في شباط الجاري، وبينما تحتفل شركة الألعاب الأميركية »ماتل« بعيد ميلاد »باربي« الخامس والأربعين، تكون الدمية »فلّة« قد أتمّت ثلاثة أشهر من عمرها. وهكذا، فإن الحدث الذي يعنينا، عربياً، ليس الشباب المتجدّد للحسناء الشقراء، أو استمرار غزوها للأسواق العالمية والبيوت والأسر حول العالم. الحدث... »فلّة«. شهدنا قبلها ولادة اللعبة البريطانية »ساندي« (التي نفّست الغيظ الإنكليزي من »باربي«)، والإيطالية »تانيا«، والإيرانية »سارة«، والبوسنية »أمينة«. وكانت جامعة الدول العربية قد وعدتنا ب»ليلى«، لتكون النموذج العربي المفتقد في سوق الألعاب العربية التي تستورد 90 في المئة من سلعها من أميركا والصين، لكن »ليلى« لم تظهر إلى اليوم. »فلّة حالياً في الأسواق«. هكذا يُختتم الكليب الترويجي الذي يمرّ على قناة »سبايس تون«. وفي الكليب تطالعنا فلّة كنجمة محترفة تتهادى على أنغام أغنيتها الخاصة: »أتت تختال بالطلّة، تزيد جمالها حلّة... فلّة لعبتي فلّة«. يهتز جسد فلّة الممشوق، وضفيرتها البنية الطويلة، في أرجاء غرفة زاهية الألوان. ثم سرعان ما ترتدي زياً خليجياً أسود وحجاباً إسلامياً يخفي ملابسها العصرية الزاهية وجينزها، لتعلن لنا أنها خارجة من المنزل. شكلاً وفكرة ليست فلة إلا »باربي« السمراء! الملامح واحدة. الشعر بنيّ أملس طويل. العينان بنّيتان واسعتان. البشرة حنطية. الجسد نحيل. تشترك مع باربي في خزانة ملابس شاسعة وإكسسوارات أخرى، وإن لم تكن فلّة لتمتلك لباس بحر. تبدوان في العمر نفسه. لكن باربي بدأت كعارضة أزياء، ومن ثم كسيدة أعمال وأحياناً كعالمة ورائدة فضاء. أما فلّة فليست سوى فتاة... نقطة. تتعمد الظهور في الكليب بثوبها الإسلامي متفادية اللعنات التي انهمرت على »أختها« الأجنبية »باربي«، وأفتت بعدم اقتانئها باعتبارها »المتهتّكة، هاوية التعرّي على الشواطئ وارتداء الملابس الخليعة«، بالإضافة إلى تفلّتها من كل الضوابط التي لم تمنعها، بحسب رأي لاعنيها، من السكن مع شريكها، وهو ليس زوجها، تحت سقف واحد. يختلف الأمر طبعاً بالنسبة إلى فلّة. فهي تعيش مع أخويها نور وبدر، ولديها صديقتان هما ندى وياسمين، ولا أثر لصديق أو زميل دراسة. هي مجرد فتاة لا يبدو أن لها أي عمل أو علاقات في الحياة سوى أنها... فتاة! لكن فلّة، وعلى عكس باربي، تظهر كنجمة قبل أن تكون لعبة. هو عصر »روتانا« و»ميلودي«، وربما »ستار أكاديمي« (بتصرّف). ها هي تتألّق في الكليب. تتحدّى النجمات. تحضّر للبطولة المطلقة في فيلم تلفزيوني سيعرض على شاشة »سبايس تون« في وقت لاحق. بعكس باربي التي انتظرت طويلاً قبل دخول عالم النجومية، و»كافحت« للحصول على البطولة المطلقة. إلا أن فلّة هي ابنة القرن الحادي والعشرين، ابنة زمن »الستار«... عربياً. تقول شركة »نيو بوي«، منتجة فلّة، انها وتلبية لحاجة السوق العربية طرحت »فلّة« كشخصية عصرية بملامح »موطنها«، لتكون قدوة للفتيات العربيات وتجسّد القيم والعادات المسموح لهن باعتناقها مثل »الصدق والوفاء واحترام الآخر وحبّ الأصدقاء والمرح...«. ويعترف فوّاز عابدين، مدير التسويق، إن الشركة تعوّل على السوق الخليجية لأنها الأكبر، وهذا ما يفسّر هوية ملابس فلّة وطباعها »الملتزمة«. أما المبيعات فقد فاقت التوقّعات، كما يقول، إذ تم بيع 90 ألف لعبة خلال ثلاثة أشهر. إن شخصية وطباع »فلّة« ستتبلور مع صدور المجلّة الخاصة بها، وموقعها على الإنترنت، وفيلمها التلفزيوني المنتظر. أما الخصوصية العربية... فهل ستبقى مختزلة في الزيّ المحافظ والبشرة الحنطية؟ هل ستجد فلّة فعلاً هويتها الثقافية الخاصة؟ لا بد أن يكون لصاحبتها الصغيرة دور. فهي التي ستقرر كيف ستحرّكها في فلك حياة تخترعها لها، وتحلم عبرها. سيكون لهذه الفتاة أن تختار الزي الشرعي أو أن تجد المبررات »اللوجستية« الكافية، داخل المنزل الافتراضي وخارجه، لتستمتع مع فلّة بملابس عصرية من دون غطاء يحجب ألوانها المفرحة. لهذه الفتاة القرار الأخير... من بعد الأهل الذين سيشترون لها فلّة والرزمة المحافظة كاملة، وطبعاً من بعد قرار المسوّقين الذين لم ينسوا »تعريب« مفهوم النجومية التلفزيونية الذي يسيطر اليوم على شاشاتنا.