As Safir Logo
المصدر:

يوسف شاهين في آخر أفلامه.. »الآخر« أم عقدة الآخر

من فيلم الآخر
المؤلف: حوراني ليلى التاريخ: 1999-12-24 رقم العدد:8485

يحلم يوسف شاهين في فيلم »الآخر« بعالم لا يوجد فيه »أنا« و»أنت« بل »نحن«. بغض النظر عن موقفنا من هذا الحلم سواء اعتبرناه قمة في السذاجة أو في الإنسانية، فإن طرحه منذ المشاهد الأولى للفيلم وعلى لسان ادوار سعيد تحديدا يفترض تبني ذهنية ليبرالية تتعامل بقدر عال من الموضوعية مع هذه »الأنا« وتلك »الأنت« اللتين تقفان عائقا في وجه »النحن«. إلا أن تطور أحداث الفيلم وشخصياته وصولا الى نهايته الدموية يضع إشارة استفهام كبيرة حول مدى قدرة شاهين على ان يكون ليبراليا في طرحه لإشكالية العلاقة مع »الآخر«. يطرح شاهين في فيلمه نماذج متعددة للآخر: الآخر الغربي المتجسد في شخصية الأميركية المتسلطة مارغريت (نبيلة عبيد)، الآخر الديني أخو حنان المتطرف الذي فقد كل إحساس بأهله ويعيش فقط هاجس الحصول على فيزا الى أميركا، الآخر الطبقي في شخصية الأب (محمود حميدة) الذي لا يفكر إلا بجني المزيد من المال غير مكترث بمعاناة النادل الفقير الذي يستجديه للحصول على عمل. تعدد نماذج الآخر هذا لم ينجح في إخفاء الذهنية الأحادية التي تحرك هذه النماذج، وهي ذهنية قائمة على الثنائيات الحدية: العنجهية والجشع والأنوثة المتملكة في شخصية مارغريت مقابل الحنان والإحساس العالي بالأمومة والعاطفية المفرطة في شخصية الأم المصرية (لبلبة)، الحماسة والرغبة في المعرفة والقدرة على الحب في شخصية آدم (هاني سلامة) مقابل العنف وفقدان المشاعر الإنسانية والحياة اللامجدية لدى الأخ المتطرف دينيا، الجشع واللامبالاة والمادية المطلقة في شخصية الأب (محمود حميدة) مقابل الحرص على المصلحة العامة في شخصية رئيس التحرير المعارض، والمعرفة والتنوّر في شخصية الخال الدكتور المهندس ماهر. هذه الثنائيات ليست من افتعال النقاد، بل هي موجودة في الفيلم بوضوح وحدة لا يختلف عليهما اثنان. ولعل الخلاف يكمن في مدى قدرة ذهنية الثنائيات هذه على التعاطي مع إشكالية معقدة مثل العلاقة مع الآخر. هذه الإشكالية التي لا تشغل شاهين وحده بل قد لا أبالغ إن قلت إنها تشكل هماً بالنسبة لكل مواطن عربي، ولعل هذا ما يفسر التجاوب الجماهيري الذي لاقاه الفيلم. قد تختلف التعبيرات عن هذا الهم، إلا أنه موجود لدى الجميع. المثقف العربي يتساءل كلما لمعت فكرة في ذهنه: لماذا يحققونها »هم« ولا نفعل »نحن«، أين أنا »منهم« كيف أجد مكانا »لي« بينهم، والموظف يتساءل كل يوم أمام الصور البراقة المتدفقة من مئات المحطات الفضائية: متى نصبح »مثلهم«، لماذا لا نعيش »حياتهم؟« والشاب المتعلم الطموح يرى المستقبل والأبواب المفتوحة »لديهم« ويفكر كل لحظة في الذهاب »إليهم«، وحتى الطفل ينجذب الى »فرحهم« و»ألوانهم« و»مطارداتهم« أمام ما نقدمه له »نحن« من صور باهتة. الإشكالية موجودة، ولكن طرحها في فيلم لا يشكل بحد ذاته حدثا فنيا مهماً، المهم هو الارتقاء بهذا الطرح من مستوى التعبيرات »الانفعالية« التي استعرضتها للتو، الى مستوى التحليل الفني العميق. هل نجح يوسف شاهين بذلك؟ أقول لا. بحسم. وهذا الحسم لا ينبع فقط من المشكلات الفنية التي اتهم بها الفيلم من عدم انسجام في الأسلوب وضعف في أداء الممثلين، ومباشرة في الحوار وتسطيح للشخصيات، فأنا أعتقد ان كل هذه المآخذ هي نتائج وليست أسباباً بحد ذاتها. إنها نتائج طبيعية لذهنية قائمة على الثنائيات: الأبيض والأسود، الحب والكراهية، الحياة والفناء، الغني والفقير، الغربي والعربي، المتدين والمتنور. هذه الذهنية لا يمكن أن تترك مجالاً للتعمق في أية ظاهرة، فما بالك بظاهرة إشكالية ومتعددة الجوانب مثل العلاقة مع الآخر! وهنا يطرح سؤال مشروع، لماذا تحكم هذه الذهنية شخصا مثل يوسف شاهين يرفع لواء التنور والتحرر والانفتاح، هل نحن أمام شعارات كاذبة يطرحها المخرج »للتصدير« خاصة بعد نجاحه في تبوّؤ مكانة في الساحة السينمائية العالمية؟ لا أوافق على هذا التحليل وأعتقد انه يصب في خندق ذهنية الثنائيات التي أنتقدها. كما لا أشكك في رغبة يوسف شاهين الحقيقية في أن يكون: متنورا، متحررا متقبلاً للآخر، باختصار: عصرياً بالمعنى المثالي للكلمة. ولكنني أشكك في قدرة شاهين على »الخروج عن جلده«، أو تجاوز ذاته، ذات المثقف العربي الستيني بكل ما تحمله في وعيها من موروث سياسي وإيديولوجي وفي لاوعيها من موروث ثقافي واجتماعي لا نستثني منه عقدة الخواجا والمرأة الغربية. إثبات الذات أمام الآخر أعتقد أن حسن النية لدى شاهين، لا يكفي لإخفاء عقدة النقص التي تحكمه بوعي أو لا وعي منه. انها عقدة نقص تجاه الآخر الغربي الذي شغل شاهين في كثير من أفلامه السابقة (حدوتة مصرية، عودة الابن الضال، الاسكندرية ليه، وداعاً يا بونابرت)، وأصبح الآن حاضرا أمامه وجهاً لوجه بعد أن استطاع شاهين أن يصل بأفلامه الى المشاهد الغربي. هذا النجاح في تبوّؤ مكانة عالمية لم يخفف من حدة العقدة برأيي، بل لعله جعلها تستفحل، فإن كان الآخر الغربي حاضرا في أفلام شاهين السابقة ضمن إطار التساؤلات والبحث عن الذات في الآخر، فإنه في أفلامه الأخيرة »المصير« و»الآخر« موجود منذ ولادة الفكرة. من الصعب تقديم براهين قاطعة على هذه المقولة، إلا أن المتابع لهذه الأفلام بعيدا عن تضليل »النوايا الحسنة« المرتبطة بفكرة أن شاهين يقدم حضارتنا للغرب ويعرفهم على مواهبنا وهذا بحد ذاته إنجاز. إذاً المتابع بعيدا عن هذا، يشعر بأن شاهين يضع أمامه المشاهد الغربي في كل مشهد من مشاهد هذين الفيلمين. ولا أقصد بهذا أنه يحاول إرضاء هذا المشاهد، بل هو ربما بلا وعي منه، يحاول أن يثبت نفسه للآخر الغربي، فيقول له في »المصير« ومنذ المشهد الأول: تذكر »أننا« كنا نملك حضارة فيما كنت »أنت« تحترق بنار جهلك. ان رغبة شاهين المحمومة في إثبات الذات أمام الآخر تحول هذه الحقيقة الى شعار سطحي، تماما كما تقدم شخصية ابن رشد القرن الخامس عشر بقالب مثقف القرن العشرين الذي يردد أفكار يوسف شاهين عوضا من أن يقدم فكر هذا المفكر المتنور. الأمر نفسه يتكرر في »الآخر« حيث مرة أخرى نتلمس محاولة محمولة لإثبات الذات أمام المشاهد الغربي، فإذا كان هذا المشاهد يعتقد أن المجتمع العربي محافظ والجنس فيه »محرم« فإن شاهين يقدم له شخصيات شبابية تتعامل مع الجنس بكل »أريحية« بالرغم من أن هذا لا يتناسب مع شرطها الموضوعي، سواء شخصية حنان أو خالها الذي لا يجد أية مشكلة في أن تقيم ابنة أخته علاقة مع آدم أثناء زيارتها له في أحد المنتجعات السياحية. وبهذا لا تبدو الشخصيات وحدها متحررة من عقدة الجنس، بل وصانع هذه الشخصيات أيضاً وهو المخرج الذي أصبح يقف جنباً الى جنب مع المخرجين العالميين. لقد تساءل العديدون حول السبب الذي جعل المشاهد الجنسية تبدو باردة وغير موظفة في الفيلم على الرغم من رغبة المخرج الواضحة في إبرازها وتوظيفها لصالح العلاقة التي تجمع حنان وآدم. وعزا البعض ذلك الى ضعف التنفيذ الفني أو الأداء خاصة للممثل هاني سلامة، إلا أنني مرة أخرى اؤكد أن هذه كلها نتائج لظاهرة أعمق وهي رغبة المخرج في استعراض »التحرر الجنسي« أمام الآخر الغربي الأمر الذي جعل المشاهد الجنسية تبدو مقحمة وغير نابعة من الظرف الموضوعي للشخصيات. عقدة النقص تجاه هذا الآخر هي أيضاً ما يفسر التسطيح الذي اتسمت به شخصيات أساسية مثل مارغريت التي لم يستطع شاهين من خلالها تجاوز القالب الجاهز للمرأة الغربية المطبوع في أذهاننا والذي عفا عليه الزمن بل ربما أدق أن أقول عفت عليه الايديولوجيات: المرأة المادية العملية ذات الاحساس المشوّه بالأمومة الذي تعبّر عنه علاقة مرضية بالابن ناتجة عن نشأتها في عائلة متفككة وعلاقة مشوهة بالأب. شخصية مركبة ليست من لحم ودم بل هي من صوغ الأفكار الجاهزة حول تفكك العائلة الأميركية وانهيار قيمها وفقدان الغرب لإنسانيته. ظواهر قد تكون موجودة لدى »الآخر« الغربي، إلا أنها تفقد مصداقيتها تماماً عندما تقدم على شكل قوالب مفبركة عوضا أن تكون شخصيات إنسانية لها شرطها الموضوعي وإشكالياتها وتناقضاتها التي تعطينا مجالا للحكم عليها بأنفسنا بدلا من أن نتبنى قسرا حكم المخرج. الابتذال هذه »الفبركة« لا تتجلى فقط في الشخصيات الأجنبية بل وفي ثنائياتها العربية. فأمام رغبته العارمة في إثبات الغنى الروحي لشخصية الأم المصرية في مقابل المادية المطلقة لدى رديفتها الغربية، يصر شاهين على تكرار حالة البكاء التي أدّتها لبلبلة بحس عال في أكثر من مشهد، الأمر الذي يوقعه في مطب ابتذال المشاعر الصادقة لهذه الأم. ابتذال عواطف هذه الشخصية يفقدها القدرة على الاقناع، فهي نموذجية إلى أقصى الدرجات، تتخذ كل المواقف المثالية التي يريدها المخرج، فترحب بزواج حنان على الفور ولا يزعجها أبدا ان كل شيء تم دون علم منها، كما أنها تتبنى موقف شاهين الحاد من التطرف الديني، الى درجة انها تتبرأ من ابنها الوحيد، مأخوذا برغبته في إقناع »الآخر« الغربي بأن الموقف الرافض للتطرف ليس حكرا على المثقفين المتنورين فقط، بل هو من طبيعة المصري الأصيل والبسيط المتمثل بشخصية الأم، يحمّل شاهين هذه الشخصية موقفا بالغ الصعوبة والتعقيد دون أن يغوص في تناقضاته بالنسبة لها. ويكتفي شاهين بافتعال موقف الصدام مع الابن الذي يحاول ضرب أمه ليبرر قرارها بالتبرؤ منه، دون أن يفسح لها المجال لتعيش تناقضات هذا القرار الصعب، فيبدو وكأنه موقف طبيعي لا يحتاج عناءً كبيرا. السطحية في التعاطي مع موقف الأم وشخصية الأخ المتطرف الذي يبدو أشبه »بالإرهابي العربي« كما تقدمه أفلام هوليوود الدعائية، تثبت مرة أخرى عجز شاهين عن تقديم »الآخر« بموضوعية وخارجا عن القوالب الجاهزة. وإذا كان شاهين يرى في التطرف الديني وهيمنة رأس المال الغربي، الخطر الذي يهدد حلم الإنسانية بالتوحد مع الآخر، فإنني أرى خطرا أعظم في الذهنية المتأزمة العاجزة عن التواصل مع الآخر واحترامه، عجزها عن احترام ذاتها. وبقدر ما يفرحني وجود السينما العربية على الساحة العالمية، يؤسفني أن يتمثل هذا الوجود بعقلية يخفي انفتاحها الظاهري انغلاقا يزيد المسافة بيني وبين »الآخر« بدلاً من أن يقربني منه. ليلى حوراني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة