As Safir Logo
المصدر:

في مجموعة »ملك العراء« لأديب حسن محمد ما يؤسسه الشاعر

المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2004-03-12 رقم العدد:9742

نادراً ما يقول الشاعر: »كسبت«، أو »جنيت«، والاقرب لقول الشعراء، على امتداد التواريخ واللغات ترداد الخسارة، فالشاعر هو الخاسر الأبدي، على امتداد الايام والليالي. لماذا؟ لانه فارس المعارك الوجودية المكسور دائماً بالموت/ على ما نرى/ ولانه ايضا في معاركه من اجل الحياة، ينتهي بأن يترك دمه المراق او المهدور كبصمة على انتصاره... ما يجعل الانتصار كأعراس الدم، مسألة اشكالية، وفي أحسن الاحوال، لحظة درامية مركبة. يقول ابو الطيّب المتنبي: »ماذا جنيت من الدنيا، واعجبه أني بما أنا شاك منه، محسودُ« أما انه »لا وقت للفرح« على زعم الماغوط او ان كل فرح هو لدى التحديق فيه، ملتبس او مؤجل... فمسألة ترجّحها الاشعار... هل الفرح عابر ولحظوي في حين ان الألم او... الكارثة، امر متمادٍ بلا انقطاع؟ لا يخرج الشاعر السوري (المولود في مدينة القامشلي العام 1971)، أديب حسن محمد عن اطار هذه الملاحظة في مجموعته الشعرية الجديدة »ملك العراء« الصادرة له في العام الراهن 2004 عن مطبعة اليازجي/ بموافقة وزارة الاعلام واتحاد الكتاب العرب. و»ملك العراء« ليست على وجه التحقيق مجموعة شعرية، بل هي نشيد واحد طويل بأنفاس متلاحقة مجهشة، وسوداء، ولا وقت فيها للفرح على ما يتابع المتابع او القارئ إلا في الاسطر الاخيرة من القصيدة، حيث ينتبه الشاعر الى انه، ربما، آن الاوان، ليبعث خيطاً ولو خافتاً واخيراً من الامل، في آخر ليل الكتابة، فيقول: »لا، لم تكن إلاّ الحديقة في خيالات الصحارى لم تكن إلا الرحيل الى البعيد قُم واسترح وكفاك لهواً بالأسى وكفاك قنصاً للمواجد، كُن سواكَ ولا تَكِلْ للريح خاتمة النشيد خُضْ بحر يأسك ظافراً وابق احتمالاً خاطراً وابقَ على شفة الرواة وحيد حزنك، يا وحيد«. لكن هذه الخاتمة المفتوحة على الخروج من اليأس، ودعوة الشاعر نفسه ليخوض بحر اليأس ظافراً... لا تترك في النفس الانطباع الجوهري عن القصيدة والشاعر... ولعله كان من الأنسب، وبدقة اكثر، من المنتظر ان يترك اديب حسن محمد نفسه المعلّقة في شباك اليأس الوجودي، معلّقة في هذه الشباك، اما كان ذلك سيكون اجمل؟ ولعل الشاعر السوري نزيه ابو عفش، الذي رسم غلاف القصيدة وجعله غارقاً في اللونين الاسود والكحلي، ووضع في وسط الليلك المعتم انساناً مكتوف اليدين، جامداً في حال من التأمل الغامض والحزين... قصد من خلال القصيدة، الى مد ظل اسود او جناح اسود على الكتاب، فينعكس الداخل على الاطار، والاطار على الصورة... والمدخل الذي يكتبه الشاعر لقصيدته السِيَريّة، يبدأ به من نقطة يسمّيها الخوف، ويكني عن خوفه بخوف الباب... لكنْ، ومباشرة بعد المدخل السريع للكتاب، يُشرعُ في ما يشبه السرد الحكائي والانشادي الموزون لسيرته الحياتية، ويبدأ هذا السرد بمدخل روائي: »يُروى بأني لم أكن وبأن والدتي قضتْ في الهمّ اشهرَها العجاف ... الخ«. افتتاح السردية الشعرية، باستعمال فعل مضارع للمجهول »يُروى...«، يمهّد للقارئ الطريق، او يفتح الباب، لمصاحبة الشاعر/ الراوي في رحلة حياة، لا يعرف سلفا مطاويها، ومحطاتها، فإذا وضع خطوته على اول الطريق، ونظر، من خلال الصفحة الاولى للقصيدة، الى علامات متمثلة بالقاموس الشعري للشاعر، لوجد راصداً، العلامات التالية: لم اكن (صيغة النفي للكينونة/ لفعل الكينونة) ما يحيل الى العدم ، قضت، الهمّ، العجاف، لم تر، الذبيحة، خوفها، تبكي، محنة، كوارث، الخراب... ومن أجل استقامة العبارة وسلامة الاستنتاج حول ما نسمّيه مصطلح الفجيعة او قاموس الشقاء في قصيدة اديب حسن محمد، نورد العبارة كاملة في آخر سطرين من الصفحة: »... وكأنّ لي شجراً على رمل الكوارث يتكي ويضيء في شفق الخراب...« الأمل المختفي فما بين رمل الكوارث وشفق الخراب، ثمة شجر يضيء. حسناً، ثمة اذن بصيص امل... لكنّ هذا البصيص يختفي او يكاد على امتداد القصيدة السيرة ليعود فيظهر في الاسطر الاخيرة من الكتاب، كما سلفت الاشارة... ما يجعل الرؤية الشعرية على وجه اليقين قاتمة او معرية متشائمة ولحدود اليأس في الكثير من الاحيان... وبصيص الأمل أو الضوء يأتي من باب انه لا بد من امل او اننا محكومون بالامل... وعلى هامش القصيدة والحياة وليس في متنها. في كل حال، يذكر الشاعر عصب نسب يربطه بأبي العلاء المعري، بل ينقل رواية بأنه هو عينه المعري في ماضيه. يقول: »يروونَ أني غابر أنّي المعرّي في أساه«. ومن حيث ان قصيدة أديب حسن محمد هي قصيدة سِيَرية غنائية موزونة على نواة او تفعيلة الكامل من بحور الشعر العربي وأصلها مستفعلن ومن جوازاتها متفاعلن: »كمل الجمال من البحور الكامل متفاعلن متفاعل مستفعلن« فإن هذا الوزن بالذات، المستعمل مجزوءاً في القصيدة، مع تصرّف للشاعر بعدد التفعيلات المستعملة في كل مقطع، يمنح النص نفسا منسابا في النظم، ولكن، ليس من دون ملل... او رتابة... هذا من جهة الشكل والوزن. أما لجهة جوهر الصنيع الشعري، فقد رأينا أنَّ الشاعر ألزم نفسه بسيرة شعرية ذاتية، جاءت على صورة مقاطع متطاولة او فصول. ولا بد لكل حكاية او سيرة من ان تبدأ من البداية: الولادة. كيف يصوّر لنا الشاعر إذن، لحظة الولادة؟ يقول: »أبصرتُ أول عتمةٍ يوم السقوطِ من الظلام المرمريّ على الحصيرةِ مددّتْها للمشيئة دايةٌ تتواربُ«. وهذه الجملة الإخبارية، تنال تفاصيل الإخبار ومقتضى الرواية من شعريتها.. وربما أساءت لها إبداعيا.. يكفي لذلك ان نستعيد جملة »داية تتوارب« فهي متعِبة لايحاء »السقوط من الظلام المرمريّ« تتوالى من بعد ذلك، لا أوصاف، بل انفعالات تلك الولادة الحزينة، فيستعمل لها الشاعر صفة هي »فاتك« (ظلّ فاتك) واسمين هما »الهلاك« و»الزوال«: ».. وكأنما عدتُ الهوينى نحو ظلٍّ فاتكٍ وقبضتُ من أثر الهلاكِ قصيدة العمر الزوال«. وما ذاك إلا استكمالا لعلامات الأسى والفجيعة. ثم يومئ الى قريته »دركوش« فيصفها بأنها دَمْعُهُ: »دركوش دمعي« ووصف القرية بأنها الدمع الخاص بالشاعر، جميل.. لكن المبالغة الآتية بعد ذلك تخفف من جمال الصورة... فدركوش دمعي، يردف بها الشاعر صورة أكثر تضخيماً، ولعل الأصل كان سيكون كافياً. يقول: ».. في يديَّ زبيب قريتي المشادة فوق تلّ دموعنا«. فهذا الاستطراد أضعف الصورة اللقيا الأساس. ويمكن للشاعر في الكثير من السياقات الشعرية السردية الإخبارية أو التأمّلية أو العاطفية الانفعالية في القصيدة، ان يقتصد، فالشعر أحيانا، تظهر عبقريته مع اللغة، في اختزالها الشديد وشحن العبارة بإشعاعات لا متناهية للإيحاء. هذه الميزة الإبداعية الدلالية، تظهر على سبيل المثال، في السطر التالي للشاعر: ».. كيف تناهبتني ميتتان؟«. وما مهّد لهذا السطر وما تلاه من تفاصيل، أخذا من وهجه وخفّفا من أثر ما نسمّيه الضربة الشعرية فيه. كذلك اللقطة الصورية النفسية في جملة: »أضغاث أزهار على شفة الحديقة«، فلو قال: أضغاث أزهار على جفن الحديقة، لاستقامت نسبة الأضغاث (وهي للأحلام) للجفن وليس للشفة.. كما ان إضافة »الحديقة في سَغَب...« أضعفت الضربة الشعرية لأضغاث أزهار... في السياق نعثر على جملة شعرية مبتكَرة، لم تُضعف صيغة الإخبار، جمالها الصوري، وكنايتها التعبيرية. يقول مستذكراً حباً له لمن يسميها »جولييت«، في اللاذقية: »أيام شرّدني الرصيف ومال نخلُ اللاذقية فوق جولييت التي فتحت محار رجولتي«. لكن الشاعر، لاجئاً لقوافٍ ساكنة في المقطع نفسه »الحطامْ.. الظلامْ.. الهمومْ.. الحرامْ.. العدمْ«، ما يلبث أن يُلجئه السرد الى نثريّة وصفيّة، لا تنطوي على ابتكار: ».. بعدما زحفت جيوش البغض فوق عواصم الحبّ الحرام«. فضلاً عن ان »قطعان الندم« و»التزنزن في البدن« و»الحارس الهمام«، جمل تظهر في سياق النصّ، غير فاعلة في بلورته وإبداعيته، لكونها جملا مما يعتاده العاديّون من الشعراء... الحصيلة ولو غربلنا القصيدة بكاملها، على سنّة ميخائيل نعيمة في الغربال، لبقيت لنا منها حصيلة مركّزة، إبداعية، وإن قليلة، لكنها كافية لكي يؤسس عليها الشاعر بناء شعريا فنيا، ينطوي، فضلا عن جوّانية انسياب الكلمات والأحوال، على جمل شعريّة جديدة، جُمل محطّات، وصُور عالقة في المخيّلة، ويكفي شاعرا ما نراه منها.. ومنها، على سبيل المثال، الذي يكاد يصل للحصر: صورة تهريب الجدود للتنباك فوق البغال عبر حدود كردستان »سأسير حتى مجمع الجرحين...« »الريح لو تبكي تفسّر ما يسطّره الرصيف« »إنّ الحياة تسير عكس عقاربي« »والأصدقاء يحدّثون الموت عني«. »إن المسافة بين كولي والسماء حمامتان« ... ... الخ.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة