As Safir Logo
المصدر:

فاليري كريزو: الترجمة أيضاً احترام لقصد الكاتب

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2004-03-12 رقم العدد:9742

أمضت فاليري كريزو مترجمة »باء مثل بيت مثل بيروت« عامين في ترجمة النص، تجربة غنية بالطول وبالعرض. هي القارئة الفرنسية الأولى تضعنا في سياق قراءة قلما تخيلناها، قراءة بالعكس أي من لغتنا الى الفرنسية. انها موضوع تأمل جديد نجده هنا في حديث مع فاليري. ÷ لماذا اخترت أن تترجمي هذه الرواية؟ { ربما كانت ترجمة رواية عن الحرب اللبنانية بمثابة انجاز عمل تأجّل طويلا. اندلعت الحرب العام 1975 وكنت يومها في سن المراهقة وأجهل كل شيء عن اللغة العربية، إلا أن هذه الأزمة، بالاضافة الى الأزمة العربية الاسرائيلية، كانت تشعرني بالشغف الى درجة أنني تمنيت ان أصبح مراسلة حرب. لقد قررت الحياة وأنا نفسي من دون شك كل شيء بشكل مختلف. مارس عليّ هذا العنف، ومثلما فعل ذلك على شخصية كاميليا في الرواية، قوة من الدهشة الاستيهامية. فقط استيهامية لغاية ان اكتشفت بعد عدة سنوات، وبين اقامتين في دمشق حيث كنت أتابع دراستي اللغة العربية، بسبب منحة حصلت عليها من مؤسسة فرنسية في سوريا، انني منعت طيلة العام 1982 من زيارة لبنان لأسباب أمنية. لم أكن أعرف العاصمة اللبنانية، وأجهل كل شيء عن »عادات« المقاتلين كما كانت طريق بيروت دمشق مزروعة بالحواجز الخطرة الى حد ما. طمأنني هذا المنع كما أنه أشعرني بالكبت. رغبت في أن أكون شاهدة وفي أن أشهد في الوقت عينه. لكن وللمفارقة، وخلال عودة قصيرة الى باريس، في شهر أيلول، اصطدمت بالحرب بشكل مباشر. لا أعرف أي صدفة جمعتني بأحمد، وهو جرّاح من مدينة طرابلس، أمضى فصل الصيف وهو يبتر الأجساد المصابة في أحد مستشفيات بيروت. كذلك التقيت بمصور يعمل في القناة الفرنسية الأولى وبصديقته التي كانت ممرضة في إحدى المنظمات غير الحكومية، وقد عملا معا في لبنان. عرفت حينذاك، وأنا أستمع الى أقاصيصهم عن الحرب، أنه لا يمكن لي أن أكون تلك »البطلة« الاعلامية التي تخيلتها. ومع ذلك لم تغادرني هذه الحرب مطلقا. بعد عدة سنوات، في العام 1985، عيّنت في مدينة ديجون للمرة الأولى كمدرّسة، وهناك تعرفت على عائلة لبنانية تسكن في المحيط. كان الوالدان يرويان لي، أنه في الليل، وفي منطقة البورغون الهادئة، كان الأطفال يستيقظون مذعورين، معتقدين أنهم سمعوا أصوات المدافع. في العام 1992 وكنت أحضّر دبلوما في الدراسات المعمقة في علم الترجمة، سلّمني المشرف على بحثي كتيبا، وهو عبارة عن مساهمة في دراسة عن التعبير عن الزمن بالانكليزية والعربية، كاتبتها تدعى جنا مغيزل. على الغلاف الأخير، قرأت هذه المعلومات: »ولدت العام 1958 وغادرت هذا العالم العام 1986. ضحية الحرب التي تحيل كل مكان غير صالح للسكن، لأننا لا ننتمي الى أي مكان ونشعر بالألم في كل مكان، تركت كلمة تعبر عن صعوبة ان يكون المرء كائنا لا عنفي وغير طائفي في بلد قتلته الحرب«. كانت الحرب تلاحقني دائما. في تلك الأثناء، التقيت بشاب بيروتي »يقيم« ويعمل في باريس. وبينما كان يسر لي بمشاريعه المستقبلية، روى لي ذات يوم بأن والده مات بسبب انفجار سيارته. تعرف على أشلائه، بعد أن جمعت ووضعت في كيس قمامة. للأسف لم أعتقد أنه يخترع ذلك. لماذا اخترت رواية إيمان بخاصة؟ وقعت على هذا الكتاب، من دون أن أبحث عنه، في جناح احدى المكتبات التي كانت تشارك في معرض الكتاب الأوروبي العربي، الذي يقام مرة كل سنتين في باريس، في معهد العالم العربي. لفت انتباهي، على الغلاف الأخير، مقطع يدور حول الاحساس بالقصف أيام المطر. التهمت الكتاب في يوم واحد، صدمني هذا الأسلوب الذي كان لا يزال مجهولا من قبلي، في الأدب العربي. أسلوب زاهد وفي الوقت نفسه، مليء بالضغط والكآبة، كما أنه أسلوب شعري وبإشراقية سردية غير مسبوقة. مستني دفعة واحدة أحاسيس هؤلاء النساء الأربع التي هي أحاسيس آسرة ولائقة بآلامهن ورغبتهن في تخطي الفرز الطائفي التي ترغب الحرب في اقامته. من هنا جعلني ذلك امرره لدى القارئ باللغة الفرنسية، وقد فرض عليّ نفسه كأنه بداهة ما. ÷ كيف مرت فترة العمل على الترجمة؟ { مرت في الواقع 3 سنوات بين اكتشافي هذا النص وبين صدور الترجمة في المكتبات. لزمنا عام لتحضير المشروع مع ب. فاليه المسؤول عن منشورات فيرتيكال، الذي كان هو نفسه كتب نصا عن حرب لبنان بعنوان »مشاهد مع نخيل« (منشورات غاليمار العام 1992) كما في تحضير الترجمة (وثائق تاريخية، عمل ملاءمة لنص إيمان من خلال قراءات متعاقبة للاقتراب في النهاية من الشخصيات، من حياتهم المعيوشة المتفردة والشاملة بطريقة ما العنف والخوف والانتظار لغاية اللاحتمال، كل هذا هو تجربة عادية أكثر مما نستطيع تخيلها للأسف) في ما بعد مرّت سنتان مخصصتان للترجمة الفعلية.قد يبدو ذلك طويلا، لا أعرف، لا أملك حقا مفهوم الوقت الذي يمضي وهذا الزمن المهووس بالسرعة يخيفني قليلا. أنظر الى المترجم بمثابة »صنايعي« يمضي ساعات وهو يشكل عمله من دون أن يحسب حسابا للوقت... ومن دون أن يقتنع من النتيجة. ان تبادل وجهات النظر بين المترجم والمؤلف من جهة وبين المترجم والناشر من جهة أخرى يتراءى لي أمرا أساسيا. إذا كانت الترجمة خيانة كما يقول المثل الايطالي، الا أن الترجمة هي أولا محاولة لاحترام قدر الامكان قصد الكاتب (وهو قصد قد لا يكون بالضرورة واعيا له لحظة انتاجه للنص بلغته الأصلية، وهذا ما اكتشفته لمرات عدة من خلال الحوارات التي أجريتها مع الكتاب الذين ترجمت لهم) كما انها، أي الترجمة، محاولة لجعل النص، بلغة الاستقبال، كأنه »نزل القادم من بعيد«، كي استعيد هنا استعارة انطوان برمان الجميلة، وثانيا، عند الانتهاء من الترجمة بالكامل، يسمح لنا ذلك بإلقاء نظرة جديدة ومن »على مسافة« على نص شرحناه مثل جراح.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة