As Safir Logo
المصدر:

ملاحظات في شعر سعدي الشيرازي طوبى لمملكة الفقر

المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2001-03-09 رقم العدد:8847

ظهر سعدي الشيرازي في العصر المغولي (عصر هولاكو وابنه)، وهو عصر تفكك الدولة العباسية (الاسلامية)، وسقوط بغداد بأيدي التتار الوثنيين، وانتهاء المستعصم، آخر خلفاء بين العباس على ايديهم، ما دفع سعدي لكتابة قصيدة بالعربية من واحد وتسعين بيتا على الوزن الطويل في »بكاء بغداد«، وهو وزن رثائي على العموم، بقافية رائية. ومطلعها: »حبستُ بجفنيَّ المدامع لا تجري فلما استطال الماء أشفى على السكرِ« والبيت الثاني فيها: »نسيم صبا بغداد بعد خرابها تمنيتُ لو كانت تمر على قبري« وهي قصيدة تنطوي على نفس شعري متواضع، من حيث الصيغة والضربات الابداعية، برغم جلالة الحدث والحزن الذي يعتصر قلب الشاعر، إلا ان هذا الألم الكبير لم يفجر شعراً كبيراً، فالقصيدة تترجم بين تأملات ذاتية ووصف لخراب بغداد وضواحيها كالمستنصرية وعبادان، وذكر دجلة الذي يسيل الى البحر كدمٍ قان: »وقفتُ بعبادان أرقبُ دجلة كمثل دمٍ قان يسيل إلى البحرِ« ومديح لبني العباس وأسف على المستعصم، وذكر للشهداء والسبايا ودعوة اخيرة للاعتبار والزهد والتأمل، على عادته في كل اشعاره الفارسية والعربية، فهو »أعظم شعراء إيران في الوعظ والنصيحة« كما يقول عنه »هرمان إته« في مقالة له بعنوان »حياة سعدي وإنتاجه«، وفي الكلام على هذه القصيدة لسعدي (بالعربية) ولعلها اشهر قصائده بهذه اللغة، يحسن ان نقول إن منسوب شاعريته بالعربية، ضئيل، فهو على العموم يظهر بصورة معلّق على ما يجري، ولا يخلو شعره من برود وتكلّف كقوله: »رعى الله إنساناً تيقّظ بعدهم لأن مُصاب الزيد موجرةُ العمرو« وكذلك الحكمة، فهي غير حارة لديه، على غرار حكم المتنبي، فهو يقول: »بشكر الرعايا صين من كل فتنة وذلك ان اللُبّ يُحفظ بالقشرِ ولا سيما قلبي رقيقٌ زُجاجُه وممتنع وصلُ الزجاج لدى الكسرِ« فأنت تلاحظ برودة النظم لحكم قوية المعنى. ولعل اجمل ما قاله سعدي في شعره العربي قاطبة، هو ربع شطر من بيت في قصيدة »بكاء بغدادي« يقول فيه »... طوبى لمملكةِ الفقرِ« والبيت هو: »إذا كان للإنسانِ عند خطوبه يزول الغنى، طوبى لمملكةِ الفقرِ« مقارنة باطلة وهذا الرأي في اشعار سعدي العربية القريبة من امثال لافونتين (Fables) وكليلة ودمنة لابن المقفع، من حيث بناؤها على حكاية وعظية، نلتقي فيه مع نقاد لشعره ونفترق فيه عن نقاد آخرين. فمن باب المبالغة الفاقعة، على سبيل المثال، تلك المقارنة الطويلة النفس التي عقدتها الباحثة أ. ابراهيم بين »المتنبي وسعدي«، ترى فيها نسباً إبداعياً بين الشاعرين. ذلك ان المتنبي اولاً شاعر قوة وجبروت متجليين في لغة شاهقة وقاطعة في العربية، في حين ان سعدي شاعر تأمل وموعظة وغزل وبعض تصوّف، بلغة منظومة نظما في العربية لا مبتدعة ابتداعاً. فلدى المتنبي جزالة ولدى سعدي بساطة، ولدى المتنبي حكمة صاعقة ولدى سعدي كلمة هادئة، ومدائح المتنبي للملوك والامراء مدائح لذاته ونرجسيته المتمثلة بكل وجوه العظمة ورموزها ومفرداتها، ومدائح سعدي وعظية خافتة، بل هو شاعر لاذاتي، غيري، اعتبره الناقد »محمد علي إمامي« »معلماً للأجيال«، من حيث المساحة الانسانية العامة التي تناولها في شعره، من وجهة نظر اخلاقية وتعليمية بشكل خاص، كما سماه غلام حسين يوسفي »عاشق النوع الإنساني« لهذه الجهة، واهتمت به المحافل الادبية الغربية وترجمته باكراً الى لغاتها. مثمنة هذا النبض الانساني بالذات في شعره، في حين ان ترجمة المتنبي للغات الاخرى تفقده وهج العربية وموسيقاها... وهو ما يفرّق بين سعدي والمتنبي في كل حال. والصحيح هو ان سعدي استفاد، بحكم معرفته للغة العربية، من بعض معاني وصُور المتنبي وأدخلها في شعره الفارسي بشكل خاص، وهو ما يسمى، كما ورد في دراسة أ. ابراهيم المشار إليها آنفاً: »تبادل المواقع« او ما يعرف في الاصطلاح العلمي في الأدب المقارن بتأويل الاديب لما قرأه في أدب امة اخرى، وتفسيره له، وتوظيفه توظيفاً آخر، والمثال على ذلك ما قاله سعدي في قصيدة غزل، حيث يذكر انه »لن اقوى على لمس اطراف طرّة الحبيب، ففي كل ثنية منها قلوب محطمة«، ما يذكّر بصورة المتنبي القائلة: »... فصرتُ إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال«. وهذا »التبادل للمواقع« يتم بين شعراء من لغات متباينة، فالشاعر الالماني »فون أرنت« يقول (وذلك من ترجمة عمر فروخ نظماً): »والذي أنبت الحديد من الأرض أبى ان يكون في الأرض عبدا«. ما يذكّر ببيت أبي العلاء المعري القائل: »والله من خلق المعادن عالمٌ أن الحداد البيض منها تُصنع« كما أن قول الشاعر الفرنسي ألفريد دي موسيه بالفرنسية: زLصhomme revient toujours/ ˆ ses premier amoursس ومعناها: »المرء يعود دائماً الى حبه الأوّل«. هو نفسه قول أبي تمام: »كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأوّل منزل«. فثمة بلا ريب، نقاط في التقاء المعاني لدى شعراء الأرض جميعا، وذلك ليس مبررا كافيا لعقد مقارنة بين شاعرين او اكثر، من لغات مختلفة، نظرا لكون الشعر زهرة اللغة، ولكل لغة زهورها الخاصة بها. شاعر العربية وإنني في قراءتي لمختارات من شعر سعدي بالعربية، وهي قصائد »عدوان العين« و»صيحة الوجد« و»نسيم النعيم« و»محراب شماس« و»رحمة الافلاس« و»جلال الشوق« و»بكاء بغداد« لم اجده اكثر من نظّام متوسط في العربية، وهو متأثر على العموم بالمناخات الفارسية فيها اكثر من تأثره بالعربية، فإذا اقترب منها، فهو يقترب من مواعظ أبي العتاهية وزهدياته، ومن بعض شعر ابن الفارض الصوفية كقوله: »تعذّر صمت الواجدين فصاحوا/ ومن صاحَ وجداً ما عليه جناحُ« وقوله: »أكاد إذا تمشي لديّ تبختراً أموت وأحيي إن مررت على قبري«. ولعل من اجمل ما كتب قوله في مطلع قصيدة »محراب شماس«: »قوما اسقياني على الريحان والآسِ إني على فرط أيام مضت آس«. وذلك لم يمنع ناقدا معتبرا كالدكتور احسان عباس من ان يلاحظ او يفترض ان كثيرا من شعر سعدي بالعربية ربما ضاع، وانه، كما يقول »لو لم يكن لسعدي إلا رائيته في رثاء بغداد بعد اجتياح المغول لها، لكانت وحدها كفيلة بالافصاح عن قيمة هامة لهذه المجموعة من الشعر«. ذلك ما لا نتفق بالطبع فيه مع الدكتور عباس، ويقف في الصف المناقض لرأيه، الناقد الدكتور حسين علي محفوظ الذي »يذهب الى أبعد حدود التقليل والحط من شأن شعر سعدي العربي« فقد وجده »ضعيف المنة، منحط الرتبة، معيب اللفظ، مستهجن العبارة والتركيب، لم يحظه الجد ولم يساعده حسن التوفيق فيه«. فنظمه العربي على العموم حكمي وعظي وصفي بارد وملتزم كقوله: »ما دام ينسرح الغزلان في الوادي إحذر يفوتك صيد يا ابن صياد لا تعتبنَّ على ما فيه من عظة إن النصيحة مألوفي ومعتادي«. والمبالغات الفجة في تسميته »شاعر العربية الكبير« مثلا، واعتبار المستشرق الانكليزي براون ان السائد في إيران والهند ان القصائد العربية التي انشأها سعدي جميلة جدا« (وهو مستشرق على كل حال)، هذه المبالغات رفضها ناقد إيراني هو الدكتور جعفر مؤيد الشيرازي معتبراً انها تنطوي على المبالغة والتهويل في شعر متوسط وإذا كان لنا، وهو حقنا، ان نتوسع ونفصل في شعر سعدي الشيرازي المكتوب بالعربية (لأنها لغتنا التي نعرفها معرفة كبيرة)، فإن شعره المكتوب بالفارسية (وقد ترجم جزء كبير منه الى العربية بمستويات متفاوتة، من بين المترجمين نظما الدكتور فيكتور الكك رئيس مركز اللغة الفارسية وآدابها في بيروت، فقد ترجم له قصيدة »رفتار زيبا« ب»مشية حسناء«، ومحمد الفراتي وقد ترجم له قصائد »الزهر المطلول« و»سهد وعشق« و»صنم يعبد« و»الكذب النافع خير من الصدق المفتن«، و»فداء العشق« و»القحط يُنسي الحب« و»تواضُع عليّ«، وقام بنقلها عن الفارسية مباشرة، نظما جيد السبك لا يخلو من إشراقات شعرية، كقوله: »أسعديُّ لا تأمل نجاة سفينة من الموت حادي الموت في صدرها غنّى« وقوله: »ولم أرَ في حسناء قدرة جفنها على الفتك وا قلباه ما أفتك الجفنا« وقوله في مطلع قصيدة غزل صوفي: »وروْيةً هاتِها يا ساقي الراحِ وافرح ولا تلتفت يوماً الى اللاحي ما دمت بالزهد لم ألقَ الفتوح فما بالي أحلم كالمجنونِ أقداحي«. وما كتبه من شعر بالفارسية، وهو أصل اهميته وشهرته، متروك لرأي النقاد العارفين بهذه اللغة، حيث رأى الدارس »هرمان إته« ان في بعض شعره تتجلى الروح العيسوية المسيحية لجهة المحبة والتسامح. ولعل ذلك من جملة ما دفع المحافل الادبية الغربية للاحتفال به باكراً وترجمة أشعاره الى لغتها. فقد نقلت الى اللاتينية والفرنسية والانكليزية، فضلا عن اللغات الاوروبية الشرقية كالصربية والكرواتية، وفكرة الغرب عنه على العموم انه »شاعر إنساني هادئ ومعتدل«، وقد كان أوّل من ترجمه للفرنسية Andrژ de Reyer »أندريه دي ريير« ترجم له »ّلستان« العام 1634م، كما ترجم للانكليزية والصينية، والهندية، وحين احتل الانكليز الهند تعرفوا الى أخلاقيات وعادات مسلميها من خلال اشعار سعدي في »ّلستان«، كما أن الناقد الاميركي بنيامين فرنكلين يذكر ان احد الروحانيين المعروفين ويدعى جرومي تيلا ظن بعض حكايات ومقاطع »ّلستان« جملاً من التوراة... وقد دمج الغربيون على العموم حكم ومواعظ سعدي بالكتب السماوية. وأشعار سعدي الفارسية على العموم، تغنّي مكارم الاخلاق، وهي حكايات بين واقع وخرافة وتاريخ تنطوي على العقل والحكمة والعشق العرفاني. ويعد عرفانيا، ادنى مستوى من جلال الدين الرومي ومن حافظ الشيرازي الذي غالبا ما يقارن به، نظرا لانتماء الشاعرين الى شيراز، فهو في النتيجة، كما يقول فيه »يان ريبكا« »شاعر اخلاق«، إلا انه (وهذه سمة من أبرز سماته)، »شاعر غير بغيض فيه مزيج من مزاج وشغب وشيطنة«، ويقوم إنتاجه الادبي على انواع من الشعر الغنائي والحماسي والتعليمي وعلى النثر البليغ الفصيح، ولم تكن الحماسة البطولية تنسجم مع طبعه الميّال الى الهدوء«. وهو في شعره، قصاص ماهر، وشاعر تعليمي، في الغزل والحكمة والموعظة وربما كمن جزء من جاذبيته في تناقضاته، ولا يترك النصيحة حتى في الغزل، كما لا يترك الظرف حتى في الموعظة. يقول في ّلستان »سأمزج دواء النصيحة المر بشهد الظرف« وهو طالما حنّ الى طيش الشباب فيقول في لطف: »دع عنك جلال الشيخوخة والعلم والفضل والادب/ لبيك يا جهل الشباب ويا عهد الغرام والافتتان«، ويقول: »طالما تمنّت نفسي معاقرة الخمر مع الشباب/ حتى يلحق الاطفال في المعابر بهذا الشيخ الثمل«، لكن هذا التهتك (السعدي) اذا صح التعبير ليس سوى جزء من ظرف اشعاره في ّلستان، هذه الاشعار التي تنضح اكثر ما تنضح بروح دينية إسلامية في المثل الحسن والنصيحة واتباع الصراط المستقيم... فسعدي اولاً وأخيراً، شاعر تربية وأخلاق، وليس اكثر من ذلك.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة