As Safir Logo
المصدر:

يغدو الأب ضعيفاً فتبرز أمراض نفسية أخرى ويعتبر المنحرفون أنفسهم جماعات طبيعية فيقل الطلب على التحليل النفسي مصطفى صفوان: الخطاب السياسي العربي قائم على تشبيه المجتمع بالعائلة، وهذا خطأ منذ أرسطو

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2001-03-02 رقم العدد:8843

مصطفى صفوان بالنسبة للفرنسيين أحد لامعي المدرسة الفرويدية وفي فرعها اللاكاني خاصة. وهو أيضاً قطب له تلامذته وحواريوه. أما بالنسبة للعرب فمصطفى صفوان مترجم الأثر الفرويدي الضخم »تفسير الأحلام«. ورغم فضل صفوان الكبير في هذه الترجمة فإن صفوان العربي لم يتعدَّها. الأرجح أن متابعته العربية قلّت مع السن ومع الانشغال. صفوان اليوم في ثمانينياته، لكن مَن له علمه وتجربته لا تعدو عليه السن. ليس يقظ الذهن والعبارة والحضور فحسب، بل هو كلي لا تعدو فرنسيته على مصريته، ومصريته لا تبدو في عبارته فحسب بل في حضوره وحركته. وإذا كان قليل المتابعة كما يقول للثقافة العربية اليوم إلا أن أواصره لا تزال قوية. مستقبل الفرويدية والتحليل النفسي كان هو السؤال وهو موضوع هذا الحوار: السؤال مجددا: ما هي قدرة البسيكاناليز الفرويدي الذي يعود الى القرن التاسع عشر على ان يدخل العصر الحديث وما بعد الحداثة والعالم الآخر الذي نحن فيه؟ أي حضارة دائما فيها قوانين تتعلق بالزواج والقرابة، وتختلف اختلافا كبيرا من مناطق حضارية الى مناطق حضارية اخرى، ولكنّ ثمة مشتركا فيها، إذ رغم اختلاف القوانين يبقى هناك منع للزنى بالمحارم وخاصة وقبل اي احد الأم. هذا يجعل بعض الكلمات مثل الأب والأم والمحرم والمحلّل تؤثر في تنظيم الرغبة اللاشعورية، يبقى بعد ذلك ان مسألة السلطة الاجتماعية وتوزيعها وخاصة بين الجنسين، مسألة مختلفة جدا باختلاف قوانين القرابة نفسها من مجتمع الى آخر. هذا يجعل المعالم النفسية للفرد تختلف اختلافا كبيرا من مجتمع الى آخر، بحيث ان الشخص الذي ينشأ في مجتمع قبلي او مجتمع رعاة، يختلف تماما عن ذاك الذي ينشأ في مجتمع غربي مدني حديث. هنا نأتي الى الزمان الذي نحن فيه والذي فيه ميزات، ليس منها فقط ارتداد الأسرة الى أبسط تعريفاتها التي هي الاسرة الثلاثية المكونة من الأب والأم والطفل. لم يحصل فقط اختلاف ما بين مكان عمل الأب ومكان السكن بحيث ان الولد كان يصبح حدادا مثلا، إذا كان أبوه حدادا لأن ورشة الحدادة هي في المنزل نفسه، هذا التوريث المهني انتهى. وتدخل الماكينات في المنزل، ذلك شجع المرأة على العمل في الخارج، لأنها لم تعد تحتاج الى البقاء كل الوقت في المنزل للقيام بالأعمال المنزلية. ثمة اختلاف آخر هو عدم تدخل المجتمع في تكييف حياة الفرد، لأن الفرد إذا وُلد يقام له احتفال يشارك فيه المجتمع كله، والامر ذاته يحصل إذا ختن وإذا تزوج وإذا مات.. الخ هذه الوساطة انتهت بحيث أصبح على كل انسان ان يواجه الحياة بمفرده. من هنا نستطيع القول ان الحياة الجنسية لكل فرد من افراد مجتمعاتنا خاصة باتت عبارة عن مغامرة فردية خاصة به يتكيف معها ويتصرف فيها على قدر ما يستطيع، لكن مع ظهور الميديا وفكرة الحقوق والمساواة في الحقوق، أصبح هناك اتجاه لتكوين مجموعات، مثلا أصبح المثليون يشكلون جماعات لهم وتطالب بحقوق الزواج او الاعلان المشترك في الضرائب. من هنا نجد ظاهرة عجيبة وهي أنه كلما ازدادت المطالبة بالحرية ازدادت المطالبة بوضع قوانين خاصة. أضف الى كل هذا، سقوط الايديولوجيات، والثورة البيولوجية والهندسة الوراثية... هذه العوامل تجعل التحليل القائم على العائلة الثلاثية التي تجعل للأب وجودا في الحياة المنزلية وإن يكن ضعيفا، هذا الوضع في تغيره وتبدله ادى الى ابراز امراض حديثة مختلفة (العصاب الحديث) عن الامراض التي ظهرت في القرن التاسع عشر. بمعنى انه بدل الفوبيا والعصاب والهستيريا، هناك الآن الانقباض و"anxiڈtژ" والانحرافات على أنواعها. ثم إن الطلب نفسه على التحليل النفسي يقل، لأن المنحرفين أنفسهم يكوّنون جماعات يجدون فيها وضعهم طبيعيا. ثم ان العلم نفسه أصبح يستجيب لكل الطلبات كما كان ربنا قديما يستجيب لكل الرغبات. أنت الآن تذهب الى المحلل وتريد منه شيئا يشفيك، اي تريد دواءً. اما ان تجلس وتتكلم عن الرغبات المدفونة التي تبحث عن فحص للدلالة عليها، فكل هذا لم يعد له قيمة الآن. خلاصة الرد على سؤالك ان الظروف الاجتماعية التي ظهر فيها التحليل تختلف، وهذا الاختلاف من شأنه ان يقلّل من حضور التحليل النفسي كمنهج علاجي في المجتمع لحساب مناهج اخرى وخصوصا الطب، ولكن هذا لا يمنع ان التحليل النفسي نظرية قائمة خاصة بتكوّن الرغبة في الشعور، وبعناصر اللغة الانسانية التي بناءً عليها تتكون هذه الرغبة والشعور. من هذه الناحية يبقى التحليل نظرية قائمة. فشل ماركس لم يفشل فرويد { أليس للتحليل النفسي نفس مصير الماركسية، وهما تقريبا متواقتان. لا، الماركسية كدعوة انتهت بالفشل، لكن تحليلية ماركس تبقى نظرية علمية يؤخذ بها اكثر من أي وقت مضى. كذلك مع فرويد، لو أخذت نظرية التحليل النفسي كدعوة فالدعوة ستنتهي او هي في سبيلها الى الزوال، لكن لو أخذتها كنظرية لتكوّن الرغبة في الشعور تحت تأثير المعاني اللغوية الأساسية المشتركة في المجتمعات الانسانية، فستبقى قائمة. { أين موقع العرب من التحليل النفسي حاليا؟ يُنظر الى المسألة من ناحيتين: ناحية التحليل كعلاج، والتحليل كنظرية. من الناحية الاولى، التحليل في فرنسا لا ينطبق على فلاح في بريطانيا او راعٍ في البرينيه، لأن لكل مجتمع آراءه في امراضه وفي طريقة مداواتها. أما الموجود في البلاد العربية فأوروبي جامعي، لا فرق كبيرا بينه وبين من هو في الغرب ولكن بنسبة أقل. أما الناحية الثانية، فوجود التحليل في المجتمع كنظرية، مثل اي نظرية غربية اخرى لا تأتي إلا عن طريق ترجمات مشوّهة وأفكار مشوّهة وادعاءات ثقافية. اذاً حضوره ثقافيا حضور ضعيف كأي ثقافة اخرى. { في وجود مجتمع لا تزال فيه العلاقات البطريركية أمتن، ومكانة الأب لا تزال أقوى والسلطة ما زالت.... من هذه الناحية ملاحظتك سديدة بمعنى ان الامراض الكلاسيكية التي نشأ عليها التحليل، الفوبيا والبرانويا والهستيريا، تجدها هنا اكثر من الغرب. { سأسألك سؤالا له علاقة بالأدب، كان هناك باستمرار كلام يُستنتج منه ان الأدب ألهم كثيرا التحليل النفسي، فمثلا ديستويفسكي كان يُرى فيه كأنه يحمل كل البسيكاناليز في عمله بدون ان يعي، هل هناك في الأدب العربي، القديم او الحديث، حسب معرفتك، إلهام أدبي من التحليل النفسي؟ هذا السؤال لا أستطيع الاجابة عنه، اذ ليست لديّ المعرفة الكافية في الادب العربي القديم، لكن نلاحظ ان الادب، اليوم، مكتوب بلغة غير اللغة الدارجة فيجب ان تجده أبعد عن اللاشعور لأن اللاشعور يتكوّن على أسس المسموع باللغة الأم. كلما كان الأدب بلغة غير اللغة المسموعة، اي اللغة التي لا تُتعلم قواعدها في المدارس بل يرضعها الشخص اذا جاز التعبير على صدر أمه. كلما ابتعد الادب عن هذه اللغة ابتعد قطعا عن صلته باللاشعور. التحليل ولغتنا اليوم { إذا كانت اللغة هي الأساس في التحليل النفسي فكيف يمكن... ليست اللغة هي الأساس في التحليل النفسي، بل إن اللغة المسموعة هي أساس في تكوّن الدوافع اللاشعورية. { .. بالتالي في مجتمع يملك لغة مكتوبة ولغة مسموعة، يكتب بلغة ويتكلم بلغة، ويبدو كأن كل لغة غير طبيعية، اي يكتب الكاتب بلغة ليست تماما لغته، ويتكلم ايضا بلغة ليست لغته، عدا عن ازدواج اللغة احيانا، كيف يمكن ان يُفهم اللاشعور وأن يُرى من خلال اختلاط لغوي من هذا النوع والتباس لغوي من هذا النوع. الازدواج اللغوي ظاهرة تحرص عليها كل النظم الاوتوقراطية الإيديولوجية. مصر بالذات كانت معروفة بما يُسمى "Linguistique snobery"، لكن ما يحصل هو ان الكاتب بالفصحى اذا طلب التحليل فلن يكلمك بالفصحى تلك وستسقط تلك الازدواجية. { لكن لغته تبقى مختلطة، فهو يفكر بلغة ويتكلم بلغة. أليست هذه مشكلة؟ لا بأس بذلك، فهذا يصح، ففي الرغبة الفمية او الشرجية او الرغبة الموجهة للنظر او الصوت، قد يستعمل الكاتب استعارة دارجة او استعارة فصحى أخذها عن كاتب. { ألاحظ ان بعض الروائيين المصريين يحافظون على لغة الفم والسماع الأم، بينما بعض الكتاب العرب الآخرين وصلوا الى نوع من تسوية لغوية يكادون يكونون معها بلا لغة خاصة.. لا أستطيع ان أجيبك بدقة فليس لي معرفة كافية بالأدباء والمثقفين العرب والعالم العربي لأني بعيد عن العيش فيه منذ عام 1945. تفسير الاحلام { مع كونك بعيدا عن العالم العربي فإنك عملت على أمر جليل جدا وهو ترجمة أثر مثل تفسير الاحلام الى العربية، انا قرأت هذا التفسير بمتعة كبيرة، لكن عندي سؤال حول ذلك، ألا ترى ان هذه الترجمة بحاجة الى إعادة مراجعة منك، وهي تكاد تكون الترجمة الوحيدة... ربما تحتاج الى مراجعة، لأن بعض المصطلحات التي اخترتها مثل ژgo anxiڈtژ. ترجمتها بالعملية التي تعني في القاموس: المخافة من الامر لا تدري ماذا يهجم عليك منه. ولغويا هذه الكلمة هي أقرب الكلمات الى anxiڈtژ لكنها بعيدة عن الاستخدام الشائع لدرجة أنها لم تنتشر أبدا. من هذه الناحية ربما كانت الترجمة بحاجة الى مراجعة. ايضا هناك Identification، لأن عندنا في اللغة العربية الموجود اي الموجود في زمان ومكان وله حيز، فكونك وجودا مستقبليا او مجردا من هذه التحديدات، يعبَّر عنه بكلمة ژtre والذي يأتي عبر Identification. اذاً غياب فكرة ال گtre ينتج غياب فكرة الIdentification، وبالتالي يجب ان تخترع كلمة، لذلك اخترعت كلمة اسمها التعيّن او لكن الكلمة ايضا لم تمش. وهي بمعنى التماهي من الماهية. هذه المحاولات لوضع كلمات ترادف الكلمات الغربية لم تنجح تماما وهي بحاجة الى المراجعة. { سؤال أخير له علاقة بالسؤال الاول، ففي الترجمة العربية للتحليل النفسي نجد حاليا تكوّن ما يشبه منظومة مصطلحية قائمة على وزن »فُعال« ك»هُجاس« و»رُهاب«، ما رأيك بهذه المنظومة ومصطلحاتها؟ الحكم عليها بذيوعها، اذا ذاعت فقد نجحت. الحكم ليس بدقتها، فالفكرة جديدة تماما، ليس علينا إلا ان نأتي لها بتعريف ونلخص التعريف بكلمة، اذا نجحت وذاعت فقد تحقق الغرض. { هل نستطيع ان نتكلم عن مشكلات وصعوبات في ترجمة »تفسير الاحلام« بالذات، اذا توسعنا قليلا؟ الصعوبات كانت من ناحية الكلمات التي ذكرتها لك مثل الanxiڈtژ والكلمة الشائعة مقابلها هي القلق، والژgo ليس لها مرادف تام لأن الموجود موجود في حيزه والناس بعضهم فوق بعض طبقات... الصعوبة تأتي من الاختلاف في فلسفة اللغة الضمنية، مثلا بين الألمانية او الانكليزية او الفرنسية وبين فلسفة اللغة العربية. فلسفة اللغة العربية تضع كل شيء في مكانه، فال»انا« ليست موجودة، كذلك الگtre باعتباره حالة اخرى غير الوجود، ليس له وجود في اللغة العربية وبالتالي فالIdentification ليس موجودا. اذاً الصعوبات بالنسبة لترجمة العبارات الادبية والاحلام، حتى لو كانت هناك كلمات لها اكثر من معنى وليس لها مرادف، فهذه مشكلة ليست بالمهمة لأنها موجودة في اي ترجمة في العالم، الترجمة لم تكن يوما عملية مترادفات. فكل كلمة لها مرادف تماما في اللغة لاخرى، حتى حرف الجر كذلك. وكل كلمة لها في لغتها استخدامات تمنحها وزنا نوعيا مختلفا تماما عما نعتبره مرادفا. هذه مشكلة الترجمة بشكل عام، وهي ما يُسمى بالترجمة الخيانة الخ.. الصعوبة الحقيقية تتأتى من ان الفلسفة الضمنية للغة العربية تختلف عن غيرها من فلسفات اللغات الاخرى كما يتبيّن ذلك في غياب الكلمات الثلاث التي ذكرتها لك: الIndentification والگtre. { اذا أردنا وضع توصيف او تقييم للعقل السياسي العربي، ماذا تقول؟ الDiscours السياسي العربي مبني على تشبيه المجتمع بالعائلة، وهذا التشبيه أشار أرسطو الى فساده منذ ألفي سنة وقال انه ليس كل من يحسن ان يحكم بيته يعني أنه مؤهل لحكم المدينة او الدولة. { ألا تشعر بأن هناك بارانويات؟ طبعا. { الى أي مدى هو برانوي او هيستيري؟ ما دمت تشبهه برب العائلة، فالتعبير نفسه تعبير بارانويّ.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة