As Safir Logo
المصدر:

»خارج المكان« السيرة الذاتية لادوارد سعيد رحلة مواجهة مع الذات ومكامن الوجع

المؤلف: الرحبي ميّة التاريخ: 2001-03-19 رقم العدد:8855

الكتاب: »خارج المكان«. الكاتب: ادوارد سعيد. المترجم: فواز طرابلسي. الناشر: دار الآداب، بيروت. لعل الانطباع الاساسي الذي يخرج به القارئ لمذكرات المفكر »ادوارد سعيد« والمعنونة ب»خارج المكان« هو الاستغراب والدهشة. ويعود ذلك ربما الى توقع القارئ مذكرات تعج بالاحداث العامة والرؤى السياسية، ليفاجأ بصفحات مغرقة بالخصوصية، الى حد يمثله قول احد اصدقاء سعيد في مقدمة الكتاب »كأنك جالس امام طبيب نفسي«. بجرأة وصدق كبيرين يعري ادوارد سعيد ذاته امام القارئ حتى ليكاد الاخير ان يغضي خجلا وهو يرى الى هذا العري لقامة كبيرة كإدوارد سعيد. في رحلة مواجهة مع الذات يسرد ادوارد سعيد سنوات طفولته ونشأته بمعاناتها الكبيرة التي تتلخص ربما بعنوان عريض »اللاإنتماء«، فطفولة سعيد موسومة بذلك العنوان في كل لحظة منها، اذ انه وهو الفلسطيني المقدسي، لم يتح له القدر الظالم سوى لحظة ولادة وبضع اشهر متفرقة عاشها في حضن مكان شعر بانتمائه إليه حقا، اذ حرم بسبب اقامة والده في القاهرة من العيش في احضان وطن، وحرم بالتالي بعد نكبة 1948 حتى من رؤية هذا الوطن. غربة بانفصال كامل عن البلد وهمومها وناسها يعيش ادوارد سعيد طفولته في القاهرة ضمن أسرة من طبقة كولونيالية تذكرنا باجواء تلك الأسر في روايات اميركا اللاتينية، ورغم ان شذرات من حياة تلك الطبقات المعزولة عن المجتمع وصلتنا من بعض الروايات المصرية، إلا ان هذه اول مرة. بالنسبة إلي على الاقل. يتاح من يصفها لنا من الداخل. فأناس هذه الطبقات كانوا يعيشون في مستعمرات معزولة، لا تكاد علاقتهم بالبلد وأهله وحياته تختلف عن علاقة سائح ينظر إليه من نافذة طائرة مارة بأجوائه. ورغم البحبوحة المادية الكبيرة والامكانيات التي اتيحت للطفل ادوارد للاستمتاع بكل ما يخطر في البال (مدارس راقية، نواد، مسابح... الخ) لكن نجد ان المعاناة والألم هما السمتان الاساسيتان لطفولة أقل ما يمكن ان توصف به بأنها معذبة، فالسعي المحموم من قبل والديه الى الانتماء للمجتمع المصغر الانكليزي او الاميركي (اللذين وجدا في القاهرة في تلك الفترة)، قوبل دوما برفض استعلائي لهما، مما جعل الطفل ادوارد يشعر بالغربة دائما في المدارس الانكليزية او الاميركية التي درس بها، والتي نظرت إليه دوما بوصفه العربي ورفضت ان تمنحه شرف الانصهار في مجتمعها، وبقي هذا الاحساس متأصلا في نفسه بعد انتقاله للعيش في اميركا لمتابعة دراسته بعد بلوغه السادسة عشرة من عمره. فترات الصيف التي كان يقضيها الطفل ادوارد مع أهله في ضهور الشوير في لبنان كانت أقل غربة، فقد كان أهله وبالتالي هو، يختلطون بالناس والجيران والبقال واللحام والسائق... الخ. دون حواجز، لكن غربة من نوع آخر كانت تثقل على صدر ادوارد، وربما أهله ايضا بعدم انتمائهم لتلك المجموعة المسيحية المتعصبة المعادية للعروبة والاسلام، والتي تنامت في تلك المنطقة، وغيرها من المناطق اللبنانية، وهيأت بالتالي للحرب الاهلية البغيضة. ذكريات مؤلمة يصف لنا ادوارد سعيد بدقة اشكالية العلاقة الاوديبية بالأم، والعلاقة بالسلطة البطريركية الابوية، وما تركته هاتان العلاقتان من ندوب لا تمحى في روح طفل حساس رغم مشاكسته. تأخذ العلاقة بالأم والأب حيزا واسعا من صفحات هذه المذكرات، فهذان الابوان اللذان عانيا لا شك هما ايضا من اشكالية الاحساس بالغربة واللانتماء والرغبة المستميتة للانضواء تحت راية استعمارية لا تعترف بهما، عكسا هذه الاشكالية على علاقتهما بابنهما الوحيد، فرغبا في ان يصنعا منه شخصا ينتمي قلبا وقالبا الى تلك الثقافة التي رفضتهما، ومارسا ضغطا لا يحتمل على الطفل الذي ناء تحت ثقل اكوام من الدروس والتمرينات. مقابل تلك المساحات الواسعة التي افردها سعيد لعلاقته بأبويه، نلحظ غيابا واضحا ومستغربا لشقيقاته الاربع اللاتي لا يرد ذكرهن إلا لماما وفي عارض الحديث عن اشخاص آخرين، وبجمل مقتضبة، ورغم ان الكاتب برر ذلك مرتين بمحاولات الأم جعل الجميع يدورون في فلك حبها في علاقات ثنائية بينها وبين كل واحد من ابنائها، مما خلق حواجز لم تستطع السنون محوها بينهم، إلا ان القارئ يستغرب حقا الا تحوي طفولة سعيد على حادثة واحدة مع احدى شقيقاته تستحق الذكر، وكأنهم فعلا لم يعيشوا معا تحت سقف واحد. »خارج المكان« مذكرات تعج بالذكريات المؤلمة، بل تكاد تقتصر عليها، بحيث يتساءل المرء، ألم توجد في حياة هذا الطفل، فالشاب فيما بعد، لحظات سعيدة علقت بذاكرته؟ ولكن يبدو ان ادوارد سعيد كان بحاجة لمواجهة مع الذات، لنبش كل تلك الاحزان والتقاطها كشوائب عكرت صفو حياته، فآل على نفسه ان يكون صريحا واضحا مع نفسه وكأنه ممدد على سرير طبيب نفساني، يبوح ويبوح بكل عذابات تلك الطفولة الموسومة بالغربة واللاانتماء، وربما كانت محاولته اشراك القارئ في سبر اغوار النفس بمثابة ذلك البوح الذي يحتاجه المرء امام إنسان أليف تربطه به علاقة حميمة، وهل هناك علاقة الكاتب بقارئ يلامس كلماته؟ ربما كنت انتظر كقارئة ان يحكي لنا ادوارد سعيد ذكرياته بنظرة المفكر صاحب القضية، بحيث توقعت ان تكون الخلفية العامة اكثر تواجدا لافاجأ بذكريات شديدة الخصوصية، وربما كنت معنية اكثر كقارئة بالاطلاع على ذكريات سنوات النضج الفكري والتكون السياسي لمفكر تبنى قضية شعبه رغم بعده عنه، لكن ادوارد سعيد آثر ان يشاركنا كقراء في تلمس مكامن الوجع في طفولته، ونجح في ان يوصل لنا جرعة المعاناة التي كابدتها روحه الشفافة. يخلص الكاتب في نهاية مذكراته، وبعد تلك المكاشفة الى انه بقي حتى اليوم خارج المكان إلا انه لم يعد معنيا بذلك، لكنني اعتقد ان تلك المعاناة من اللانتماء هي التي ساهمت في خلق ادوارد سعيد المفكر الفلسطيني الهام، الذي وجد نفسه »داخل« قضية شعبه، و»داخل« حلم الوطن الضائع، وهو الذي لم يؤمن يوما بانتماء طبقي او طائفي، فانتمى الى افكار سامية ولم يعد »خارج« المكان بل داخل »الفكرة«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة