منذ أشهر قليلة، تسلّم السينمائي المصري محمد كامل القليوبي (مواليد القاهرة، 1948) رئاسة »المركز القومي للسينما«، بعد سنين عدة من العمل في المجالين النقدي البحثي والاخراجي. ولعل شريطه الوثائقي الطويل الذي حقّقه عن رائد السينما المصرية، محمد بيومي (1893 1963)، بعنوان »وقائع الزمن الضائع« (انتاج العام 1990)، لا يزال يُعتبر من أفضل الأفلام المشغولة بحرفية لافتة للنظر، خصوصا وأنه يأتي ضمن التوجهات الثقافية والفنية للقليوبي، المهموم بشؤون السينما القومية، وبالهوية القومية للسينما العربية. أضف الى ذلك، أن القليوبي الذي خاض مؤخرا تجربة العمل التلفزيوني؛ في حين أن فيلمه السينمائي الأخير »اتفرّج يا سلام« (كوميديا غنائية) لا يزال في مرحلة المونتاج سبق وأن حقّق فيلمين طويلين، هما »ثلاثة على الطريق« (1993؛ جائزة لجنة التحكيم الخاصة جائزة مارون بغدادي، »بينالي السينما العربية الثاني« في باريس، »معهد العالم العربي«، 1994) و»البحر بيضحك ليه« (1995). مؤخّرا، أعلن القليوبي أنه قرر إحياء مهرجان الاسماعيلية للأفلام التسجيلية والروائية القصيرة، الذي توقف منذ ثلاثة أعوام؛ ودعا كبار المخرجين المصريين، أمثال علي بدرخان وخيري بشارة وداود عبد السيد، الى إنجاز هذا النوع من الأفلام، الذي شهد بداياتهم الفنية. ولم يُخف القليوبي رغبته العميقة في تنشيط الانتاج في »المركز القومي للسينما«، وتفعيل عروض الأفلام الوثائقية، وتكوين ادارة ذاتية للمركز، وترميم الأرشيف السينمائي. في دمشق، أثناء انعقاد الدورة الحادية عشرة لمهرجانها السينمائي الدولي، في الفترة الممتدة بين الثلاثين من تشرين الأول والسادس من تشرين الثاني 1999، التقينا الناقد السينمائي الصديق فاضل الكواكبي وأنا المخرج القليوبي في حوار تناول بعض العناوين السينمائية والنقدية. { كيف تنظر الى واقع السينما المصرية، حاليا، على ضوء العلاقة بالسلطة؟ يُمكن القول ان الدولة رفعت يدها عن السينما في مصر، على الرغم من أنها لا تزال تهتم (وترعى) بالعديد من النشاطات الفنية المهمة، مثل إحياء المهرجانات السينمائية (مهرجان الأفلام القصيرة، مهرجان أفلام الطفل...)، والمشاركة في المهرجانات السينمائية الدولية، بالإضافة الى الأرشيف والسينما القومية والثقافة السينمائية وغيرها. من ناحية أخرى، وبعد أن كانت السينما خاضعة لنظام »ضريبة الملاهي«، بدأ العمل جديا في مجال دراسة مشاريع قوانين خاصة بتخفيض الضرائب على دُور العرض، وهذا يؤدي من دون شك الى حالة من الازدهار الانتاجي، كما هناك توجّهات الى دعم الانتاج الجديد، كما هي الحالة في أي مكان آخر. { المعروف أنك اشتغلت في المجالين السينمائيين: البحث المكتوب والعمل المصوّر. ذات مرة، سألتني مذيعة في احدى الاذاعات العربية كيف أن بعض المخرجين الوثائقيين »ينحرفون« ويُخرجون أفلاما روائية؛ قلت لها: اني شخص منحرف بطبيعتي، ومنذ بداياتي، عملت في المجال الوثائقي. أفلامي الوثائقية مصاغة روائيا. كيف يُمكن لك أن تنجز فيلما وثائقيا، مدته ساعتان وعشر دقائق، ينشدّ المشاهدون اليه، ويتابعونه؟ بطبيعتي، أنا »حكّاء« في عملي، ودائما أطرح على نفسي هذا السؤال: كيف تروي قصة؟ حتى في الوثائقي، فعلت ذلك؛ وحين أشتغل في الروائي، يدخل الوثائقي في »الحكي«. الوثائقي والروائي متداخلان عندي. من ناحية أخرى، أشير الى المصداقية في أفلامي. الفيلم يسجّل أحداثا حقيقية أثناء تصويره: أثناء تحقيق »ثلاثة على الطريق«، صوّرت أحداثا كانت تجري حقيقة، مثل الفتنة الطائفية، حين صوّرنا بشكل سري أناسا وتفاصيل، ثم جمعناها فيما بعد في الفيلم. »أحلام مسروقة« (الفيلم الذي لم يُعرض بعد): نزلنا الى مناطق الفقر، وقدّمنا شخصيات بأسمائها الحقيقية، في محاولة شرح كيفية نشوء ظاهرة الارهاب. في فيلمي الوثائقي عن محمد بيومي، كان لا بدّ من أن أحكي قصته العجيبة والحزينة جدا بطريقة روائية؛ هذا الأمر، أفضى الى التأثير المباشر في المشاهدين، وبعضهم بكى في نهاية الفيلم. الصديق داود عبد السيد قال انه لو تمّ انجاز هذا الفيلم روائيا، لكنا وقعنا في مبالغات كبرى. القصة نفسها لا يُمكن تصديقها، إلاّ بالوثائقي. بالنسبة الى فيلمي الأخير، وهو كوميديا موسيقية غنائية، فإن قصته تُروى من خلال شخصية المؤلف الموسيقي، علما أنها مليئة بتنويعات شتى. كيف يُمكن لشخص أن يستخدم الموسيقى الأوركسترالية في معادلة ثقافة التخت... { هل يُمكن التوقف قليلا عند عملك الجديد هذا؟ »اتفرّج يا سلام« أول كوميديا موسيقية أقوم بصنعها. انها المرة الأولى في حياتي التي أشتغل فيها مع مصمّمي استعراضات وموسيقيين وكوميديين محترفين في هذا المجال. استمتعتُ كثيرا أثناء العمل، أنا وكل الذين اشتركوا معي. انه فيلم بسيط جدا، يحمل أهدافا وطنية نبيلة، بالنسبة الى فكرة الوطن والانتماء اليه؛ يستخدم أسلوب الحكايات الشعبية، والموسيقى والأغاني والاستعراضات والكوميديا، وهذه كلّها تلتقي في سياق واحد. أعتقد انها تجربة (مختلفة). ربما لن يكون أهم أفلامي، لكنه بالنسبة إليّ هو أجملها. { ولكن، ماذا عن تجربتيك الروائيتين السابقتين؟ كان الخيار يرتكز على الصورة، وعلى نسخة الفيلم المركبة. الموضوع يفرض الشكل. أعتقد أنه، على الرغم من مرور سنوات عدة على تجربة الفيلم الأول، »ثلاثة على الطريق«، فإن هذا الفيلم لا يزال يثير الاهتمام والمتابعة، لأسباب كثيرة لم أكن منتبها اليها بالقدر الكافي، منها قدرته على التواصل الحار مع الجمهور. في العام الفائت، استُقبل الفيلم في الولايات المتحدة استقبالا حارا للغاية، أكثر من أي فيلم مصري آخر، كما حصل في فرنسا وبلجيكا وهولندا وشنغهاي أيضا. »ثلاثة على الطريق« فيلم صعب، ولعلّه يحتاج الى اعادة تقويم. البداية مفبركة. فكرة انجاز الفيلم الأساسية تكمن في إضفاء الاحساس بالحركة. حين اتُّهم الفيلم بالكاميرا الساكنة والمقيّدة، دعوت المتَّهمين الى التعامل مع الفيلم من زاوية إخفاء الحركة، أو التحايل على ذلك. لم أعتبر ذلك فشلا في التنفيذ. الفيلم من نوع »فيلم طريق« (ROAD MOVIE)، وهو نوع لسنا معتادين عليه، مما أملى عليّ هذه الصورة. الطريقة مختلفة عن »البحر بيضحك ليه«: فيلم له طبيعة جمالية مختلفة في الاخراج، ربما تكون متحذلقة نوعا ما. الموضوع نفسه، والأحلام في هذا الفيلم، سمحا (أو فرضا) بظهور هذا الشكل. لم يكن ممكنا تقديم »البحر بيضحك ليه« بشكل آخر. أنا أحب المغامرات الخاصة جدا في »البحر...«، وربما ليست أجمل ما فيه، بل هي أكثر الأحلام التصاقا بي على المستوى الشخصي، تحمل هواجسي وآلامي، ويتضمن اعترافات أحيانا تكون شائكة أو حرجة. أتصوّر أن أفلامي تشبهني، ويشكّل لي تنفيذها نوعا من المشاركة الخاصة مع الآخرين في تحمّل هذه الأعباء الداخلية أساسا، أو هذا القلق الداخلي الذي أفصح عنه. حين قدّمت سيناريو هذا الفيلم لدائرة الرقابة على المصنّفات الفنية، رُفض أولا. حينها، سألتني رئيسة الدائرة سؤالا غريبا: »أنا مندهشة! كيف يُمكن أن تخرج مثل هذه الأفكار من رجل محترم مثلك؟«، فأجبتها أن مثل هذه الأفكار لا تخرج إلاّ من شخص مثلي. النقّاد الجادّون لا يمارسون النقد { استوحيت قصة الفيلم من رواية جورجي آمادو. شعرتُ أني أعرف البطل حسين الذي يعيش في الاسكندرية. لكني قررتُ أن أروي ما لم يقله آمادو، ما أعرفه أنا ولم يقله آمادو (أو لم يعرفه). ينتهي الفيلم في ربع الساعة الأخيرة من الرواية. قبل التنفيذ، أعدت قراءة السيناريو، فتنبّهت الى أن القسم الخاص بكانكان بدا مقحما في الفيلم، فحذفته. لذا، حمل الفيلم روح كاناكان العوّام، من دون أن يقترب منها في التفاصيل. { مؤخرا، اشتغلت للمرة الأولى في حياتك المهنية في المجال التلفزيوني، على الرغم من أنك سينمائي. لا شك في أن استخدام الوسائل البصرية بكل أشكالها، أمر مسموح به، وهذا ما يفعله سينمائيون كثر في أنحاء العالم. أما التعامل مع التلفزيون على أساس أنه فن من الدرجة الثالثة، فينطوي على فكرة التعالي على المشاهدين. لا تنسى أن ثمة كثيرين من هؤلاء المشاهدين يجلسون في بيوتهم، ويتابعون الانتاجات التلفزيونية المختلفة. تجربتي التلفزيونية انبثقت من دوافع عدة، يُمكن تلخيصها في ثلاثة أسباب: السبب الثالث (هكذا رتّبها المخرج نفسه أثناء الحوار): لم يكن لدي شيء أفعله. السبب الثاني: أردت أن أختبر الفيديو كوسيط. السبب الأول: كان العرض المالي مغريا، فوافقت على العمل. من الطبيعي أن أحاول إنجاز المسلسل (الابن الضال) بضمير مهني كامل. هنا، أود الاشارة الى أن هذا العمل التلفزيوني أتاح لي التعامل مع ممثلين رائعين، لم يكن باستطاعتي التعامل معهم في السينما، مثل هدى سلطان وعمر الحريري، الذين شكّلوا جزءا من أحلامي كطفل في السينما. { أخيرا، لا بدّ من سؤال عن النقد السينمائي، كونك ناقدا وباحثا سينمائيا (كتب القليوبي مقالات نقدية عدة، نشر بعضها في »السفير«): ما الذي كان يشغلك أكثر من غيره، من المواضيع والقضايا السينمائية؟ وكيف ترى واقع النقد السينمائي العربي حاليا؟ حين كتبت في المجالين النقدي والبحثي، كان موضوع واحد يشغلني: الهوية القومية للسينما. هذا هو محور اهتمامي السينمائي، أيضا، في مجال الاخراج. بمعنى أن الاثنين يتكاملان مع بعضهما البعض: النظرية والتطبيق. من الطبيعي أن الذين يرفضون أفكاري الخاصة في هذا الموضوع، هم أنفسهم الذين يرفضون أفلامي. ومع هذا، أسعد لهذا الأمر، لأني أشعر بالالتصاق بذاتي ونفسي. أما بالنسبة الى النقد، اليوم، فالمشكلة التي يواجهها تكمن في أنه أصبح مهنة من لا مهنة له. أي صحافي يقوم ببعض الاتصالات والعلاقات مع بعض النجوم، وينشر حوارات معه في صحف ومجلات، وتجد (هذه الحوارات) من يقرأها، يبدأ الكلام عن الأفلام معتبرا إياها وسيلة شعبية ضخمة، فيجذب الاهتمام اليه من دون أن يكون هناك قواعد تحكم عمله كناقد. هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، ثمة عدد من النقاد لم تعجبهم مهنة النقد، فقرروا التحوّل الى التنظير السينمائي، فانفصلوا، بذلك، عن القارئ العادي وتركوه عرضة ونهبا لعدد من الممارسات الصحافية غير المسؤولة. لا يوجد تفرقة بين النقد الصحافي، الذي هو ضرورة للقارئ، وبين كتابة النقد المتخصّص؛ لذا، اختلطت الأمور ببعضها، مما أدّى الى وقوع النقد السينمائي العربي في حالة غموض. في المغرب العربي، يتميّز المثقفون بمستوى رفيع من الكتابة. انظر الى ما يحدث عندنا، كيف ينقضّ النقاد على سينماهم القومية، من دون أن يساندونها، ومن دون أن يدركوا أن لا وجود لنقد سينمائي في بلد لا توجد فيه سينما. في مصر، تبدو المشكلة أعقد: النقّاد الجادّون لا يمارسون النقد، تقريبا، ويندر أن تجد كتابات جيدة عن السينما في الصحف اليومية. يحتاج الأمر الى وجود مجلة سينمائية أو أكثر، بمستويات متعددة من القراءة والكتابة وصيغة الأبحاث. حاوره: نديم جرجوره وفاضل الكواكبي (دمشق)