موازين القوى المحلّية والإقليمية والعالمية، جعلتنا جميعاً نبحث عن واحة حرّية داخل صحراء الوطن. وإذا غنّت جوليا للحبّ، فلنكتب نحن عن الحبّ، ولنمارسه...

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة