As Safir Logo
المصدر:

في مأزق الفكر العربي الحديث عصر النهضة وتجربة الاصلاح الديني

المؤلف: حسين قصي التاريخ: 1999-12-31 رقم العدد:8490

يمكن لنا ان نتحدث عن ثقافة اسلامية، ليست دينية فقط، ولا يشتغل فيها رجال الدين وحدهم، وقد أصبحوا يشكلون طبقة مميزة في المجتمع، تقابل طبقة رجال الدين في الأديان الاخرى. بالإمكان التحدث عن ثقافة اسلامية دنيوية أيضا. وكذلك نستطيع التحدث عن تنوع الثقافات التي مازجتها، مثل الثقافة العربية على وجه مخصوص، والثقافة الفارسية او التركية او الهندية او اليونانية التي اتصلت بها، وتركت بصماتها القوية على جميع العمليات الفكرية التي رافقت صياغة المشروعات الثقافية طيلة العصور الوسطى، وحتى عصر النهضة. فالعقل، والعقل العربي على وجه مخصوص، وهو مجمع الكليات، شكّل قوّة كامنة قابلة للتولد في أنساق مختلفة، إذ تسنّ له الاطلاع على الثقافة الاسلامية الدينية والدنيوية، وعلى سائر الثقافات التي اتصلت به بشكل او بآخر. وهو، تبعا لتركيبات مجتمعية انشأته وأنشأها، بدا وكأنه يقود حركة فكرية خصبة للغاية، تتردد بين ما يشبه الاطلاق العقلي، والقدرة الذاتية على التنامي والتغير، خصوصا في عصر النهضة. فقد انشغل العرب من مثقفين وسياسيين ومفكرين ورجال دين، ابتداء من ذلك العصر، بمسألة العلاقة بين العروبة والاسلام. بالرغم من ان الباحثين الغربيين، لا يميزون كثيرا بين الاثنين، بل نراهم يستعملون اي لفظ منهما ليدل على الآخر، وبالرغم من ان تاريخ العرب السياسي والاجتماعي والفكري، هو الى حد كبير تاريخ الاسلام، بقدر ما نجد ان تاريخ الاسلام السياسي والفكري والاجتماعي ايضا، هو تاريخ العروبة. ذلك ان عصر النهضة، الذي أسس لانهيار النظام الاقتصادي التقليدي، كان في الوقت عينه، يؤسس لولادة التصورات الجديدة عن العالم، ويمهد لتهديم الايديولوجيات القديمة والمتخلفة. ولذلك وجد المفكرون العرب أنفسهم أمام مأزق حضورهم السياسي القديم/ الجديد، وما كان ينتج من مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، أربكتهم وجعلتهم يتساءلون عن دورهم في الانقاذ، وهم يرون الى أمتهم، وقد تمزقت في أمصار شتى وتقطعت أوصالها حتى غدت على شفا جرف كبير. فالإحداثيات السياسية والعسكرية، ولوازمها، أيقظت الفكر العربي وجعلته ينصرف لتلمس دوره في التصدي لجميع العوائق التي كان يجد فيها أسباب تخلفه، وهو يلعق بؤس حاضره المليء بالجهل والاستبداد، سيما وان الحاضر الأوروبي، كان يتميز بالثورة العلمية والثورة السياسية والثورة الاجتماعية على كل الصعد. وكان على الفكر النهضوي عموما، ان يعكس التناقضات التي عجّت بها المرحلة الممتدة من القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين، سواء كانت تناقضات اجتماعية او طبقية او سياسية او قومية او دينية. وعمل المفكرون النهضويون على تشخيص الداء ووصف الدواء، وكانوا في ذلك يمثلون ثلاثة تيارات: 1 تيار علماني قومي. 2 وتيار ليبرالي متأثر بأوروبا. 3 وتيار إصلاحي ديني. وقد كان هذا التيار الاخير هو أقوى التيارات الثلاثة، وأشدها تأثيرا على الفكر الاصلاحي في عصر النهضة، بسبب من قوة تأثيره وفاعليته، ليس على مستوى المادة الثقافية الاسلامية وحسب، وانما على أرض الواقع ايضا. فالاصلاح الديني، بدا متأثرا برياح التيار القومي الذي كان ينطوي على نزعة قومية عربية، كما بدا متأثرا أيضا بالنزعة الليبرالية التجديدية ذات البصمات الأوروبية، غير ان ماهيته الحقيقية، كانت تتحدد في محاولاته الحثيثة لتجديد الفكر الاسلامي وإصلاحه، كمدخل، لبعث الأمة الاسلامية. وقد شكل هذا الهدف، التحدي الحقيقي للتجربة الاصلاحية النهضوية بشكل عام. والواقع ان غاية المفكرين الاصلاحيين في التيار الديني، وغرضهم الحقيقي الذي اشتغلوا عليه، هو إصلاح حال الأمة العربية والاسلامية، لتقديمها كمثال للأمم الاخرى، وليس إصلاح الدين كدين، وقد وجدوا ان دون عملية الاصلاح هذه عقبات، لا بد من تجاوزها، حتى يصبح بالامكان إنقاذ الأمة من حال الانحطاط والتردي: 1 دعوة المسلمين عموما وأهل السلطة خصوصا للعودة الى روح الدين الاسلامي، إذ الاسلام لم يتحول الى سبب للانحطاط، الا بعد ان فقد براءة حكمه الأولى. 2 دعوة المتقربين الى رحاب الاسلام، لأنه فضاء الحريات والاتجاهات الانسانية التي اكتسبت صفة اوروبية بسبب فشلها بين ظهرانيهم وعلى يديهم، في حين انها كانت موجودة أصلا وبكل سعة في الاسلام الفطري والمستنير على حدّ سواء. ولقد عالج المصلحون الاسلاميون في عصر النهضة، مسألة التعارض بين الاسلام والعلم. فاعتبروا ان القرآن يحرّض على العلم ويسلّم بالحقائق العلمية. وأشاروا الى ان الحضارة الاسلامية هي حضارة مبدعة للعلم، وقد أفاد منها الغرب في العصر الوسيط. وقد أعلن محمد عبده اكثر من مرة ان الغرب أخذ العلم عن المسلمين(1). اما الأفغاني، فقد حمل على الجهال من المتدينين فقال: »عمّ الجهل وتفشى الجحود في كثير من المتردين برداء العلماء، حتى تخرصوا على القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية، والقرآن بريء مما يقولون«(2). وإذ تحدث محمد عبده عن أسباب ازدهار الحياة العلمية في أوروبا، فقد جعلها تستند الى الأمور التالية: 1 ظهور الجمعيات العلمية التي كانت تدعو في أوروبا لنصرة العلم والحضّ عليه في وجه الحملات الدينية الكنسية المعاكسة للعلم والحياة العلمية، والقائمة على الخرافات المختلفة. 2 ظهور البروتستانية التي أيدت دعاة العلم في أوروبا بحيث تشكل من الطرفين تيار علمي قوي مهّد للثورة العلمية. 3 ظهور الثورة الفرنسية، التي بشّرت بالحريات وبعصر الأنوار. 4 ضعف التيار الديني المسيحي في أوروبا، عن مقاومة التيار العلمي، الذي كان اكتساحه عظيما، فملأ أوروبا علماً، بدل ان تملأها الكنيسة بالترهات. والواقع ان الشيخ محمد عبده يريد ان يقول ان الاسلام لم يكن يوما من الأيام سببا لتأخر الحياة العلمية عند العرب والمسلمين، كما كان الدين في أوروبا. ولكنه، لم يضع إصبعه على الجرح، لأنه لم يشر الى مصدر الاعاقة الحقيقي في حياة العرب العلمية، وهي السلطة والحفنة المتصلة بها ممن أسماهم الأفغاني »المرتدين برداء العلماء وهم يقبعون في قعر الجهل والجمود«(3). الى ذلك فقد واجه مفكرو عصر النهضة مشكلة الحكم والسلطة السياسية، ووجدوا ان الشرق الاسلامي متخلف عن الغرب، ليس بسبب فقر حياته العلمية، وانما بسبب بؤس حياته السياسية. وقد قابلوا مثلا بين طبيعة السلطة الاستبدادية العثمانية التي لم تعد تلبي طموحات الشعب العربي في التغيير والتطوير، ولا تستجيب لآمالهم العريضة في الحرية والديمقراطية والاستقلال، وبين الغرب الذي، بدأ يشكل نموذج الدولة الديمقراطية. ولذلك بدأ المفكرون النهضويون مأخوذين بالحياة السياسية في الغرب، لانها تقوم في الأساس على مبدأ الشورى الذي هو من صلب مبادئ الحكم في الاسلام، فتخلى عنه المسلمون وأخذه الغربيون. فتيار الاصلاح الديني، بدا ايضا من هذه الزاوية، لا يقدم صيغة حكم بمعزل عن صيغ السياسة الغربية. وقد أخذ على جمال الدين الأفغاني شدة تحمّسه للنظام الدستوري الغربي، دون ان يوفّق في تقديم نظرية في الحكم تجديدية اصلاحية(4) خاصة به. أما محمد عبده، فقد اجتهد أصولا ستة للدين الاسلامي، تشكل جوهر إصلاحه الديني وهي التالية: 1 النظر العقلي لتحصيل الايمان. 2 تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض. 3 البعد في التفكير. 4 الاعتبار بسنن الله في الخلق. 5 حماية الدعوة من الفتنة. 6 قلب السلطة الدينية. وبلغ الشيخ محمد عبده أقصى جرأته، حين اعتبر ان السلطان او الخليفة، ليس ممثلاً لله على الأرض، بل هو إنسان أهم صفاته الاجتهاد، فاذا انحرف، وجب استبداله. والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه. وقد ميّز بذلك بين سلطة السلطان وسلطة الامة، فجعل سلطة الامة فوق سلطة السلطان. وكأنه بذلك يناهض السلطة المطلقة ويعصرن الاسلام، مما مهّد السبيل أمام دعوى الانفتاح على الآراء والافكار التي كانت تهبّ على الشرق في جهة الغرب. برأينا ان اعادة صياغة الوعي الديني لدى المفكرين في عصر النهضة صياغة عقلانية، ليست ثمرة وعي ديني للعالم والمجتمع، يحدب المصلح الديني على اشتقاقها من قلب الدين وحسب، بل هي محاولة لبدء وعي اجتماعي وسياسي وأخلاقي جديد، يفرضه دائما الوضع التاريخي الانتقالي المواكب له. فالاسلام يجب ان يتحول في عمليات تجديده المستمر، الى أيديولوجية للمؤمنين به من المثقفين وغيرهم، تختلف عن الايديولوجية السابقة التي تسود لقرون طويلة، فلا يظل يمارس دوره في إطار جملة من العبادات والمواعظ الاخلاقية، بل يجب ان يشكل قوة تحويل ثقافية تؤدي الى وعي تاريخي واضح على الصعيد السياسي، ذي أهداف دنيوية وليست دينية فقط. فاذا ما استطعنا الوصول الى فكر ديني يصوغ مشروعا ثقافيا فلسفيا اجتماعيا وسياسيا معا في آن، فاننا نكون بذلك قد أعدنا للدين مبادئه الاساسية التي رسا عليها أول مرة، وهي تنطلق من الايمان بجملة حقائق إلهية أبدية لتصل الى فكر ديني عقلاني يواجه مشكلات العصر ويقاوم المعتدي والغاصب والمستبد والمحتل، ويمهد لظهور مجتمع العدالة والحرية البعيد كل البعد عن التبعية للغرب وملحقاته على حد سواء. * استاذ في الجامعة اللبنانية المراجع والحواشي 1 محمد عبده: الاسلام بين العلم والمدنية، القاهرة: 191. 2 محمد باشا المخزومي: خاطرات جمال الدين الافغاني الحسيني. بيروت 1980: 12. 3 المرجع نفسه 15 وما بعدها. 4 رئيف خوري: الفكر العربي الحديث وأثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي. بيروت 1972: 245. د. قصي الحسين *

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة