As Safir Logo
المصدر:

صبيان وبنات

»الأكاديميان« بشار وصوفيا
المؤلف: الاطرش رشا التاريخ: 2004-02-11 رقم العدد:9718

حياة حميمة ترصدها الكاميرا. النزعة الإنسانية إلى البصبصة. المشاهدة الإدمانية. الرموز الأقرب إلى قدرة الناس على التماهي بهم. الكاريزما التي تبني نفسها ببطء ذكي لنجوم يصبحون نجوماً لمجرد أنهم يعيشون حياتهم أمامنا، بل من أجلنا.. متكرر هذا الكلام. هو »كاتالوغ« الاستعمال لمرافق ل»خلاط« تلفزيون الواقع: هل اشتريت ما تبيعه الشاشة الحقيقية؟ إذاً افهم لماذا أنت مستهلك. لكن ثمة ما هو أكثر. هناك »السيناريو«. لا يهم إن كان حقيقياً أم مفبركاً، إن كان »مزوّرا« أو مجرد »مساعد« لتحفيز الكيمياء بين جزيئيات البرامج المعنية. فلنفكر للحظة في العلبة التي ما إن تفتحها حتى يقفز في وجهك مهرج مبهرج ضاحك، أو وجه بقناع مخيف، أو جسد فتاة خارقة الجمال تصرخ »أحبك«.. على طريقة مفاجآت الرفاق لصديق في عيد ميلاده. تبقى هذه العلبة، في تلفزيون الواقع، غير مرئية.. أو بالأحرى هي شفافة، ينشغل متلقيها بما في داخلها حتى ينسى وجودها الذي يؤطر كل أحداث ومشاحنات وتفاعلات الواقع المعروض. لكن ما إن تبتعد عنها بضع خطوات حتى تتضح وظيفتها: فُلك يحدد المساحة التي تدور فيها عناصر القوة في البرامج الواقعية الغربية المعرّبة التي تسيطر على شاشاتنا حالياً (بتأخير عقود عن مواطنها الأصلية). وتنتبه فجأة إلى لصاقة صغيرة تعطي العلبة الفلك »تيمتها«: صبيان وبنات. لنضع جانبا »ضرب خوات« الذي لا يُعتبر برنامجا »مستديما«، إذ يقارب الفيلم التسجيلي لحكاية حصلت قبل تدخل التلفزيون، ثم اختار الأخير أن يتدخل في كتابة الباقي من فصولها. لنغفل »صارت معي« لأنه عملياً مسلسل درامي ربما لا يختلف عن »طالبين القرب« أو حتى »العاصفة تهب مرتين« إلا لجهة استقاء القصص من الواقع.. لكن أليس ذلك هو حال السينما والدراما المتلفزة في الكثير من الأحيان؟ »عيدك عل إل بي سي« ليس سوى نسخة »مفذلكة« من الكاميرا الخفية.. فلننسه. وبما أن »Survivor« لم يبدأ بعد على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، وكذلك الأمر بالنسبة إلى »أم بي سي« وبرنامج »الرئيس« (Big Brother)، فلنر ماذا بقي: من قبل »ستار أكاديمي«، تابعنا »قلبي دق« (إل بي سي)، »عرس إكسبرس« (المستقبل)، »عالهوا سوا« (art). لا يتطلب الأمر وقفة طويلة. هو المذاق التقليدي الذي يفاخر مجتمعنا في الحفاظ على خلطته السرية طوال قرون، تماماً مثلما تروّج ماركة أطعمة لدجاجها العريق. هو الزواج. الرابط الوحيد المقبول لدينا بين رجل وامرأة. احتفال باللحظة التي يطلب فيها حبيب يد حبيبته. احتفال (وجوائز!) للثنائي الذي يتمكن، في خلال 48 ساعة، من »تركيب« حفل زفاف بكل مستلزماته »المهرجانية« المكرسة عرفاً وتقليداً. وكاميرات تراقب مجموعة من الفتيات، الرابحة فيهن (مع تصويت الجمهور) هي التي يمنّ عليها البرنامج (طبعاً بموافقتها ورضاها) بمن يُفترض أنه حلمها وأمنية كل فتاة عربية: العريس. العريس الذي يختارها قبل أن تختاره، ويقيّم »محاسنها« قبل أن تقرر إذا كانت تستلطفه. ثم.. »ستار أكاديمي«. تبدو »الأكاديمية« للوهلة الأولى خارج المعادلة. لكن إذا غاب الزواج عنواناً، حضر الحب والاستلطاف والاحتكاك الجسدي لازمةً. وإذا انتفى »الرابط المقدس« بالمعنى الجنسي الثقافي، فإن العلاقات ضمن الجنس الواحد، وبين الجنسين، تبقى السمة الأبرز لنجاح برنامج المواهب الفنية، فنرى شباناً وفتيات في »بيت« مغلق على رحابته، مشتاقين إلى العالم الخارجي وإلى صلتهم به. هم متعبون، يعانون الضغط والتجربة. مغتبطون أحياناً. وضجرون مكتئبون أحياناً أخرى. الشاب يعانق زميله ويكفكف دموعه ويخفف عنه مأساة ما بتقبيله على عنقه. والفتاة تفعل الأمر عينه مع صديقتها. أما بين كل شاب »أكاديمي« والفتاة »المسمية« عليه، فالأحضان والدلال والقبل أسلوب حياة. ليس الأمر مستهجناً. فهو، إلى حد ما، ميزة مجموعات شبابية مختلطة كثيرة، في الشارع والجامعات والبيوت. لا يحتمل المعيار الأخلاقي الذي يقيسه به، بالقوة، الكثير من الناس، خصوصاً أهل المراهقين. لكنه يقتبس الخلطة السرية ذاتها، التي ينحاز إليها تلفزيوننا الواقعي حتى الآن، مع اختلاف بعض المقادير. أدوار ذكورية وأنثوية على قياس مجتمعنا. لعل اختلاف العيارات يكمن في »الحنان« الظاهر بين شابين أو حتى بين شاب وفتاة، في حين أن »الأكاديمية اللبنانية« لم تشذ عن الناموس المجتمعي المقدس عندما فصلت غرف نوم الذكور عن الإناث! المهم أنها غالباً لعبة الارتباط المعلن، والممارس بالغيرة والتملكية (بشار وصوفيا)، ثم يمتد ليصبح تلفزيون الواقع وسيلة يتجسس عبرها المحبون على شركائهم (إيمان وأحمد، ميرا وصديقها... الخ). هي قاعدة العلاقة بين.. الصبيان والبنات. معظم الأفكار الواقعية لبرامج تلفزيونية ليست من اختراعنا. استوردنا ما استوردنا، وعرّبنا ما عرّبنا. وعلى الهامش حاولنا أن نؤلف. وفي كل الأحوال، تبدو شاشاتنا المفتونة بالواقع المصوّر مجنونة بالحب غلافاً للجنسانية. مادة جماهيرية. الحبكة الأنجع لضمان مشاهدة قصوى في كل مكان. لكنها ما زالت عندنا، وإن جددنا القالب، ملتزمة بموروثات مجتمعنا، حيث النميمة والقضية تدوران حول صبيان وبنات.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة