يموت سنويا 150 ألف إنسان نتيجة مرض النوم الذي تنقله ذبابة »تسي تسي«. لا علاج للمرض؟ بلى، العلاج معروف منذ العام 1985 واسمه »إفلورنيتين«، لكن الشركة التي طورته توقفت عن تصنيعه. أما سبب ذلك فارتفاع سعره مما يمنع المرضى، وغالبيتهم من الفقراء، من شرائه. شكل ذلك سببا كافيا بالنسبة للشركة كي تتوقف عن التصنيع. لكنها وافقت بعد ذلك على نقل حقوق التسويق إلى »منظمة الصحة العالمية«، غير أن هذه الأخيرة تفتقد إلى وسائل إنتاج الدواء مما جعله يبقى في الأدراج. لكن يبدو أن حياة مرضى النوم ستنقذ أخيرا لأن هذه المادة تدخل في تصنيع أحد أنواع كريمات إزالة شعر الوجه! وبالتالي بإمكان المرضى الحصول عليه والشركة المصنعة ربح الكثير من هكذا نوع من الكريمات! في المقابل، فإن حظ دواء التهاب السحايا البكتيري الذي يصيب فقراء الجنوب ليس كبيرا. إذ كان علاجه المتمثل في مادة »كلوروأنفينيكول« سهل الاستخدام ومنخفض الثمن، لكن الشركة الألمانية التي كانت تصنعه توقفت عن ذلك. وتم نقل تصنيعه إلى مصنع في جزيرة مالطا بجهود من الجعية العالمية للتنمية (IDA). واليوم يفتقد تصنيعه إلى التمويل وبالتالي من غير المؤكد ما إذا كان سينتج. لعل الفكرة السائدة عالميا بالنسبة للأمراض الأكثر فتكا هي أننا ما زلنا نحتاج إلى اكتشاف دواء لعلاجها، لكن الحقيقة غالبا ما تكون بعيدة عن هذا الاعتقاد. فتوفير العلاج لمرض ما لا يتوقف دائما على اكتشاف دواء له بل يرتبط غالبا بحسابات الربح والخسارة المادية للشركات الكبرى التي تنتجه أكثر منه بحسابات الخسائر البشرية. وقد بدا ذلك أكثر وضوحا عندما قامت 39 شركة عالمية لتصنيع الدواء بالادعاء على دولة هي جنوب أفريقيا بسبب تصنيعها أدوية الإيدز أو استيراد أدوية بديلة عن أدوية الشركات بأسعار أقل بعشرات المرات. وهو ما ألهب نقاشا عالميا حول حق المريض الفقير بالحصول على الدواء وانتهى باتفاقية بين منظمة الصحة العالمية والشركات بالسماح بتزويد أكثر الدول فقرا بأدوية الإيدز بأسعار رمزية أو السماح لهذه الدول بتصنيع أدوية بديلة من دون المرور بحقوق الملكية الخاصة بالشركات. سبب الحديث عن هذه الحالات والوضع العالمي فهو أن الوعي لموضوع السلوكيات الخطرة للشركات الكبرى كما لحقوق المريض بالحصول على العلاج والرعاية الطبية الجيدة وصل إلى لبنان. وهو تمثل في كلام جديد غالبا ما كان يقال في السر وهي المرة الأولى التي يخرج فيها إلى العلن. حصل ذلك في الإعلان عن ولادة جمعية جديدة تحت اسم »صحتنا لنا« أخذت على عاتقها التوعية حول مواطن »الخلل في العلاقة العاطفية والإنسانية بين المريض وطبيبه والتي قوضت أسسها وإلفتها التقنيات الجديدة المتطورة.. حيث استحال مفهوم »الصحة« سلعة استهلاكية تخضع لقانون العرض والطلب الذي لا يملك المواطن أن يتحكم فيه إلا بالقدر اليسير«. وتناول الكلام في الندوة الأولى التي نظمتها الجمعية يوم الجمعة الماضي العلاقة المتوترة والتي أضحت تفتقد إلى الإنسانية بين الطبيب والمريض في لبنان ودور شركات الأدوية في التسويق لأدوية واختلاق أمراض لم تكن موصوفة لمجرد تسويق دواء جديد، مع الإشارة إلى أن ذلك يمر عبر بعض الأطباء من خلال سياسات تسويقية غير بريئة في معظم الأحيان. كما تناول الحديث خطورة التقنيات الجديدة التي أصبحت بحسب الجمعية تشكل حاجزا بين الطبيب والمريض بسبب الفوضى في استخدامها واقتنائها في لبنان. فقد طرحت الجمعية نفسها كمنظمة غير حكومية »نشأت من إرادة مواطنين لبنانيين معنيين بالانحرافات التي تنجم عن هيمنة منطق السوق على الطب في العالم عموما، وفي لبنان خصوصا... وإطلاع الرأي العام على الآليات التي ترتكز إليها هذه الهيمنة«. وبدا واضحا من خلال الكلمات التي ألقيت في الندوة والنقاشات التي تلتها أن الجمعية تنطلق من ثقافة بدأت تجد صداها على مستوى العالم لجهة توعية المواطن كما لجهة ممارسة أساليب الضغط على الشركات الكبرى لتغيير سياساتها الاستهلاكية. وإذا كانت الجمعية لا تدعي القدرة على ممارسة هذا النوع من الضغط في بلد كلبنان وفي مواجهة شركات ضخمة متعددة الجنسية، إلا أنها ترى في طرح هذه المواضيع بصراحة أمام المواطنين والتوعية لها وتفعيل النقاش حولها وسيلة وهدفا يضمنان وصول المواطن إلى حقه في الحصول على رعاية صحية جيدة. داء لكل دواء! تنطلق أهداف الجمعية بحسب رئيسها الدكتور شوقي عازوري، المتخصص في العلاج النفسي، من »خطورة تسليع الصحة أي تحول الصحة إلى سلعة«، فهو يرى أن »منطق السوق جعل الطب يخضع للتقنية ويصبح وسيلة لها... وبدل أن يكون لكل داء دواء أصبح لكل دواء داء«. إذ تنظم »حملات شاملة لرصد الأمراض الموصوفة بالنفسية بعدما يكون قد حددها خبراء بعض الشركات المصنعة للدواء«. ويعطي عازوري مثالا على ذلك ما يحصل في مجال الطب النفسي حيث زاد الحديث عن عوارض الاضطراب الاستحواذي القهري الذي كان يعتبر أحد عوارض مرض العصاب الاستحواذي (nevrose obsessionnel) فإذا الحديث عنه يظهر كمرض مستقل ويتبين لاحقا أن إحدى شركات الأدوية تعمل على تسويق أحد أدوية الأعصاب للأطفال! ويعيد عازوري طرح السؤال حول بعض الاختصاصات الطبية المستحدثة باسم جديد في حين أنها كانت أصلا موجودة فيتساءل عن الفرق اليوم بين ما يسمى طب العائلة والطب العام المعروف. تسويق خطير للدواء يرى نائب رئيس الجمعية الدكتور أسعد رزق »أن مصانع الأدوية هيمنت بشكل كامل وفاعل على استهلاك الدواء وخاصة الأدوية الباهظة الثمن والمكتشفة حديثا، ذلك أن الأرباح الطائلة التي تجنيها مصانع الأدوية دفعتها إلى تسويق أدويتها بشتى الطرق، ففتحت أمام الأطباء مجال استضافتهم لحفلات عشاء أسبوعية وإرسالهم إلى أرقى الدول وأجملها (كتايلندا واستراليا والولايات المتحدة الأميركية وغيرها) للاستفادة من فضائل هذه الأدوية والعمل على استعمالها. واستطاعت هذه الشركات بفضل ما تجنيه من أرباح طائلة أن تتحكم بالسياسات الصحية في بعض البلدان المتقدمة، وكذلك في السياسة بشكل عام، فأثرت في الحملات الانتخابية وكان لها دور في عدد من هذه البلدان«. وهو ما حصل بالفعل في الانتخابات الأميركية الأخيرة حيث دعمت بعض شركات الأدوية الضخمة حملة الرئيس جورج بوش للرئاسة. وتشير مجلة »لوموند ديبلوماتيك« في عدد خاص تناول ما أسمته »سياسة التمييز الطبي« إلى فضيحة تناولت إحدى شركات الأدوية العالمية في إيطاليا حيث تم التحقيق مع 2900 طبيب واتهام 37 موظفا و80 ممثلا للشركة ممن يزورون الأطباء و35 طبيبا بالفساد. واتهم ممثلو الشركة بدفع مبالغ غير قانونية لتشجيع الأطباء على وصف أدوية الشركة بدلا من أي أدوية أخرى شبيهة، على أن تزيد قيمة »الهدية« بزيادة عدد الوصفات التي يقوم بها الطبيب. وتراوحت هذه »الهدايا« بين إمكانية حضور سباق »مونت كارلو« للسيارات والاستفادة من رحلات إلى جزر الكاريبي والحصول على مبالغ مالية قد تصل إلى 1500 يورو. ويعطي الدكتور رزق أمثلة على ذلك فيشير إلى »أنه لتسويق دواء جديد للعجز الجنسي في لبنان نظم حفل عشاء ضم حوالى الألف طبيب« متسائلا عن قيمة الأموال الطائلة التي تصرفها الشركات على التسويق والتي تزيد عما تخصصه للأبحاث نفسها، مع العلم أن تشبث الشركات بزيادة أسعار أدويتها ومحاربة الأدوية البديلة بحجة الملكية الفكرية للاختراع الدوائي هو للحفاظ على قدرتها على البحث والتطوير. إلى ذلك، لا يعتبر الدكتور عازوري »أن هدف الجمعية هو محاربة الشركات الكبرى إنما توعية المواطنين حول الأساليب الدعائية الخطيرة التي يمكن أن تعتمدها في التسويق«. فيشير عازوري إلى »استهداف الأطفال أحيانا في هذه الدعاية من خلال الترويج عبر كتب أطفال من الرسوم المصورة داخل عيادات بعض الأطباء، لا سيما في الخارج، مما يؤدي إلى تشخيص تعسفي لبعض الحالات بحيث تتحول بعض العوارض إلى أمراض«. أنسنة العلاقة بين الطبيب والمريض هل حاولتم يوما خلال زيارة الطبيب التنبه إلى حجم الوقت الذي يوليه لكم ونوعية الأسئلة التي يطرحها قبل أن يطلب إجراء فحص أو صورة ما؟ فكثيرا ما يقضي المريض وقتا في غرفة الانتظار في عيادة الطبيب أطول من الوقت الذي يمضيه داخل غرفة المعاينة. تعتبر الجمعية في الكتيب التعريفي الذي وزعته أن »التقدم التقني في مجال الطب حول الطب إلى أداة له بدل أن يكون العكس هو الصحيح«. ويرى الدكتور رزق أن »الاكتشافات الطبية أسهمت في تسهيل سبل التشخيص وزيادة إمكانية الشفاء، إلا أنها تحولت إلى حاجز بين الطبيب ومريضه، حتى ان الطبيب في كثير من الأحيان، يعتمد اعتمادا أساسيا على تلك التقنيات ويصرف النظر عن الجلوس مع المريض وفهم معاناته وإحاطته بكل ما يلزم من وسائل العطف والتفهم لمعالجة نتائج المرض وتداعياته الإنسانية وليس المرض فقط بحد ذاته«. فالعلاقة بين الطبيب والمريض هي بحسب عازوري »أساس العلاج ومن المهم جدا التروي في التشخيص لكن من دون الاعتماد بشكل كامل على الآلة«. إذ انه يرفض أن يتحول المريض إلى مجرد »حالة مرضية« ويسمى باسم مرضه. وهكذا ساهم التطور الدائم، لا سيما في مجال التصوير كالصورة الصوتية والتصوير بالرنين المغناطيسي و»السكانر« والتصوير الدماغي في تغذية الوهم القائل بأن الإنسان كيان بيولوجي محض خاضع لمنطق الأداة... وتفسير كل تصرفات الإنسان من خلال البيولوجيا. وهو ما تعتبر الجمعية »انتقال من العلم إلى »العلموية«، تلك النزعة التي تحول العلم دينا«. ويحذر الدكتور رزق من »غياب الرقابة على استخدام هذه التقنيات الحديثة وشرائها في لبنان بالإضافة إلى غياب سياسة صحية تضبط أعدادها«. كلام كبير ألقي في المؤتمر الصحافي لكن الأهم يبقى في آليات العمل التي يمكن لهذه الجمعية الواعدة أن تقدمه. وهي لم تنس دعوة نقابة الأطباء إلى المشاركة في المهمة بالنسبة لهذه القضايا الملحة.