As Safir Logo
المصدر:

»جدارية محمود درويش«*: أكتبْ تكن.. إقرأ تجد

المؤلف: كوش عمر التاريخ: 2001-03-23 رقم العدد:8859

يشيّد محمود درويش في جداريته »سماء المطلق البيضاء«، سماء يقيمها كي يغوص في سدوم لا ينفك فيه الميت الغائب عن الالتصاق بالحي الحاضر، ويحيك فيها حلما، يتماهى فيه الغائب والحاضر، الباطن والظاهر، فيلقي بنفسه جانبا، يتركها ويطير حادثا يحلق فوق الأقاليم، كي يستحيل روحا غادرت كينونتها، وجودها المتعين، جسدها المتروك، ولم تسأل أحدا عن وجودها: »أينما« الملقاة هناك في الدنيا، وليعبث »العابرون في يوم عابر« فيها ان أرادوا، ولهم ما شاؤوا من القتل كذلك، فلا شيء يوجع على باب القيامة. لقد سبقت الرسوم الجدارية تاريخيا اللوحة ودخلت إطار الحائط، خط فيها الانسان خلواته وأدواته وأحرفه الاولى. ورسم أشياءه الصغيرة والكبيرة. عمارة ونحتا ورسما. ثم انتقل الرسم الى الصورة والحركة والتشكيل المتعدد بعد ان أدخلها في أطر متعددة. وفي جداريته يرسم الشاعر خطوطا وحروفا وأسماء، ومركبات أحاسيس ومفاهيم، يصور فيها قابلية عالم ما، يتلاقى فيه الواحد مقترناً بالآخر، وتصطف الحشود: الاسم، الموت، الحياة، الروح، الجسد، العدم، اللاعدم، الهنا (الكينونة هنا)، اللاهنا (الكينونة هناك)، الزمان، اللازمان، الوجود، اللاوجود.. الخ، ويبني مقاما لها، تتحايث فيه وتتواجد (plan dصimmanence) حسبما يسميه »دولوز« ثم يبددها ويهوي بها على الارض، يزرعها وينثرها ويفرشها ويلتحفها كي ينام او يموت. ويداوم على حرثها كلما وجدت محايثة، او كلما نادت الارض أبناءها. تنمو الاحاسيس والمفاهيم وتترعرع بشرا وأمكنة. وسطا ومحيطا وبيئة مكتنفة، ويكون ان تنشال بقدرة ما.. عبر انشيالات أفقية وعمودية، شعرا يحاكي الارض: أرض السموات وأرض الكائنات، وشاعرا يهب خطواته للموت في أرض السماوات وأرض الادراكات والانفعالات والمفاهيم. بشر من دخان يصعدون حتى الدرجة الاخيرة في السلم، يبددون في دخان الحلم الطفالي رواياتهم، لتظهر امرأة، »أنا«ه الاخرى، من ريحها او رحيقها ينبثق الشاعر إلهاً او نبياً من بني عامر، يتوحد بها ومعها ولا يدري أي منهما »أنا« ليكون آخرها، فكل نبض فيها يوجعه، ويرجعه الى زمن خرافي، الى مرج بني عامر، الى الجليل، وحيفا ويافا، الى امرأة اسمها فلسطين: أرض الطفولة، وأرض الحلم، وأرض السماوات، وأرض الارض، وأرض كل أرض. قد يكون »جبل دولوز« أثقل كاهل الفلسفة حين جعل وظيفتها خلق المفاهيم الجديدة (دولوز وغتاري، ما هي الفلسفة، 991)، لكن الشاعر (محمود درويش) يؤقلم ما استطاع من المفاهيم والصور والانفعالات. يؤرضنها شعرا، يتناثر هنا وهناك. لكن أين يجد الشاعر المفاهيم والصور والانفعالات؟ في سماء الشعر، وهل هنالك سماء للشعر؟. ربما، ولكن الشاعر يخلقها، فالشاعر هو خالق سماء ومشيّد مقامات للأحاسيس التي يلملمها من المؤثرات الادراكية والانفعالية ثم يركبها جماليا، فيكون الشعر وكما الفيلسوف هو خالق المفاهيم وصانعها كأحداث تحلق فوق الأقاليم كما يقرر »دولوز«، فالشاعر خالق أحاسيس وإذ يخلق الفيلسوف المفاهيم الجديدة، فإن الفلسفة تحول المفهوم الى مفهوم إحساس، بينما في الشعر (والفن بشكل عام) يصبح الاحساس إحساسا بمفهوم. والشاعر بذلك خالق للأحاسيس المفاهيم، من تربة، من حبة قمح، من صلصال مهين، مما يشتهي ولا يشتهي، مما يكون ولا يكون. في كل ذلك يلجأ الشاعر الى اللغة ليسكن فيها وتسكن فيه، بوصفها عالم الوجود. ينسج بها الشاعر نصه او تنسجه في عالمها. يتكلمها او بالاحرى تتكلمه، ثم يبعثر الشاعر نسيجه النصي، واذا شاء يمزقه، ولا يبقى منه غير ظلال لا تمّحي، يسميها »جاك ديريدا«: الأثر او الآثار التي تدوم بعده طويلا، فالشعر يخلق آثاره في مملكة اللغة وتعددية المعنى واختلافاتهما، أي يصنع شعره من مادتها ويبني فيها عالمه. وتتخذ الجدارية الحوار حقلا محايثا لها من أولها الى آخرها، ذلك ان الحوار يتخذ في اللغة موقعا متميزا، ويبدأ الحوار في أول مقطع لها: هذا هو اسمك/ قالت امرأة، وغابت في الممر اللولبي... موجود في اللغة اذا كان وجود الانسان يقوم أساسه في اللغة، كما يقول هيدغر. الا ان اللغة لا تتخذ واقعها التاريخي الحقيقي الا في الحوار (هيدغر، هيلدرن وماهية الشعر، ترجمة فؤاد كامل، 1964)، فاللغة وسيط للتواصل بين الناس، لكن الحوار، كما يعتبره الفيلسوف، هو البعد التاريخي الجوهري لها، وبحسب صوت الشاعر: »أنا حوار الحالمين«، حوار او شعاع، ينسجه نصه الشعري كي يواجه امرأة ويتوحد معها، يتوحد مع جسده، مع كينونته، مع الزمن، مع الموت، مع الحياة.. الخ، يروي فيه حلمه ورؤياه، بوصفه رأى، »وما يتذكر الموتى وما ينسون« حيث تنحل الضمائر كلها: »هو في أنا في أنت«، ورأى ما رآه غيره وما لم يره. وهذا لا يحدث الا في اللحظة التي يتجلى فيها الشاعر مواجهاً مصيره ومحاوراً إياه، فينكشف وجود العالم أمامه: واحد هو، وهو غير ذاته، يظهر في ضوء توحده مع »الحشود«، هو جمع اذا، تعددية ان شئنا، ليس مجرد رقم بسيط، اذاً فهو مفهوم، يجد نفسه حاضرا ملء الغياب، يتفتح الزمان بمختلف أبعاده، وتحضر ذات الشاعر وتستقر: لا تأتي ولا تمضي. في هذه اللحظة نواجه آنيتها، عندها لا ينشطر الزمان الى ماض وحاضر ومستقبل، بل ماض ومستقبل: »لدي ما يكفي من الماضي وينقصني غدٌ..«. ليس في وسع الشعر ان يغير ماضيا يمضي ولا يمضي، ولا ان يشد غدا بعيدا يجيء ولا يجيء، لكنه حلم الشاعر (الفنان) الذي يصارع الموت/ السديم، ينسج في ثناياه عدواً من دخان او رميم، ويحدث ثقوبا في قبته السماوية. او يمزقها ان استطاع الى ذلك سبيلا، ليمرر قليلا من الضوء من خلال ثقوبها كي تتضح الرؤيا، فتضيق العبارة ولا تسعفه الكلمات ولا الحروف الغامضات. وقد يؤسطرها فعلا او وهماً، او يلهو بها، طفلا على الساحل السوري، لكن بكى حين رأى »النساء احترقن بشمس آب«، فمضى الى أرض قصيدته الخضراء، يحاور جسده ويحاور موته، ولا يجد في نفسه سوى الغريب بكل ما أوتي من لغة، يمتلئ حاضره بالغياب، يتسع الكلام ويفيض عن حاجات مفرداته: أنا من تقول له الحروف الغامضات اكتب تكن! واقرأ تجد! أكتب تكن اكتب تكن! لكن، ماذا يتوجب علي أن أكتب كي أكون؟ اكتب اسمك كي تكون أنت، اذا، لكي أكون علي ان اكتب. اكتب كي تكون ذاتك، اكتب كي تكون جسدك، حياتك، ماضيك، مستقبلك، آنيتك. اكتب كي تكون أنت أنت، وكي تكون أنت هو، كينونة في جسد، وجود في الوجود. وجود في الحياة، وجود في العدم، ووجود الوجود. واقرأ تجد! لكن، ماذا يتوجب علي ان اقرأ كي أجد؟ اقرأ نفسك، اقرأ ذاتك، اقرأ كتابك، تاريخك، ماضيك، حاضرك، مستقبلك.. الخ. اقرأ كي تجد، اقرأ تجدك، أي تجد ذاتك، اقرأ تجدني، أي تجد العالم. اقرأ تجده، أي الآخر، قد يكون: وطنا، حبيبا، صديقا، عدواً، إلهاً بالمعنى الميتافيزيقي، او أي كائن يكون. يمكن ان نستخرج من الصيغة الشعرية/ الفلسفية: »اكتب تكن واقرأ تجد« معانيَ ومركبات ودلالات كثيرة لا حصر لها، تتكاثر وتتكثر مكوناتها وتتوالد الواحدة من الاخرى. بتغير الفعل والفاعل او ضميره، او بتغيير الصيغة. ذلك ان اللغة العربية تمتلك سياقات كثيرة بمعنى واحد او بمعان كثيرة، هذه القدرة الهائلة على استخراج التعدد والاختلاف في المعاني والدلالات أسماها الفلاسفة: القدرة على التفلسف، بوصف الفلسفة حركة اللامتناهي في السرعة والانسراع والتحليق والانبساط والاحتواء والتخطيط والتأطير.. الخ وما ليس هذا وليس ذاك. في هذه الصيغة يؤسس الشاعر محمود درويش مفهوما شعريا/ فلسفيا، لنقل مفهوما فنيا، يمكن استعراض مستويين، يؤطرانه. الاول: في صيغة »اكتب تكن« التي تجمع بين فعل الكتابة وفعل الكون، والثاني في صيغة »اقرأ تجد« التي تجمع بين فعل القراءة وفعل الوجود. يحيل المستوى الاول الى أسبقية الكتابة على الكينونة اذا أخذنا بما تقوله الميتافيزيقا، لكن المفهوم »الدرويشي« الذي يربط بين فعلي الكتابة والكينونة، لا تعنيه الاسبقية، كون الاسبقية لفظية بينهما. ولا تحاول بناء تراتبية ما. كما يحلو للميتافيزيقا ان تفعله. اذ هي تعطي الكلام أسبقية على الكتابة، وفق تمركزها الصوتي الذي سبق ان خلخله »ديريدا«. أما في »المفهوم« الشعري فإن الكتابة هي شرط تحقق للكيونة، شرط وجود (كيونة): الذات، الغير، العالم، فضلا عن وجود الإله، ووجود الارض والاقليم والتاريخ.. الخ. بينما يحيل المستوى الثاني الى ترابط فعل القراءة وفعل الوجود. لكنه باعتقادي مجرد تنويع للترابط الاصل في المستوى الاول من المفهوم، فالقراءة تأويل للنص المكتوب، او قل كتابة ثانية، بينما الوجود دال على الكيونة، اذ الكيونة هي الوجود في تحققه او هي الوجود المتعين بالفعل. وان أردت القول فافعل. وعلى الإجمال فإن هذا المفهوم يحيل الى قول إشاري حواري، يأخذ صيغة جملة شرطية، ويحتوي على مكونات الكتابة والكينونة بوصفها أفعالا تستند الى موروثنا الثقافي العربي الاسلامي، أما مرجعه فينهل من الحداثة ومنجزاتها العربية المتعددة، خاصة قولها الفلسفي المجسد بالكوجيتو الديكارتي الذي ترجم الى العربية في صيغ عديدة. آخرها ترجمة »طه عبد الرحمن«. التي أسماها الترجمة التأصيلية. في صيغة »أنظر تجد« (طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة، ج10، 1995). لكن الحروف الغامضة تحيل الى المفهوم، الى اللغة التي تقول الاشياء، اشياء العالم، هذا العالم الموجود في الزمن. لكن الزمن لا ينتظر أحدا ولا شيئا. ومن تأخرت ولادته فإن لا أحد ينتظره، فالماضي كما هو، لا يُقاد ولا يقود، ولا يتبقى منه غير آثار لا تذوب وذكريات. ويمكن ان نضيف مركبات عديدة للمفهوم الذي تقوله الحروف الغامضات، مثلا: اكتب تكن أنت في هذا الزمان، واقرأ كي تجد نفسك هذا الزمان.. الخ، وحين نضيف الزمن الى المفهوم فإنه سيتغير ويصبح مفهوما جديدا، وكان »كانط« قد أضاف الزمن الى الكوجيتو الديكارتي »أنا أفكر، إذاً، أنا أكون«، وبنى بذلك مفهوما جديدا: أنا الذي أفكر، وبذلك أنا فاعل، لي وجود لا يتحدد الا داخل الزمن، كوجود لأنا منفعل، أي كذات منفعلة. وهكذا تتحول الأنا الى آخر، وقد يتحد الضدان في المعنى، والذات تصير آخرا، فأنا الشاعر في القصيدة تتحد مع الآخر، لذلك نجده يتساءل: من هي ذاته ومن هو آخره؟، أين هي حدود »الأنا« وحدود »الغير«؟ هل أنا هو؟ هذه لغتي، وهذا الصوت وخز دمي ولكن المؤلف آخر.. لغة داخل اللغة في الإنشاء الشعري او لنقل الخلق الشعري، يستخدم الشاعر الكلمات والحروف، ويركبها جماليا ليخلق منها صياغات تعجنها الإحساسات، وهذا يجعل اللغة ترتعش وتثغثغ او حتى تغني وتهتف تصرخ، وهو ما يتميز به شعر محمود درويش، اذ نجده يستبدل انفعالاته ومختلف مؤثراته، من مشاهد ووجوه ورؤى وصيرورات. بحقول او مركبات إحساسات تحل محل اللغة، فتنشأ بذلك لغة اخرى داخل اللغة، تنادي شعبا للمجيء وأرضا او وطنا كي يستريح. ولأجل ذلك يطوع لغته، يبعثرها ويجعلها تهتز ويحضنها وقد يمزقها كي يحصّل منها ما يريد من إحساسات تجسد العذاب الانساني المتجدد. لم تكن لغتي تودع نبرها الرعوي الا في الرحيل الى الشمال كلابنا هدأت. وما عزنا توشّح بالضباب على التلال. وشجّ سهم طائش وجه اليقين، تعبت من لغتي تقول ولا تقول على ظهور الخيل ماذا يصنع الماضي بأيام امرئ القيس الموزع بين قافية وقيصر... لذلك لا يجد الشاعر في نهاية رؤياه سوى تدوين حروف اسمه في جداريته، وكتابة او رسم أشيائه الصغيرة، جسده وخطاه ومحطة الباص وجدار البيت والهواء الرطب، فقد تعب من الموت وتعب من الحياة، ويريد الرجوع فقط الى لغته لأنها الشيء الذي يخاف عليه، ملاذه الاخير، وهي الوحيدة له، أما ما تبقى من الاشياء، حتى ذاته، فليست له: أما أنا.. وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل فلست لي أنا لست لي أنا لست لي... * محمود درويش: جدارية محمود درويش، دار رياض الريس، لندن، 2000.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة