عن منشورات »فيرتيكال« (باريس)، صدرت مؤخرا الترجمة الفرنسية لرواية اللبنانية إيمان حميدان يونس »باء مثل بيت مثل بيروت« تحت عنوان »ille a vif«، والتي لقيت منذ صدورها بالفرنسية، الكثير من الحماسة عند النقاد العديدين الذين تناولوها في الاكسبريس واللوموند والليبراسيون والفيغارو والايمانيته والايبدو دوليفر ولير وفرانس كلتير وفي سواها. تروي »باء مثل بيروت« سيرة أربع نساء لبنانيات خلال الحرب، كما تروي نظرتهن الى هذه المعارك التي كانت تلف كل شيء، وكأننا بذلك أمام نظرة أقل دراماتيكية وأمام ذاكرة كانت تحرس ما تبقى لنا من حياة. اللقاء مع الروائية حول كتابتها وترجمتها تبعه لقاء بالمراسلة مع مترجمة »باء مثل بيت مثل بيروت« الفرنسية فاليري كريزو. ÷ السؤال البديهي الأول الذي يطرح نفسه هو ما تعنيك ترجمة روايتك الأولى الى اللغة الفرنسية؟ { عندما طرح مشروع الترجمة عام 2001 لم أهتم كثيرا، ومن ثم نسيت الأمر وكنت أتذكره كلما استلمت فاكس أو رسالة من مترجمة الكتاب فاليري كروزو لمناقشة جمل أو كلمات من الرواية اثناء ترجمتها. حتى في الأيام الأولى بعد صدور الكتاب وبعد دعوتي الى باريس للاحتفال به كنت ما زلت غريبة عن النص المترجم أو لنقل كان ما زال غريبا عني. قد يعود هذا الشعور الى حقيقة ان الكتاب ترجم بعد سنوات من صدوره بالعربية، وبعد أن خرج مني كتبت بعدها رواية ثانية ومأخوذة بكتابة رواية ثالثة. ربما أيضا يعود الى أنني بشكل عام بطيئة في الاعتياد على كل شيء جديد. وهكذا كانت ردة فعلي الأولى، اذ احتجت الى بعض الوقت كي أعتاد على نص كتبته، لكنه بدا للوهلة الأولى غريبا عني. هذا على الصعيد الشخصي، أما على المستوى الآخر وهو معنى هذه الترجمة بشكل عام، فأعتقد انها حدث مهم لكنه لن يشغلني طويلا. ÷ هل تجدين في الترجمة عملية إعادة إحياء ما للكتاب، أقصد انها ستعود لتلفت نظر القارئ العربي للانتباه له؟ { الترجمة ليست فقط عملية إعادة إحياء للكتاب بل أستطيع القول انها إعادة كتابة الى حد ما. ذلك ان الترجمة ومن ثم قراءة الرواية من قارئ آخر تفتح احتمالات لا تحد لعلاقة مختلفة بين القارئ والكتاب كذلك بين الكاتب ونصه. ولا أعلم الى أي حد ستلفت الترجمة بحد ذاتها نظر القارئ العربي للانتباه للنص الأصلي. قد تولد الترجمة حشرية لدى القارئ لمعرفة النص المترجم. وأعتقد ان القارىء العربي الفعلي (هذا اذا كان ما زال موجودا) والذي يتابع الانتاج الروائي، يفضل دون شك قراءة النص الأصلي. حصل بالصدفة ÷ من الظواهر »المرعبة« التي يشهدها مجتمعنا اليوم ان الكاتب لا يعترف به في وطنه الا اذا صدر له كتاب مترجم وكأن الترجمة الى لغات أخرى صارت أشبه بجواز مرور الى القارئ المحلي. ما رأيك بهذه الظاهرة؟ { لا أعلم اذا كان هذا الأمر ظاهرة وأتساءل متى كان غير ذلك. ولكن افضّل عدم التعميم لأن هناك الكثير ممن ترجمت أعمالهم وبقوا غير معترف بهم في وطنهم، وآخرين لم تصل نصوصهم الى القارئ الغربي رغم ترجمتها. هذا الأمر مضحك ومبكٍ في الآن نفسه وهو لا ينحصر فقط في الثقافة والابداع. رحلة الكتاب المترجم تشبه رحلات كل أشيائنا: تخرج ثم تعود معلبة لاستخدامات جديدة وبأسعار مختلفة. هكذا تأخذ الأشياء معاني أخرى في تلك الرحلة ذات الاتجاهين: الخروج ثم العودة. ÷ كيف تمت عملية ترجمة الرواية؟ ما هي الظروف التي اختيرت على أساسها؟ { حصل كل شيء بالصدفة. مترجمة الرواية فاليري كروزو تتابع الإصدارات العربية الروائية وحدث انها اشترت الرواية من معرض للكتاب العربي في باريس وقرأتها وأحبتها. اتصلت بي أول مرة عام 2000 لتقول لي انها أحبت الرواية ومهتمة بترجمتها. ثم زارت بيروت في خريف العام نفسه. وهي التي وجدت ناشرا لها زار بدوره أيضا لبنان وتعارفنا عام 2001. على كل حال الناشر برنار واليه يعرف لبنان وزاره مرات عدة خلال الحرب وكتب نصوصا مؤثرة عن الحرب في لبنان صدرت عام 1992 بعنوان Paysages des Palmiers. أستطيع ألقول انني كنت محظوظة بالطريقة التي تمت بها الأمور. ÷ بقيت روايتك هذه بين أيدي المترجمة مدة 3 سنوات، ما السبب الذي أدى الى هذا التأخير؟ { لم أشعر شخصيا بأن هناك أي تأخير، ربما لأنني كما ذكرت سابقا دائما مشغولة بأمور أخرى وناسية تماما موضوع الترجمة. ولكن اذا اعتبرنا ان ثلاث سنوات هي وقت طويل لترجمة كتاب، فهناك أكثر من سبب لذلك. أهم تلك الاسباب مثلا عدم وجودنا فاليري وأنا في البلد نفسه، وبالتالي أخذت الاتصالات بيننا وقتا أطول، وخاصة في ما يتعلق بكلمات معينة وخاصة المحلية. ثم إن فاليري عملت بشكل أثار إعجابي ولم يزعجني على الإطلاق أن تأخذ وقتا بدا طويلا. بعد صدور الكتاب وبعد قراءته فهمت ان ذلك »التأخر« كان مفيدا لنا نحن الاثنتين، ذلك ان الترجمة أتت رائعة. ÷ هل ترين أن الترجمة قراءة أخرى للكتاب؟ { بالطبع. انها قراءة أخرى وكتابة اخرى أيضا. انها علاقة جديدة مع الرواية، مع شخصياتها، ومع زمانها ومكانها. كتابك المترجم يصبح شيئا آخر. اللغة كائن حي ولا نستطيع أن نفهم لغة دون العودة الى مكانها والى حركتها عبر الزمن. كنت أقرأ ما كتبته بالنص المترجم كمن أقرأ كتابا كتبته فاليري. الترجمة تجربة غنية ومليئة بالتحدي ليس فقط للمترجمة بل أيضا للكاتبة نفسها. النص الأصلي يأتي نتاج ابداع كاتبة وحدها، أما الترجمة فيشترك فيها اثنان وهذه تجربة صعبة ومحفزة في آن. صعبة لأن على الكاتبة أن تقبل مشاركة أحدهم في إعادة كتابة نصها بلغة أخرى. عليها أن تقبل تلك الخيانة: خيانة كتابتها لها وأيضا خيانة شخصياتها تلك التي صنعتها هي وتقرأها الآن تتحدث بلغة غريبة عنها. نقرأ روايتنا بلغة ولهجة غريبة عنا ولا نكاد نفهمها. يصبح علينا إعادة التعرف على أجواء الرواية وأصواتها وأمكنتها، تلك التي هي صنيعتنا. لكن تلك التجربة أو تلك الخيانة هي أيضا محفزة وغنية، لأنها لا تأتي ولا تكتمل سوى بتواصل وتواطؤ عميقين بين الكاتب والمترجم. حوار ÷ تناولت الصحف الفرنسية التي عرضت للرواية الكتاب بكثير من المديح؟ كيف تنظرين الى هذا الذي كتب عنك؟ { كنت أقرأ بمتعة كل ما كتب عن الرواية. أن تُقرأ روايتي ويكتب عنها بهذا القدر من الحب ومن الاهتمام معناه انني استطعت أن أصل الى الضفة الأخرى وأقصد هنا القارئ الآخر، ونجحت في إسماعه صوتي. هذا شكل من أشكال الحوار ومن خلق مساحات محتملة لتجربة مختلفة في التعبير وفي الكتابة. تلقيت ما كتب عني بعين الناقد لتلك الكتابة، كذلك بعين المكتشف لمعان جديدة للنص نفسه. النقد وإعادة الاكتشاف هما محاولة لإعادة البحث في المعاني التي تطرحها الكتابة. قد يكون أهم ما تعلمته مما كتب عن الرواية هو وجود ذلك الفضاء اللامتناهي للنص نفسه والذي تخلقه القراءة والترجمة كل مرة. أكثر ما همّني هو قراءة أخرى للرواية بلغة أخرى. انه مثير أن نقرأ كتابتنا بعين ولغة ومعان أخرى. كأننا نكتشف الكاتب فينا بأبعاد جديدة وأدوات تعبير مختلفة. ÷ لو عدنا الى روايتك لقلنا انها تنظر الى الحرب بعين نسائية. هل تصبح شيئا آخر بأعين النساء؟ { جميل طريقة وصفك للرواية. بالفعل هي نظرة الى الحرب كما رأتها وكما حكتها النساء وبالتالي هي صوت لم يكن مسموعا في الزمن الذي جرت فيه أحداث الرواية، وهذا لافت أن نروي ذاكرة مرحلة معينة كان الراوي أثناءها ممنوعا من الكلام. انها مفارقة أليس كذلك؟ لنقل انها تصبح بعين النساء رواية عن النساء لأنها ليست على الإطلاق رواية عن الحرب. وهي أكثر عن كيف ترى النساء العالم من حولهن في أزمنته المختلفة. لا أرى في تلك الشخصيات أي شيء يشبه النساء الأخريات. انهن نساء هذا صحيح، ولكن لننتبه الى ان النساء لسن متشابهات وأنا لم أقصد أن يكن متشابهات. لا يكفي لامرأة أن تكون امرأة لكي تكون لديها حكاية مختلفة. هناك نساء لا يحكين سوى اللغة السائدة، لغة الإعلام وقيم المجتمع الأقوى. نسائي لسن كذلك. ليس لأنهن نساء فحسب، بل لأنهن مختلفات أيضا. الاختلاف يعود الى هامشيتهن والى عدم انتمائهن الى الجماعة والى تقاليدها وخطابها. لكنْ هناك أيضا رجال مهمشون في الرواية وبهذا المعنى نجدهم يشبهون النساء. الطبيب محمد مثلا. هناك حكايته التي لم يتسنّ له أن يكملها بسبب موته. كاميليا حكت بعضا منها. ÷ تبدو حياة النساء أثناء الحرب من خلال الرواية كأنها أكثر استقرارا واستمرارا من حياة الرجال وأقل دراماتيكية. هل بهذا المعنى تشكل النسوة ذاكرة الحرب وحراسة الحياة؟ { عاشت النساء الحرب مثلما عاشها الرجال ولكنهن لم يمارسن الحرب. لم يحملن سلاحا ويقتلن ويمثلن كذلك لم يخطفن. بقيت النساء في المكان الأكثر هشاشة ولكن في نفس الوقت كن مشغولات دائما بإيجاد سبل جديدة لحيواتهن التي تضيق مساحاتها كل يوم. ربما ساعدهن ذلك الانشغال بالاستمرار وبملء اوقاتهن بأمور بدت كأنها غريبة عما يدور في الخارج، الا انها رغم ذلك كانت جزءاً منه. لنقل ان تلك الامور كانت الوجه الآخر الذي لا يذكره أحد حيث ان تاريخ الحروب هو دائما تاريخ الموت. النساء في روايتي أردن رواية الحياة المستمرة أثناء الحرب. وهن بذلك يشكلن ذاكرة مختلفة. ÷ هل هستيريا وردة وانفصامها نوع من الدفاع الشخصي يشبه »الدفاع« الذي كان يقوم به باقي أفراد الشعب؟ { لم أفكر بذلك سابقا ولا أعتقد ان وردة تمثل أحدا. ولا نستطيع أيضا أن نماثل بينها وبين شعب بأكمله. اضافة الى الحرب، هناك عوامل عدة اثرت بوردة وأدت بها نحو الجنون ومن ثم الموت. العودة الى طفولتها في قرية جنوبية تتعرض لقصف متواصل، ثم الى الاعتداء الجنسي الذي كانت تتعرض له من الأب ثم الزواج من رجل لا تحبه وأخيرا سفر الزوج حارما وردة من رؤية ابنتها. عاشت كل ذلك فضلا عن زمن الدمار والموت الذي وجدت نفسها تعيشه. لم تستطع وردة التأقلم أو مقاومة عنف الحرب لأنه لم يبق لديها أي احتياط عاطفي أو معنوي. هي امرأة فقدت كل شيء. ÷ ثمة افتراقات واختلافات بين شخصياتك النسائية لكنها تأتي بشكل دقيق وخفيف لدرجة انها لا ترى. أين تقع هذه الفروقات؟ { عاملان أساسيان يبدوان كأنهما جمعا شخصياتي النسائية هما الزمان والمكان. هذا في الظاهر الا ان ما جمعهما هو أكثر بكثير. هناك تجربة الحرب، كذلك كونهن نساءً. عامل آخر أراه مهما وهو لاانتماؤهن ووجودهن دائما بعيدا عن خطابات الاختلاف وما ينتج عنه من تبرير للعنف. ذلك الاختلاف الذي أراه جميلا لكننا حولناه في حروبنا الى وقود لآلة الموت والدمار. اختلاف مبني على تفاوت الجماعة والطائفة والدين. شخصياتي النسائية تقاوم، لكن لكل واحدة من تلك النساء قصتها وسيرورة حياتها التي لا تشبه أحدا. اختلاف وردة أدى بها الى الجنون ومن ثم الموت، أما كاميليا فاستطاعت أن تفلت وتحاول التفتيش عن مكان أكثر ثقة وأمانا كذلك ليليان. نسائي ينتمين الى أعمار مختلفة. بين خوسيفا وكاميليا اجيال، كذلك بين كاميليا والاخريات. انهن ينتمين بالتالي الى »ذاكرات مختلفات«. لكن تلك النساء استطعن رغم ذلك أن يلتقين وأن يحولن هذا الاختلاف الى حياة تجمعهن حيث تتقاطع تفاصيلهن الصغيرة وتجتمع لتولد موقفا ورؤية ورفضا لعنف العالم. معهن لم تعد الذاكرة الواحدة الموحدة شرطا للالتقاء. بل غدت أحيانا سببا لحرب. ربما مهى أقل مغامرة من ليليان ومن كاميليا. لكنها في النهاية اشتركت مع كاميليا في كل شيء وتركت شغف تلك الشابة يملأ يومياتها. انهن مختلفات نعم، ولكن كل واحدة منهن بشكل او بآخر قبلت اختلاف الاخرى وتركته يجتاح حياتها. صورة البطل ÷ تبدو نساؤك كأنهن شبه مكتفيات، أين يقع الحب وأين يقع الرجل اذ غالبا ما يبدوان عارضين وثانويين؟ { شخصياتي النسائية ربما تبدو مكتفية الا انها لا تكره الرجل بل تشتهيه وتحبه وتريده لكن دون أن تخسر نفسها لصالحه. ربما أهم شيء في كل هذا ان نسائي لا يرين في الرجل عدواً وأن ما يميز كلاً منهن انها ترى الرجل كآخر. آخر تحبه وترى حدود إمكانياته وضعفه وهشاشته. الا ان ذلك الضعف وتلك الهشاشة لا يؤديان بها الى عدم حبه بل الى الإيمان أكثر بأنها وحدها القادرة على حل مشاكلها. ولا أرى في ذلك تخليا عن الآخر أو الرجل، بل تحررا من أوهام صنعتها المرأة لنفسها ولصورة الرجل البطل والقادر على كل شيء. ÷ تراءت »باء مثل بيت مثل بيروت« وكأنها رواية قيد الإنشاء باستمرار، كأنها مشروع رواية أكثر مما هي رواية، بينما روايتك الثانية »توت بري« تبدو أكثر روائية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة؟ ما رأيك؟ اثناء كتابتي ل»باء مثل بيت...« لم أكن أعرف انني أكتب رواية. لم يكن لي اي تجربة روائية سابقة وكنت أكتب اسلوبي وطريقتي دون التفكير بأساليب الرواية المعروفة. كنت أعتقد انني أكتب أشيائي التي لن يشاركني بها قارئ، حتى إنني حينها لم أفكر في نشرها. كنت أكتب نفسي وما عشته خلال الحرب. قد يفسر هذا لماذا أحسست باللعب أكثر أثناء كتابتي ل»توت بري«. كنت ألعب بسيطرة اكثر على الجو. هل هذا بسبب أن الموضوع والجو مختلفان؟ لا أعلم. لكنّ في توت بري صوتا واحدا فقط وهو صوت البطلة الراوية التي تقدم الشخصيات والأمكنة والمناخ في الرواية من خلال عينيها ورؤيتها وتجربتها هي. لم يكن الأمر مشابها في »باء مثل بيت مثل بيروت« حيث تعددت الأصوات وقدمت كل شخصية رؤيتها وتجربتها وعلاقتها مع العالم الخارجي مباشرة ودون راو وسيط. الآن أفكر في ان تلك التجربة الأولى كانت إيجابية رغم ان الرواية، كما طرحت في سؤالك، لا تشبه الرواية بالمعنى الكلاسيكي. كانت بالفعل تجربة ايجابية لأنها اتاحت لي كتابة مختلفة وتجريبية الى حد ما وهذا ما يهمني أولاً ولا أعوّل كثيرا على تصنيف كتابتي. التجربة الايجابية بالنسبة لي هي هنا تماما: انها لا تشبه الرواية بالمعنى الكلاسيكي. ÷ ثمة شيء مشترك بين الكتابين وهي هذه النظرة المشتركة للعالم نظرة قبول بدون حسرة كبيرة لزوال الأشياء وكسوفها؟ { هذا صحيح. تلك النظرة هي جزء من رؤيتي وتعاملي مع العالم. هكذا أرى الواقع في حياتي. ربما هي الحرب، التي علمتني ان أحتمل اي خسارة أعيشها. أو ربما هي علاقتي القوية مع الطبيعة وإحساسي العميق بأن حياتنا تشبه دورتها الزمنية وتعاقب فصولها الدائري. نخسر شيئا ثم نستعيده بطرق وصور أخرى. كأن فعل الخسارة أو الفقدان لا يتم بمعزل عنا. أو كأنه تمّ بتواطؤ منا. ÷ الأم الغائبة في توت بري، والتي هي سؤال دائم في الرواية، هل تشير الى حاجة للهوية أم المسألة في مكان آخر؟ { لم تكن الهوية مشكلة لديّ حتى الآن في كتابتي ولا مشكلة الانتماء. وإن كان لا بد من الكلام عن الهوية والانتماء كما هو سائد، اعتقد انني انتمي الى اسئلة وهموم أخرى، أو كما وضعتها أنت في سؤالك ان المسألة في مكان آخر. ربما هي في التخلص من الهوية الزائدة التي تقتل. لم أفهم من الهوية سوى القتل على الهوية. الأم الغائبة هي أيضا تلك الاحتمالات الغائبة التي تفتنني ككاتبة وكامرأة. لم تشكل الهوية هاجسا للبطلة في توت بري بل فائض الهوية الواحدة. كانت في بحثها عن الأم تبحث عن »هويات« مختلفة لها. هويات تخرجها من احتمال واحد لتاريخها ولتاريخ أمها. بهذا المعنى كانت سارة تفتش عن احتمالات أخرى لحياتها لم تحسن هويتها المعلنة كابنة أو زوجة لفلان الإجابة عنها. ÷ ثمة حضور دائم للأجانب في روايتك، ما معنى وجودهم؟ { ولدت وعشت سنوات طفولتي ومراهقتي في منطقة مليئة بالأجانب الذين كانوا في مراحل معينة جزءا هاما في تشكيل هوية المنطقة وسياساتها وانتماءاتها واتجاهاتها الثقافية واللغوية. بلدتي عين عنوب كان فيها مدرستان تابعتان للإرسالية الأنغليكانية. في تلك المدارس تلقيت علومي الأولى. في بلدة جد قريبة من بلدتي كانت هناك عائلات انكليزية ومدرسة لتعلم اللغة العربية اسمها مدرسة شملان. سميت هذه المدرسة في ما بعد بمدرسة الجواسيس وأغلقت في الستينيات ومن ثم رحلت العائلات الأنكليزية عائلة بعد أخرى. لكن قصصهم وحكاياتهم بقيت تملأ سهراتنا ومخيلتنا. من جهة أخرى أنتمي الى عائلة هاجر معظم أفرادها. جدي لأمي الذي هاجر ليدرس الطب في الأرجنتين ولم يستطع إنهاء دراسته لأنه علق في لبنان خلال زيارة له لبلده حين بدأت الحرب العالمية الأولى. وخالي الذي هاجر قبل أن أولد وعمي الذي توفي في المهجر ولم أعرفه. ثم إخوتي وأخواتي الذين هاجر معظمهم الى الولايات المتحدة الأميركية ولم أرَ معظمهم منذ عشر سنوات.