عن سؤال حول ما إذا كان هو وجاك لاكان يعطيان »الحق« لجيل دولوز وغاتاري في نظريتهما، في كتاب "Anti-oedipeس، التي ترفض القول بوجود »لا وعي« عند الانسان، اجاب مصطفى صفوان مختصرا بالقول: »انا لا اعطيه الحق، كيف سنرى تأثير الاوديب في العيادة وكيف ستكون Anti-oedipe في الوقت نفسه، هذه نظرية لها جذور فلسفية وايديولوجية«. ولعل مثل هذا الرد، الذي يعبّر عن موقف التحليل النفسي وعلم النفس بعامة، من الفلسفة، مباشرة، الى تلك الخصومة التاريخية، التي لم تنته، بين الفلسفة وعلم النفس. فالفلسفة ما زالت تنظر إليه باعتباره »الابن العاق«. وعلم النفس، في القسم التحليلي منه على الاقل، بدوره، لا يجد عنده مطرحا »لتبكيت الضمير«، اذ يستند، في الاساس، الى مقولة »قتل الأب«. وبين التحليل النفسي، تخصيصا، والفلسفة، ثمة نقاط خلاف كثيرة تفي »بغرض« مواصلة الخصومة، على النحو الذي يجعل كل واحد منهما لا يوفر اي فرصة للاشتباك. ...في تحليله لعينات من التحليل النفسي الذي اجري على حالات عيادية، منها تحليل فرويد لحالة الطفل »هانس« وتحليله لحلم »يونغ«، ومنها ايضا تحليل ميلاني كلاين لحالة الطفل »رتشارد«، يقول جيل دولوز ان التحليل النفسي يتحول تلقائيا الى مؤسسة سلطوية تسلطية بتعمده قطع الطريق على الرغبة، بل قطعها بإيقافها ومن ثمة تحريفها او تشويهها، بجعلها تستسلم للانضباط داخل النظام. فهو يقف بقوة في مواجهتها ويخضعها لقانون وليس القانون، أولاً وأخيرا الا رومانيا، شيشرونيا (...) والمحلل النفساني، في رأي دولوز، اقل قدرة من العسكري او من المختص في رصد الاحوال الجوية على التعاطي مع اسم العلم وضبطه بالدقة المطلوبة. والتحليل النفسي سلطة قمعية من جهة كونه يُسكت، يمنع الصابر (او المريض، الحالة العيادية، الزبون) عن الكلام بأن يوقف الملفوظ عند مفردة ما، علامة ما، جملة ما، في حين ان الانسان إنما يلجأ الى التحليل النفسي معتقدا انه، على الاريكة، يضمن فرصة التكلم. ان المحللين النفسانيين، يقول دولوز، من خلال تعليم الاستسلام في ابعد حدوده، ليسوا سوى »آخر الكهنة«، يتسمون بنظرة ميتة ولها رغبة لديهم في الضحك ولا دافع للانشراح، باستثناء جاك لاكان الذي لا يجد مهربا من الاعتراف بأنه اذ يضحك فإنما لأنه مجبر على ذلك. وهم في وظيفتهم يشبهون الصحافيين، اذ هم ايضا يصنعون الحدث. اضف الى ذلك كونهم نفعيين، اذ يقبضون أجورا مقابل تحملهم ما يسمعونه من »المرضى«... لا حاجة للتحليل النفسي يعترض جيل دولوز على ما يقوله المحللون بصدد الدور الذي يقومون به وعلاقتهم بالحالة العيادية، اذ يتبنون فكرة مفادها ان وظيفة المحلل هي في ان يمكّن المحلَّل من ان يحلل حالته بنفسه. ووجه الاعتراض هو انه ما دام المحلَّل يعرف ما يعرفه وما سيقوله المحلِّل فما الحاجة، اذاً، للتحليل النفسي، اصلا؟ ...ليس ثمة »لاوعي« لدى الانسان بالمفهوم الذي يبني عليه التحليل النفسي منذ فرويد، الذي يعتبر هذا »اللاوعي المزعوم« خزانا للرغبات المكبوتة، للمنمط منها والمقموع والهاجع من الذاكري الاستيهامي، والذي بناءً عليه تعاد صياغة وإنتاج صور ذاكرية عن الطفولة. و»اللاوعي« كما يقول دولوز، لا يملكه الانسان، ولا يستطيع امتلاكه اطلاقا. وعليه فإن من اللابدي قلب الصيغة الفرويدية للاوعي رأسا على عقب. ومن ثمة فإن على الانسان ان ينتج اللاوعي »فاللاوعي ليس مسرحا بل مصنع، آلة منتجة. واللاوعي لا يهذي حول »ابي امي«، بل حول الأجناس والقبائل والقارات والتاريخ والجغرافيا. انه يهذي، دائما، حول حقل اجتماعي«. (...) ثم، ما الانا ارغب الفرويدية؟ ما الرغبة بكل بساطة؟ هل توجد الرغبة خارج آلة تنضبط فيها وتحكم إخراجها، إظهارها على نحو من »النسيق المحدد«؟ يطرح دولوز مثل هذه الاسئلة المتعلقة »بالرغبة المكبوتة« ليبين ان الرغبة هي الرغبة البسيطة التي تمنع بساطتها وتحول دون ان تكون هناك ضرورة لإخضاعها لأي تأويل هو بالاصل سلطة وسياسة عسفية ضد السياسة. ولماذا التأويل ما دامت الرغبة جد بسيطة؟ فالنوم والاستماع للموسيقى او إنتاجها، الكتابة، التنزه والربيع والشتاء والشيخوخة... كلها رغبات. وليس الموت نفسه، ايضا، إلا رغبة. والرغبة على هذا الأساس، ليست موجودة لكي يتم تأويلها بل لكي يتم تجريبها، كما يقول دولوز الذي لا يفوته ان يقرر ان »التحليل النفسي نرجسية معممة، منظمة ومقوننة«. (...) هل تكون مسألة هذه الخصومة بين الفلسفة والتحليل النفسي سببها مجرد »رغبة« في الفلسفة بعدم »الاعتراف« ام ان الامر يتعلق بسندات ومرجعيات خاصة لما يجدها التحليل النفسي وعلم النفس بعامة بعد؟ يبدو التحليل النفسي مؤيدا لمزاعم الفلسفة من خلال إعفائه المحلل من اي دور ما دام يقر بأن وظيفته هي فقط تمكين المحلَّل من تحليل نفسه، ثم هل يكون علم النفس الفينومينولوجي قد وجد التسوية من خلال التأكيد على ان »الفلسفة هي علم النفس الصارم« (هوسرل)؟ اذا كان الأمر كذلك فإن التحليل النفسي والعيادة لا وجود لهما خارج الفلسفة او بمعزل عنها.