»ALCANTARA ببساطة ليست مرثية لأشخاص لامعين من الماضي: إنها حساب لتلك اللحيظات الخاصة جداً من الصحبة، بهجة المرح، من التشارك والتحادث، مع احترام الاختلافات، على الرغم من تقلبات التاريخ....«. هذه عبارات مقتطفة من مفاتحة امينة العلوي المغنية المغربية لمجموعتها »القنطرة« وتحت قنطرة لمعات العلوي وصوتها كان هذا الحديث: ÷ ماذا عن بدايات وظلال الطفولة؟ { هي قصة طويلة لكن بالنسبة لتكويني الفني كانت أمي لحسن حظي رسّامة بذلك عشت في جو مفتوح على الفن والثقافة وكتّاب وشعراء، بإلاضافة إلى أن جدتي من طرف والدتي كانت طرازة وفنانة بالفن اليدوي وهي امية لكنها كانت تملك ثقافة واسعة تصور أنها تحكي قصة ألف ليلة وليلة. وهي بعمرها لم تقرأ هذا الكتاب. وحتى الآن وبعد وفاتها استغرب كيف كانت تحكي هذا الكم الهائل من حكايات وقصص. وكما يقال في المغرب هي التي دقت شوكة أولى عن الأندلس. وهي عندما كانت تنوّمني كانت تغني أغاني أندلسية وتحكي قصصاً وقعت هناك وهي بعمرها لم تشاهد الأندلس، بل سمعتها من خلال أولاد أشخاص شاهدوا هذه الوقائع بذلك. عشت طرفين، طرفا تقليديا عربيا بحتا وطرفا ثانيا معاصرا متوجها نحو الغرب. وأنا شخصيتي هكذا بين شرق وغرب درست الفرنسية في مدرسة وتعلّمت من خلالها كل شيء وبها تكونت شخصيتي ودرست وقرأت العربية لكن تأثرت كثيرا بالفرنسية، لهذا أجد في بعض الأحيان عندي عقدة تجاه الثقافة العربية لأنها تركز كثيرا على الشفاهية والعرب يحملون كل شيء بالذاكرة حتى الأشعار التي لم يقرؤوها بل تجدهم يرددونها وقت ما يشاؤون. أنا لدي ذاكرة شعرية أحفظ محتوى القصائد التي قرأتها ولكن لا أتذكر القصيدة نفسها. ومنذ كان عمري ست سنوات عشت في جو موسيقي وفني حيث كانت دائماً هناك حفلات زفاف ومناسبات، يحضر أشخاص من عائلتها مثلا ابن عمها ملحّن وموسيقي في جوقة أندلسية وخالي كان يعزف على عود وخال آخر يعزف على عود أيضا وكنا نجتمع ونغني »أندلسي«. وفي ذلك الوقت كنت صغيرة لا اعرف ماذا اغني إنما كنت احفظ أشعاراً واغني معهم. كنت لا املك فكرة عن التركيب ولا عن المقامات انما كنت اردد فقط من خلال ما اسمعه عن طريق الأذن. بعد ذلك سمعني في المنزل عازف ورئيس اوركسترا مغربي عاش في المانيا، وكان يرأس فرقة سمفونية فيها، وعندما شاهدني اغني أخذني الى ركن من البيت وأسمعني سمفونية لبتهوفن وسألني بعض الأسئلة اثناء سماعي للسمفونية. وبعدها تحدّث مع امي وقال لها بنتك عندها اذن موسيقية وانا مستعدّ ان اعطيها دروساً دون مقابل. وافقت امي وبدأت معه بالدراسة ولكن كان كل شيء بشكل فردي ودرّسني اربع سنوات خلالها علّمني بتهوفن وموزارت..... وكل هؤلاء من الغرب وبعد اربعة اعوام توفي استاذي في الموسيقى محمد ابو ضرار، الله يرحمه. ÷ كم كان عمرك في ذلك الوقت؟ { ثماني سنوات، واثناء كل عطلة سنوية كنت اذهب الى فاس وهناك حيث الاتصال مع السماع الى الاندلسي واشعار الاندلسيين والشعبي المغربي وجدت نفسي بين هذين الخطين ولكن الذي تأثرت به أكثر كان الخط الغربي لأن الخط الآخر هو تقليدي، وكان بالنسبة لي ديكورا او اكسسوارا، اما الغربي فكان يشدني اكثر وكان يترتب علي ان اعمل مجهودا حتى اكتشفه. وبعد ذلك تعلمت الرقص خلال ثماني سنوات بشكل فردي وعن طريق مدرّسة خاصة. ذهبت الى غرناطة ودرست لسانيات، واثناء دراستي في غرناطة ازداد هوسي بالموسيقى. وكنت أذهب الى سماع الغجر وليالي فلامنكو وهناك في غرناطة كانت ميولي اكثر الى الغرب، لأن تكويني فرنسي وتكويني الموسيقي غربي حتى رقصي كان غربياً باستثناء بعض حركات قليلة للرقص الشرقي والمغربي. وهذا استمر معي حتى وصلت الى عمر 18 سنة، وعندما بلغت 19 سنة كانت اول زيارة لي لقصر الحمراء هذا المكان الرائع الجمال والخارق للعادة. وتكررت زيارتي لقصر الحمراء حيث شدتني الكتابات المحفورة على الجدران من الداخل وهي عبارة عن اشعار بن حيان وبن زيدون...... وعندما قرأت بدأت دموع تنزل من عيني لأنني عندما كنت صغيرة كنا نردد هذه الاشعار في الجلسات الموسيقية الأندلسية مع الاسرة، ولكن لم أكن أعرف من الذي كتبها من أي حضارة جاءت. وفي غرناطة اصبحت في حالة وعي وصرت اتساءل لماذا لم نكن نعطي هذ التراث قيمة وهو حي يتكلم. ومن هنا بدأت كل ميولي تنقلب من الغرب باتجاه حضارة الاندلس وبدأ رأيي يتغيّر فيها، بعد أن كنت اعتبرها مجرد ديكور الا انها في الحقيقة اكثر من ذلك بكثير. اكتشفت هذا الشيء عندما تعمّقت فيه وجدت انه يحمل احساساً وفكراً وجمالاً وفلسفة. وطبعاً درست كثيراً تاريخ الاندلس وفهمت ما وقع فيها، ودرست الشكل الغنائي الاندلسي وقابلت شيوخ هذا الغناء وتعلّمت منهم وهذا اللقاء مع غرناطة وقصر الحمراء جعلني أسلك طريقاً في الغناء الاندلسي مختلفاً عما هو موجود في المغرب. لأن الاندلسي الموجود في التعليم المغربي يدرس بشكل تقليدي فقط يحفظ ويردّد بشكل ببغائي. الذي شدّني الى الطرب الاندلسي هو شعره ومفهومه ورؤيته للحياة والطبيعة وحيويته الموجودة بعد كل هذه السنوات. من هنا قررت أن أغنّيه بطريقة جديدة حتى أُضيف عليه شيئاً وتلبس هذا الشعر صوتي وأدائي إذ منذ صغري كانت هذه الاشعار والموسيقى موجودة في أذني لكن لم أعطها الاهمية والقيمة، وازدادت اهميتها بعد مشاهدتي قصر الحمراء. وهكذا كانت بداية مسيرتي في غناء الاندلسي وكان ذلك في عام 1984. ÷ كان انتقالك من شكل الى شكل اندلسي عند مشاهدتك لقصر الحمراء... هل يجوز القول ان اماكن تسكننا ولو بعد مئات السنين؟ { في حقيقة اتصالي الاول مع قصر الحمراء لم يأت من هذا المنطلق بل شعرت بأنها تكلمني من خلال الاشعار المنقوشة على الجدران وكانت مثل صوت جاء من بعيد وكأنها تذكرني بجذوري وتسترجعني اليها. غرب الشرق ÷ بالنسبة للمستمع الشرقي مع تجربتك هل تواصل والى أي مدى؟ { المستمع الشرقي (عربي ) لا يعرف الكثير عن تجربتي، لأنه في الأساس لم تكن هناك فرصة للغناء في الشرق. ولأن لدي غناءً مميزاً لذلك الشكل الاندلسي المغربي. فهو شرقي وغربي وفي نفس الوقت يحتوي على تأثيرات عديدة، الكردية والفارسية والبزنطية واليونانية والعربية. وكان من ضمن سياسة الامويين في اندلس ان يجعلوا كل شيء مختلفاً حتى يفترقوا عن الدولة العباسية التي كانت مسيطرة في الشرق. لذلك شعرهم وموسيقاهم مختلفة بالنسبة للشرق. هي شرقية وتظهر اعجمية في نفس الوقت. لذلك عندما غنّيت في القاهرة الناس لم يفهموا غنائي بدوا بعيدين عن هذه الموسيقى. انهم تربوا اكثر على أم كلثوم مثلما هو كل تاريخ الغناء المصري الذي بدأ مع ام كلثوم وسيد درويش فضلا عن ان عندهم تأثيرات اخرى كالتركية مثلا. لا ادري. ربما البلدان التي تحب اكثر هذا الشكل هي لبنان وسوريا والمغرب إذ توجد في هذه الدول تقاليد أندلسية. ولا تزال تأثيرات فارسية وبزنطية موجودة في موسيقى هذه الدول. والسبب قد يكون ارتباط الغناء بالموضة كموضة الاغاني الشبابية المرتبطة كثيرا بمصر. اما الغناء الاندلسي القادم من المغرب فهو غربي في الشرق ويسمّى المغرب غرب الشرق وهو في معناه الداخلي غرب الشرق. ÷ في تجربتك تعتمدين كثيرا على حس طبقة صوتية ويظهر الايقاع غائبا. { بالنسبة لتجربتي الموسيقية وشكل صوتي لا يوجد حل وسط ان يحبوهما او ينزعجوا منهما وحتى بعض الموسيقيين الذين يعملون معي قالوا يا امينة من فضلك ايقاعات شويه لان الناس يحبون ذلك. قلت: ليس المهم ان نعمل شيئاً يحبه الناس يجب ان نقدم شيئاً للناس غير متعودين عليه من اجل ان يكتشف المستمع نفسه في شيء آخر. أفكر في ان اقدم عملاً موسيقياً كاملاً بدون آلات. فقط هيام، لأن شكل صوتي هكذا علماً يجب بأنني لا أغنّي روحانيات.. لكن هذا شكل غنائي. لأن نفسي وتكويني وصوتي يتطلب هذا الشكل. عندما ظهرت على المنصة في المغرب حدثت ضجة لأنني اول امرأة تأخذ مكاناً على المنصة، المرأة ما كانت تغني كمطربة اساسية، واختلقوا حرباً استمرت لمدة عشر سنوات حتى اعترفوا بتجربتي. تعودوا على ان تكون المرأة فقط في الكورال ومهمتها ان تردد بعض الابيات مع المغني الاساسي الذي هو الرجل. حتى عائلتي قالت كيف ستغنّين؟ الغناء فقط للعاهرات. قلت لهم فكروا كما تريدون لكن سيأتي يوم تعترفون بي بكل فخر وتحترمونني، إذ ليس بالضرورة ان تكون المرأة عاهرة حتى تغني. ÷ هل هناك تجارب عربية قريبة من تجربتك الموسيقية وهل يوجد تواصل بينك وبين آخرين ؟ { العمل الوحيد الذي تم تعاون فيه هو عملي مع نصير شما وكان حول اشعار صوفية وهو ليس ضمن تجربتي الاندلسية، طلبته مؤسسة فرنسية. ÷ وهل استطاع نصير شما ان يفهم طبقات صوتك ؟ { في الحقيقة كانت مرافقته للغناء ممتازة ولكنه كان محرجاً قليلاً لشعوره بمكانته. فالغناء يشد النظر حتى ولو كان هناك عشرون عازفا. احس بالتالي بثانويته في العمل. لكن اعترف انه عبقري وهو تولّى العزف لوحده وكان أمراً صعباً، وأتمنى ان اعمل تجارب اخرى مماثلة.