طلب مني المعلم في المدرسة الحكومية، الواصل حديثا من المدينة، ان أرسم »صورة للعالم«، والمقصود خريطة، وذلك بعد ان رسم مثالا بالطبشور على اللوح. الانتفاخ المحبب الصغير الامبراطوري، في خريطته، الذي شكّل أرخبيل اليابان توسع صوب ساخالين وتايوان، وضم أيضا شبه الجزيرة الكورية. أما بقية العالم فقد رُسِمَت بطريقة تقريبية عند حفافي هذا التفصيل المذكور الذي ينبض حيوية، واحتلّت السماء صورتان ضخمتان لصاحبي الجلالة الامبراطور والامبراطورة وقد اعتليا سحابة. »صورتي عن العالم« أظهرت الغابة فقط ووادينا. فوق مدى الغابة كان اوشيكوم وميزوك يقفان جنبا الى جنب. ضربني المعلم قائلا: »أتسمّي هذه صورة عن العالم؟«. كان الزمان أواخر الحرب، فقام التلامذة الهاربون مع عائلاتهم الى منطقتنا من الغارات الجوية على المدن بالضحك عليَّ، الريفي الشديد الارتباك. هوّنتُ على نفسي من الألم على وجنتيّ وداخل قلبي بالاستلقاء مجددا في »الجون« وإعادة تشكيل داخل مدى السماء الضيّق »صورة عن العالم« ضائعة منذ زمن، زمن بمقدورك فيه التحديق في السماء الى ان يحلّ الفجر دون ان يظهر القسم السفلي من كوكبة العقرب، وقبل قيام جلالة الامبراطور والامبراطورة بمنع الفولكلور من منطقتنا. وإذ أنا مستلق هناك، أغدو بقة وضيعة من حشرات ميزوك، وأحكم شفتيَّ على حلمة اوشيكوم الخوخية اللون الكبيرة. لاحقا، بعد ان تركت الوادي لدراسة الأدب الفرنسي في جامعة طوكيو، توصلت الى فهم الجانب الأيروتيكي للسعادة التي كنت أشعر بها في »جوني« وأنا طفل صغير. في وادينا بالغابة، وبسبب الالتقاط الرديء للموجات، لا سيما خلال ساعات النهار، لم يكن ثمة جدوى من الاصغاء الى أي جهاز سوى الى راديو قوي. في ذلك اليوم، تجمّع الناس في القصور الاقطاعية للعائلات الغنية، حيث كانت أجهزة الراديو مضبوطة ومستعدة لاستقبال البث. في المنزل الذي قصدته للاستماع، وُضِع الراديو فوق الشرفة المقابلة للحديقة الأمامية. كبير العائلة وأفراد عائلته، فضلا عن الأشخاص البارزين في الجوار، انتظروا بجانب بعضهم وسط عتمة الغرفة الكبيرة القابعة في مؤخرة المنزل. كنا مجتمعين في الحديقة المضاءة بنور الشمس بمواجهة الشرفة، الرجال الكبار أولا، ثم النساء، فالأطفال المحتشدون خلفهن. شبان القرية أخِذوا أساسا الى المعركة. وحدهن الفتيات المبهرات حتى لعيون أطفال مثلنا، سُمِح لهن بالاختلاط بالنساء. وللهفة الجمهور المنتظر، انطلق الراديو يطقطق بكلمات الامبراطور، كلمات منطوقة بكل وضوح من قبل بشري. الترنيم الغريب للكلمات كان غير مألوف لديّ، لكنه بلا شك صوت بشري. لو ان شخصا في الوادي قال بأنه سمع اوشيكوم وميزوك يتحدثان بصوت بشري لأثلجت القصة المبالغ فيها قلبي. وحيدا، مستلقيا على ظهري في »الجون«، كنت أصغي الى صوتيهما وأتطلّع بشكليهما في أحلام يقظتي، وما رأيته وسمعته هناك في »الجون« في خلوتي تميّز بواقع الحلم فقط. لكن ان يتحدث الامبراطور الإله إلينا بصوت بشري أمر يتجاوز أي حلم. كان الامبراطور مثابة إله، سلطان الأمة، القاعدة الأساسية المنظمة للحقيقة، للجيش والشرطة، ولنظامنا للطبقات الاجتماعية، بل الأصح القول ان الامبراطور كإله كان في أصل كل الأشياء، وان كل القوانين والأنظمة التي تنضوي تحت جناح دستورنا قد رفعت عاليا حواجز صلبة من الحقيقة لإبقاء الامبراطور على مسافة منا. وكنا قد صلّينا أيضا في امكنتنا المقدسة بالنصر للامبراطور في الحرب، كما يُصلَّى لإله، وكذلك »للتجلّي الحقيقي في آب« للامبراطور كإله. ولا بد من الإشارة الى ان صورته الفوتوغرافية التي استنسخت بأعداد كبيرة وُضِعت في أماكن مميزة في مدارسنا، وفي حال نشوب حريق، يضطر مدير المدرسة الى التضحية بحياته، عند الضرورة، للقيام بنقل الصورة الامبراطورية، قبل أي شيء آخر، الى مكان آمن. الامبراطور »كإله« ادخل رهبة حقيقية الى حياتنا الخاصة كأطفال (ربما شكل ذلك نعمة للبعض). كان المعلم ينادي قائلا: »ماذا تفعلون إذا دعاكم جلالته لأن تموتوا؟«. والجواب الدقيق: »نموت. نبقر بطوننا ونموت!«. بعد فترة صار ينتابني مع هذا الجواب المنطوق بصوت عال نوع من التردد. كان ترددي نتاج حوار معزول مع نفسي. كيف يمكن الامبراطور ان يعرف عن فتى في واد محاط بغابة كثيفة على هذه الجزيرة البعيدة؟ ما الهدف الذي يرومه جلالته من خلال امره فتى عبوسا مثلي بأن يموت بطريقة الهاراكيري؟ بما ان الامبراطور يُعتبر إلها، كما كان يقول المعلم لنا، لذا فإن رعاياه هم في ذات الوقت اولاده، وهو يعرف عنهم كل شيء جميعا. ولعل السبب الذي كان أدعى لمزيد من التساؤل هو اذا كان الامبراطور إلهاً، كيف يمكن لموت ولد من اجله في واد في الغابة ان يكون ذا معنى؟ بعد حالة صمت وذهول اعقبت البيان الذي تلاه الامبراطور، حاول الكبار دون يقين سبر اغوار كلام جلالته: انتهت الحرب هزمت اليابان عليكم الآن التغلب على معاناتكم ومتابعة الحياة. كان للبعض تفسيرات مختلفة، لكنهم لم يستطيعوا تأكيدها بأي اثبات. قام صاحب المنزل بادخال الآلة الثمينة الى المنزل، وودع ضيوفه حتى الباب. تفرّق الناس الذين كانوا يقفون في الحديقة كل في حال سبيله، ملتزمين الصمت على الاغلب. لكن كان بين الاولاد نفر ممن يتسمون بشجاعة متمردة تكفي لتقليد صوت الامبراطور: »تحمُّل ما لا يُحتمل، إطاقة ما لا يُطاق«. راح الاطفال يرفعون اصواتهم ضاحكين، ومن ثم هربوا من صياح الكبار الذين خرجوا غاضبين من المنزل، صارخين فيهم. واقعا، كانوا يركضون خوفا من ضحكهم الخاص. كنت بين اولئك الذين انفجروا ضاحكين، ومن ثم ارتعبوا. لكني لم ارجع الى المنزل بل قصدت النهر، نزعت ملابسي داخل غيضة قصب الخيزران، وغمست جسدي في »الجون«. مستلقيا في الماء الدافئ، رحت احك جسدي على الطين الناعم الموجود في القعر، واحدّق في الاعلى صوب ألق سماء منتصف نهار يوم صيفي. اكتشفت شعوري بحرية غريبة. حتى الآن، كنت اخشى ان اكون اصغر من ان اصبح جنديا فأخسر فرحة الموت في المعركة من اجل الامبراطور. لكن في المقابل اردت بشدة ان اكون متأخراً عن الركب، وتلك رغبة مدعاة للخجل مزقتني. الآن ارتحت من ذاك الوجع. ومع ذلك احسست ان الموت لم يزل قريبا جدا. ألم يتناهَ الى مسامعي ان الجيوش المتحالفة المنتصرة في الحرب، ولحاجتها الى ابادة كل اطفال الامبراطور للشعور بالامان، ستجبر نساءنا واولادنا على التمدد في الشوارع لتسحقنا تحت جنازير دباباتها؟ انتهت الحرب، وهزمت اليابان، والمشهد الجهنمي اقرب الى ان يغدو حقيقة، كما ان الامبراطور الذي من المفترض ان يكون إلهاً راح يتحدث بصوت البشر! شعرت بأني تحت وطأة عجز شخص مخذول لا حول له ولا قوة. سرعان ما وجدت نفسي اتعلق، بما يشبه رمزاً للامل، بكتاب تجرأت والدتي على الحصول عليه سراً من اجلي، على الرغم من كونه أدب »عدو«: »مغامرات هاكلبيري فين«. »هاك« شخص ادار ظهره لتعاليم كنيسته، وقرّر اختيار الذهاب الى جهنم بدلا من خيانة العبد الاسود الذي كان صديقه. لم يكن بيدي سوى الشعور بالثقة به وبالجنود الذين كانوا مواطنيه. هذه الثقة بدا انها تفتح على فرح الحياة. لكن هذا كان مجرد حدس، ولم يؤد الى اراحتي، بل الى تعقيد خشيتي عما سيحدث لي بعد فترة قصيرة. انشغلت بالتحديق بالغابة فيما النور والظلال راحت تدكن مع انتقال الشمس الى السماء الغربية، واخذت انتظر برجاء ظهور اوشيكوم وميزوك. بدا ان الامبراطور الذي حكم »خارطة العالم«، ومعه الامبراطورة، قد فقدا قوتهما، واذا كان الامر كذلك، فمن ذا الذي يستطيع القول ان الصورة او الخارطة التي رسمتها لم تكن صحيحة؟ مع الوقت قد اغدو روائياً، وسيكون موضوعي الاساسي كروائي بالتحديد ما كنت اتخيّله كولد مستلق في »الجون«، مستحضراً الافكار بوجد يقرب من الصلاة. لكن بسبب الخوف الداهم، تمنيت البقاء مغموسا في ماء »الجون« حتى وصول القوات المتحالفة، وذلك لجعل كل شيء في العالم الحقيقي يمر وينقضي. في نفس الوقت، لم احلم ابداً بأني سأحيا واترعرع لأغدو شابا... غير ان المساء اتى، واخذ المطر ينهمر بغزارة على النهر، ولدى احساس والدتي بارتفاع منسوب الماء ولعلمها بمكان اختبائي، هبّت للبحث عن ابنها. لم اتمكن من ايجاد بنطالي وقميصي وسط الظلام، فكان عليّ ان اهرول عارياً خلفها اذ هي تسير بصمت الى المنزل، فيما الاولاد الذين التقينا بهم على الدرب راحوا يصيحون باستهزاء واستهجان لعُريي. اعتقد انني انتظرت منها ان تهون الرعب الذي اثاره في داخلي صوت الامبراطور في الراديو. لكنها منذ وفاة والدي توقفت عن اطلاق اي كلمة نقد او تعليق حول اي شيء، سواء تعلق الامر بتطور الحرب كما يرد في الصحف، او بالاحداث التي تقع في قريتنا. بالنسبة لي، لم تطرح مسألة الاستمرار في الحياة او عدمه بالنسبة لفرد ياباني بعد هزيمة الامبراطورية اليابانية، فذاك كان يتجاوز قوة مخيلتي. في مدرستنا الواقعة في الوادي اعتدنا ممارسة الهجوم برماح الخيزران على اشكال من القش مثبتة الى اوتاد. وقد استهزأ من هياجنا الحربي الطائش ضابط اتى من فوجه في المدينة لمراقبة تدريبنا العسكري وكتب قائلا: »يعرفون ما يفعلونه برمح من الخيزران. يمكنك الاستنتاج انهم يتحدرون من صلب الفلاحين الذين قاتلوا في الانتفاضة الفلاحية! وشعر رجل من ابناء المنطقة بالاهانة لما دوّنته، فتراجع بحركة مفاجئة، وقال بما يشبه النية بإثارة اشكال: إذا كنت ايها الضابط تسمي هذا انتفاضة، فأولى قطرات الدم التي ستريقها هذه الرماح ستكون من دمك«. المعركة الفاصلة هي على ارض الوطن: فكرة ان كل اليابانيين، بمن في ذلك الاولاد، سيقاتلون حتى الموت برماح من الخيزران، كانت عقيدة منقوشة على الحجر في غرفة صفنا، وفي كل غرفة صف في انحاء البلاد. في نفس الوقت كانت هناك اكثر من وجهة نظر مشككة. عبر رجل الى هونشو، منطلقا من جزيرتنا شيكوكو، وسافر عبر الطرق الى مصنع للمعدات الحربية في هيروشيما، وذلك بحثا عن ابنته التي لم يرده منها اي خبر منذ وقت طويل. الرجل الذي يعمل في مجال الملبوسات انتقل الى هنا مع عائلته بعد ان تركوا »كوب«. اما ابنتهم الغالية فقد نقلت من منزلها وهي في مدرسة ثانوية. كانت هيروشيما قد دمرت بقنبلة من دون ان يدري الناس نوع القنبلة اطلقوا عليها تسمية »بيكا دون« (الضربة الومضية) وقد بحث بائع الملابس ارجاء المدينة والمدينة المجاورة »كيور« عبثا قبل عودته الى الوادي. متوقفا للتحدث الى أمي قال بصوت متسارع يكاد لا يُفهم: »يقولون ان الناس فروا من هناك راكضين وايديهم امامهم وكأنهم اشباح، وجلدهم يتدلى على صدورهم من وجوه شوتها تلك »البيكا دون«! انه لامر حسن وجود المحيط بين هيروشيما وهذا الوادي، وإلا لوفدت الى هنا جماهير من اولئك المرضى المتآكلي الاجساد، فيجولون هنا وتنبعث روائحهم حتى السماء السابعة!«. يبدو ان بائع الملابس لم يضع في حسابه ان ابنته يمكن ان تكون احدى الضحايا، وتحولت مباشرة الى رماد، او انها تتجول جريحة بين الدمار الذي لا ينتهي. تعرضت لحروق خفيفة، يقول الرجل، ولا بد من ان تكون مختبئة تجنبا للاحراج. اصغت والدتي الى كلام الرجل السريع الايقاع وعيناها الى الارض. وكعادتها، لم تقل شيئا، لكني احسست بمشاعر قوية تجيش بداخلها. قبل حلول الخريف، سيموت الرجل ميتة موجعة، ضحية وادينا الوحيد بفعل الاشعاع. وقعت مجموعة من الاحداث منذ اليوم الذي تحدث فيه الامبراطور بصوت بشري، ذات ليلة شديدة التوتر، لُف بالقش كل سلاح قديم في الوادي وحمل الى الغابة ليدفن بين الاشجار. نقلت والدتي من منزلنا الى الغابة سيفا استعمله اسلافنا الرجال في انتفاضتين شملتا فلاحينا المحليين، وقد حدثت احداهما قبل مئات السنين. تصرف اسلافي في الانتفاضة الاولى كأسياد قامعين للعنف، وفي المرة الثانية كقادة لجماعة المتمردين. ذاك الحدث الذي طال كامل الوادي شكل القاعدة لاحلام يقظتي وتهويماتي الجديدة. اعلن الامبراطور بصوت بشري ان الحرب انتهت، لكن تلك لم تكن الحقيقة. لماذا على الامبراطور التحدث بصوت بشري؟ ألم يكن يجدر بالامبراطور، الذي هو بمثابة إله، التعبير عن نفسه بالصمت، او بصوت يتجاوز صوت البشر؟ لا بد من ان الجيش الحقيقي للامبراطور ينتظر في اعماق الغابة التي تحيط بهذا الوادي. يقال ان الناس الذين دخلوا الغابة في هزيع الليل حاملين اسلحتهم الملفوفة داخل القش تحدثوا مع الجيش المختبئ. لن يمر وقت طويل، وسيعلن الامبراطور نداءه »الى السلاح« بصوت الاله، وسينزل من الغابة حينها ذاك الجيش المختبئ. وعندها ستتجمع في كل زاوية من البلاد دبابير العصيان والتمرد. وحتى الاولاد الذين وصلوا متأخرين الى الحرب سيعطون الفرصة ليصبحوا جنوداً صغاراً... واقع الامر، ان المواطنين اليابانيين لم يسلّحوا انفسهم وينخرطوا في حرب عصابات ضد »الجيش المحتل«، لا في قريتي ولا في اي مكان آخر في اليابان. وتبعا لمناقشات المحافظين التي لا تتغير أبدا، فإن دستورا جديدا قد فرض على اليابان وعلى اليابانيين القبول به من دون جدال. الحقيقة هي ان الزعماء القابعين على رأس الهرم، والذين تدبروا الإفلات من الاعتقال كمجرمين، نقصتهم الجرأة على معارضة ماك آرثر بنسخة من الدستور تناسب الأمة الجديدة. لا بد من الاعتراف بأن النسخة الديموقراطية التي أشرف عليها »مقر القائد العام« أشارت الى إعادة بناء اليابان بيقين وثقة أكبر من أي نسخة من الجانب الياباني. تقبّل اليابانيون ذاك الدستور بإيجابية، وأرسوا حلمهم بالتعافي للمستقبل، على الأقل لسنوات قليلة بعد الاستسلام، كأمة ديموقراطية نبذت الحرب. في باحة المدرسة، وقف مساعد المدير، الذي الى فترة وجيزة كان المعلم الأكثر مناصرة للقوة العسكرية، ورأسه لم يزل شامخا، يعطينا »درسا« وجيزا في اللغة الانكليزية باندفاع مثير للخجل. في الغد او بعده، او على الأبعد مع نهاية الأسبوع، من المتوقع ان يجد جنود »الجيش المحتل«، مستقلين عربات تدعى »جيبات«، طريقهم الى هذا الوادي القصي. قال لنا مساعد المدير: »لنكن متأكدين من اننا تعلّمنا الكلمات المناسبة لتحيّتهم عندما يصلون. لنردد الآن كلنا مع بعض بصوت عال: هارو؟ (يقصد هالو)«. في اليوم الذي سار فيه الفوج في الطريق المحاذية للنهر، لاحظ الرجال الذين تسلّقوا الرابية الى الغابة للعمل على السفوح صفوف سيارات الجيب بعيدا في الأسفل، فراحوا ينزلون عائدين الى الوادي لإخبار الآخرين. انشغل معلمونا بالتحضيرات المناسبة للوصول. كان التلامذة جاهزين وينتظرون في صفوف عند مدخل القرية، وهم يصيحون »هارو!«، ملوّحين في نفس الوقت بباقات من أعشاب الصيف. تسللت عبر النافذة الخلفية لغرفة الصف، عبرت البستان ثم دخلت الغابة. كلما صعدت قابلتني كومات من التراب عند كعب الشجر، وكل منها كبيرة بما يكفي لإخفاء ولد او امرأة صغيرة، بل أسلحة صيد وسيوف طُمِرت باهتياج خلال الليل. هل عمدت الى الحفر لتناول سلاح لأصبح رجل عصابات يأخذ موقفا ضد »الجيش المحتل«؟ لم أفعل ذلك. بقيت، بكل بساطة، في الغابة طوال بعد الظهر الطويل المذكور. تناهت الى مسمعي أصوات »هارو!« المنبعثة من الوادي. لم ألبث ان وجدت نفسي قرب شجرة سنديان صغيرة ريانة ترتفع بشكل مستقيم. تذكرت ان تدريب مساعد المدير لنا على الانكليزية لم يقتصر على الصياح »هالو«. لقد أخبرنا انه حين يحب شاب أميركي فتاة، يقوم بتقبيلها، واننا سرعان ما سنقلّد الأميركيين ونقوم ببعض التقبيل. لكن ما هي القبلة بدقة؟ مقتربا من شجرة السنديان الجميلة الصغيرة، ضغطت شفتي على شوكة في غصن ريّان! ترجمة/ فوزي محيدلي