سمير فريد واحد من أبرز النقاد السينمائيين المصريين والعرب على حد سواء، فصاحب الثلاثين مؤلفا في النقد السينمائي عمل على تغطية النشاطات السينمائية في البلاد العربية وأصدائها في العالم الخارجي أيضا، بالاضافة الى اهتمامه بتطور الحركة السينمائية في العالم. وقد غطت مؤلفاته الثلاثون قسماً مهماً من تطور الحركة السينمائية ليس في مصر فحسب بل شملت دولاً تكاد تفتقر إلى هذا الفن الراقي لسبب أو آخر فبحث في الأسباب واقترح الحلول. حوارنا معه حين كان ضيفاً على مهرجان دمشق السينمائي الحادي عشر تركز على قضايا تخص السينما المصرية والعربية بمشكلاتها الحالية وآفاقها المستقبلية. { منذ سنوات كانت قضايا السينما العربية محكومة بأفكار سياسية وعقائدية، وكانت هذه الأفكار تؤطر السينما وتمثل خلفيتها أحيانا. المشهد منذ بداية الثمانينيات وحتى الآن اختلف الى حد ما. ما هي أهم قضايا السينما العربية الآن وكيف تتجلى اتجاهاتها الفكرية؟ أعتقد أن القضايا هامة كانت أم لا تتوقف على صانع الفيلم. عندما يتناول صانع فيلم ضعيف قضية هامة يصبح الفيلم بدون قيمة، فالأفلام لا تستمد قيمتها من حجم القضايا التي تتناولها وإنما من الشكل الذي يتم به تناول هذه القضايا ومن وجهة النظر التي تعبر عنها. لذا أعتقد أن المشكلة في السينما العربية الآن ليست في تناولها لقضايا سياسية أو غير سياسية وإنما في مدى استقلاليتها وأصالتها وإمكانيات إنتاجها. نحن اليوم في حالة حديث عما إذا كان سيستمر إنتاج الأفلام أو لا يستمر في بلد كسوريا مثلاً. الآن هناك فيلم في السنة وهذا الفيلم مهدد بأن لا ينتج. وأعتقد أن هذه هي المشكلة الأكبر على الأقل في بُلدان كسوريا ولبنان لكن طبعا باستثناء مصر لأنها حالة خاصة. { لكن كان هناك في مصر اتجاهات فكرية للأفلام.. ليس لوضع السينما المصرية علاقة بأوضاع السينما في الدول العربية الأخرى. السينما المصرية صناعة ضخمة ومستقرة وقديمة جدا كصناعة السينما في إيطاليا وفرنسا، وبالتالي فإن طبيعة مشكلاتها مختلفة. أزمة السينما في مصر تكون عندما ننتج ثلاثين فيلما فقط. أما هذه الأزمة في الدول الأخرى فتعني إمكانية إنتاج فيلم واحد فقط، لأن إنتاج خمسة أفلام في سوريا مثلاً يعتبر نهضة سينمائية. ولذا فالحديث يجب أن يفرق بشكل واضح بين الوضع في مصر وخارج مصر. في مصر مشكلة متعلقة بآلية صناعة السينما منذ عشر سنوات، ولكنها اقتربت من نهايتها وإن لم تنته تماما. والمشكلة هي في علاقة هذه السينما بمصادر التوزيع الجديدة، فجهات التوزيع في مصر عجزت عن التعامل الصحيح مع القنوات الفضائية فرخصت سعر الفيلم وبالتالي أضعفت الانتاج.. { إذاً في ظل هذه الثورة التقنية وانتشار الفضائيات العربية، ما مدى تأثر صيغة الفيلم الفكرية، بمعنى أن السينما كان عليها أن تتنازل عن عمقها لصالح التلفزيون؟ هذه القضية متعلقة بالسينما وغير السينما. كلامك صحيح، فالتأثير موجود لأنه بات لدينا الآن سينما (محجبة) كنتيجة للتلفزيون المحجب والراديو والأدب المحجبين. أصاب الحجاب العقل وليس الوجه فقط، وكان لهذا الوضع تأثيره على السينما إلا أنه ليس جديدا، بل هو نتيجة شيء موجود أصلا وليس ناتجاً عن الفضائيات، فالقنوات التلفزيونية، أرضية كانت أو فضائية، تعكس حالة اجتماعية، حالة أعتبر ان فيها الكثير من التردي والتخلف عما كنا عليه من عشرين سنة فقط من حيث علاقة احترام الفرد واحترام المرأة، فالوضع الاجتماعي العربي هو وضع مأزوم من حيث وجود قوانين تحكم العلاقة بين الناس بعضهم ببعض وبين الناس والدولة.. انتهى القطاع العام { في ما يخص الدولة ما هو دور القطاع العام في مصر؟ لم يعد هناك قطاع عام في مصر، القطاع العام توقف عن الإنتاج سنة 1971 بعد عشر سنوات من الانتاج واستمر في التوزيع واستثمار دور العرض والاستديوهات حتى العام الماضي حيث بيع للقطاع الخاص وبالتالي لم نعد نستطيع القول إن هناك قطاعا عاما للسينما في مصر على الإطلاق. { هل تحاول الدولة أن تحدد إذاً سياسة إنتاج مثلاً؟ لا للأسف. لكن ليس مطلوبا من الدولة أن تضع سياسة للانتاج، فسياسة الانتاج يضعها المنتجون، ما هو مطلوب من الدولة هو أن تضع قوانين تشجع على الانتاج وتعنى بتقديم منح لا ترد لمشروعات أفلام متميزة. هذه وظيفة الدولة ولكنها في مصر لا تقوم بها. { سمعنا أن السيد فاروق حسني وزير الثقافة المصرية قال إنه سيمنح قروضا بما يعادل 500 ألف جنيه... لا، في الحقيقة كلامه لم يكن كما فهمناه في البداية وكما يمكن أن يفهمه كل سينمائي في مصر وفي العالم. كان يقصد تقديم قروض للمنتجين بفوائد قليلة، وطبعا لم يوافق أحد على هذا المشروع لأن الموضوع لا قيمة له فالمنتج يستطيع أن يأخذ قرضا من البنك وقضية الفائدة هذه مسألة صغيرة لأن دور الدولة ليس تقديم فائدة أقل من البنك بل تقديم المنح التي لا ترد لمشروعات سيناريوهات كما في فرنسا بل كما في بوركينا فاسو أفقر في بلد في العالم. الحاصل في مصر هو ان الدولة والمجتمع لا يتعاملان مع السينما كفن مثل بقية الفنون بل يجرون ترتيبا للفنون تأتي السينما في آخره.. { هل صحيح ما يقال عن السينما في مصر بأنها ليست صناعة سينما وإنما صناعة فيلم، بمعنى أن طلعت حرب عندما حاول أن يؤسس لهذا الموضوع أول ما قام به هو تأسيس بنية للعمل السينمائي دون أن يفكر فورا في إنتاج الفيلم..(*) الحقيقة لا أدري ما هو الفرق بين صناعة فيلم وصناعة سينما. صناعة السينما في مصر بدأت في العشرينيات وهي موجودة حتى الآن. هي صناعة متكاملة فيها كل البنية التحتية والقوى البشرية ويعمل بها 5000 شخص من الأربعينيات وحتى الآن. هناك صناعة سينما في مصر وهذه الصناعة تحتل المرتبة الحادية عشرة على مستوى العالم في القرن الأول للسينما. السينما في مصر من حيث الكم والكيف والتأثير وحجم الجمهور صنعت ثلاثة آلاف فيلم طويل وألفي فيلم قصير. هذا الرقم لا يفوقه في آسيا غير الهند واليابان ولا يفوقه في أفريقيا أحد وفي أوروبا لا يفوقه غير إسبانيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، لأن ثلاثة آلاف فيلم هي مجموع ما أنتجه شرق وشمال أوروبا في السنوات المئة الأولى من السينما. فهي صناعة كبيرة على مستوى العالم، وأنا أتكلم هنا من حيث الصناعة وليس من حيث القيمة الفنية، أما من حيث الجمهور فهي صناعة كان لها مئة مليون متفرج في المنطقة العربية والآن 200 مليون، بينما يصنع المخرج المجري مثلا فيلما آخر حدوده هي حدود المجر. طبعا الضعف الكمي لا يعني بالضرورة الضعف الفني، فسوريا التي صنعت ثلاثين فيلما على مدى ثلاثين سنة لديها عشرة أفلام هي من أفضل الأفلام التي أنتجت في تاريخ السينما العربية. الصناعة شيء والتعبير الفني شيء آخر. { هل هناك محاولة لتحقيق أي وحدة فنية بين العرب.. في نهاية الثمانينيات مثلا تأسس اتحاد الفنانين العرب ولم يسمع عنه شيء بعد تأسيسه.. فكرة الوحدة، أي الوحدة في إطار التنوع، تتطلب مستوى حضاريا لم يصل إليه العرب عموما. وصلت إليه أوروبا مثلا بقيام الوحدة الأوروبية رغم الفرق الكبير بين الأوروبيين من حيث اللغة والثقافة. فكرة الوحدة كي تتحقق تحتاج لقدر من التحضر والتفكير الذي لم يصل إليه العرب. إن الذي يوحد العرب فعليا هو الفنان المبدع، نجيب محفوظ موحد للعرب فكل العرب يقرأونه، نزار قباني موحد للعرب، أم كلثوم وعبد الوهاب، فالذين يوحدون العرب عمليا هم الفنانون، أما في الواقع السياسي والاجتماعي فلم نصل إلى الدرجة هذه من هذا الوعي. فكرة اتحاد السينمائيين والكتاب كلها فشلت نفس فشل جامعة الدول العربية. { في ما يخص الناحية الاقتصادية وليس السياسية. ففي صناعة السينما مثلا كان الموزع العربي يتدخل الى حد ما في السينما المصرية؟ لقد تدخل بموافقة ورغبة صناعة السينما المصرية. المنتج التجاري المصري يريد الربح ويبحث في حاجة المغربي والسعودي واللبناني.. المسألة تجارية بحتة كما حين يصنع فيلم في أميركا لمخرج معين يعبر فيه عن وجهة نظره وفيلم آخر يصنع بحيث يقبل العرض في الصين واليابان وجوهانسبورغ وكل مكان. فتحالف أصحاب المصالح التجارية هو تحالف طبيعي وأنا لست ضده ولكني أصفه بأنه تحالف ضد كل الفنانين في كل الدول العربية في مصر وخارجها، فوضع محمد ملص في سوريا هو نفس وضع خيري بشارة في مصر ونوري أبو زيد في تونس. عدوهم واحد وهو العدو الذي يرى أن سينما المؤلف هذه ليس لها ضرورة ولا يجب إنتاجها. الناقد الحقيقي { لماذا تراجع الاهتمام بالأدب كمادة سينمائية الى حد ما في الآونة الأخيرة.. بحيث تغلبت سير المخرجين.. لأن هناك ارتباطاً يكاد يكون شرطيا بين نمو سينما المؤلف والابتعاد عن الأدب. لكن لا بد من الانتباه هنا إلى أن كلمة مؤلف هنا لا تعني بالضرورة مؤلف السيناريو، فالمؤلف هنا مؤلف الاخراج والمشاهد ومؤلف بناء المشهد السينمائي. ونحن عرفنا هذا في الربع الأخير من هذا القرن فقط فلم تتبلور بعد الفكرة لدينا، والتأليف السينمائي لا يعني بالضرورة أن تبتعد عن الأدب، مثال على ذلك فيلم »روميو وجولييت« للمخرج الاسترالي باز رولمان. فيلم مأخوذ عن شكسبير لكنه فيلم باز رولمان. فهو لا يستمد قيمته من كونه مأخوذا عن شكسبير لأن أسلوب الفيلم قوي لدرجة أنه لا يحقق قيمته من الفكرة الأدبية وإنما من طريقة معالجتها. { في ما يخص النقد السينمائي في الوطن العربي هل هناك نهج للنقد السينمائي يخص النقاد العرب دون غيرهم..؟ لا يوجد منهج سينمائي يخص السينما الأميركية دون غيرها، ولا يوجد منهج سينمائي يخص الأميركيين دون غيرهم. المناهج النقدية موجودة على قارعة الطريق، بمعنى أن هذه المناهج بقديمها والكلاسيكي أو الحديث وما بعد الحديث منها هي مناهج مطروحة أمام المفكرين في السينما لكي يختاروا منها أو يبتدعوا منها مناهج جديدة. ليس مطلوبا أن يكون هناك منهج لنقد السينما العربية بشكل خاص، فالناقد يمكن أن ينقد بنفس المنهج الفيلم العربي والياباني لأن عمل الناقد ليس عملا قوميا، هو عمل يحاول أن يساعد المتفرج على تلقٍّ أفضل للفيلم وللعمل الفني بصفة عامة. ومن هذا المنطلق هناك نقد سينمائي عربي ولدى هذا النقد مناهج متعددة من الماركسيين إلى الفاشيين. في مصر بعض النقاد فاشيون رسميون معادون للأجانب، معادون للسامية، صريحون في التعبير عن وجهة نظرهم. فهناك تعدد في الاتجاهات السياسية والمناهج واضح في كل حركة النقد السينمائي العربي التي عمرها ربع قرن. { ألم يصبح لدينا الآن مشكلة من ناحية التفريق بين الناقد السينمائي الحقيقي والصحافي الذي يقدم متابعات تقرأ على أساس نقدي..؟ الذي يعرف ما هو النقد ويقرأ النقد الأدبي والمسرحي والموسيقي يستطيع معرفة ما إذا كان هذا نقدا سينمائيا أم مجرد ملاحظات عابرة. لكن هذه ليست المشكلة. المشكلة في أن هناك مادة منشورة تدعي النقد وأن لا يوجد غيرها. المشكلة هي في أن تصبح هي المادة السائدة والغالبة. وهذا هو الحاصل في الصحافة اليومية بشكل خاص، وهو أمر يتوقف على الصحف ذاتها. الصحافة اليومية والأسبوعية هي التي تفرض وجود النقد أو عدم وجوده من خلال سياستها، وعندما تستهين بالموضوع يصبح أي كلام يسمى نقدا. احتقار السينما { ولماذا تهتم الصحف العربية بالأدب والفن التشكيلي على حساب الفن السابع؟ لأنها صحف متخلفة. لأنها تمتلك نظرة محجبة للفنون وترتيبا خاطئا لها. الفنون لا ترتب لأن الفنون قيمتها تأتي حسب مبدعيها. ففي مصر يتحدثون عن الشعر في المرتبة الأولى وينظرون للسينما نظرة متخلفة نتيجة تخلف فكري فعلي، فالموضوع السينمائي هو مادة لنشر صورة لنجمة محبوبة لبيع الصحيفة. المسألة برمّتها تبدو رخيصة، وأنا لا أعتقد انه توجد صحافة في العالم من الصينية الى اليابانية الى الانكليزية غير الصحافة العربية تضع السينما في هذه المرتبة. والشيء ذاته بالنسبة لدور النشر التي تعتبر ان إصدار كتاب نقد سينمائي حدث، بينما في العالم هناك دور نشر متخصصة للسينما في كل اللغات. { هل لهذا علاقة بثقافتنا لكونها ليست ثقافة بصرية؟ بالعكس ثقافتنا بصرية والشعر العربي القديم مليء بالصور البصرية. هذه مسألة لها اعتقاد بالخوف من السينما. الخوف بالنسبة للأصوليين الدينيين الذين يرون أنها تنافس الله في خلقه، ولها علاقة من ناحية أخرى بالمنظومة السياسية التي ترى في كل الفنون وسائل دعاية، فإذا وجدوا أداة تقدم دعاية أكثر من السينما كما الآن في التلفزيون فإن التركيز ينصب عليه. هناك حالة مزدوجة من الأصولية الدينية والديكتاتورية السياسية. { لقد كان تقييمك لافتتاح مهرجان دمشق السينمائي بالسخيف كما جاء في مادتك لصحيفة الجمهورية، الحقيقة أرى هذا الرأي مفاجئا بصراحته؟ عندما أذهب لسوريا أو لبنان أو تونس لا أعتبر نفسي (مستر روبرت) القادم من كندا ليعتبر ان كل ما يراه من السلبيات طبيعيا، أنا أنظر للمسألة وكأنني في مصر فأنا لست ضيفا أجنبيا أحضر من باب الشفقة على المتخلفين. كلنا في قارب واحد، ولذا عندما أتكلم أقول رأيي بصراحة كاملة. العرض كان سخيفا فقلت انه كان سخيفا. ومن هذا المنطلق لا حرج. افتتاح دمشق كان سخيفا ولكن كان ثمة أسخف منه في القاهرة. وعلى كل أنا أنتقد من وجهة نظري، وفي العموم فإن حفلات الافتتاح اختراع عربي سخيف وأنا حضرت أكثر من مئة مهرجان عالمي لم يكن فيها ما يسمى بحفل الافتتاح لأن نجم الحفل هو الفيلم، أي في أن تنجح كإدارة في الحصول على فيلم مدهش. لكن مهرجان دمشق يهمني في الواقع أكثر من مهرجان القاهرة الذي لا أحضره وإنما يحضرني لأني أعيش في مدينته. فمهرجان دمشق ترعاه الدولة بينما في مصر مطلوب من المهرجان أن يسدد نفقته من خلال عرض مشاهد إباحية في آخر الليل. هنا الدولة ترعى الثقافة وترعى قيام مهرجان سينمائي، تصدر كتبا مؤلفة عن السينما وتصدر المجلة السينمائية الوحيدة التي تصدرها حكومة عربية. لذا فثمة شيء محترم ولذلك علينا أن ننتقد بصراحة. المشاحنات السينمائية في سوريا { لا أدري ما إذا كنت اطلعت على القضية المثارة حاليا حول السينما في سوريا والخلاف الدائر بين المهتمين بها على الصعيد الاعلامي.. وهل ترغب بالتعليق على ما يحدث؟ الشحن غير موجود بين السينمائيين السوريين في الحقيقة. وإنما بالضبط هناك اثنان أو ثلاثة اختلفوا مع الباقين في الموقف من المؤسسة ومن الهجمة التفتيشية عليها، وبالتالي حصل خلط بين عدة أشياء. السينمائيون السوريون بالتأكيد لا يدافعون عن الفساد وإن لم يثبت بعد والبيانات التي صدرت لم تحاول القيام بهذا الدور. لكن الخلاف لا يجب أن يكون حول بقاء المؤسسة أو عدمه، وفي تقديري أنه يجب الدفاع عن العلاقة مع الدولة لأنه بدون رعاية للسينما في سوريا لن توجد سينما أبدا. وهذه العلاقة سواء كانت على شكل مؤسسة أو على شكل صندوق دعم أو غيرهما لا بد من وجودها. الخلافات التي حصلت بين مجموعة كبيرة ومجموعة أقل نسبيا ليست هي القضية في الحقيقة بل الخشية التي أخشاها ويخشاها السينمائيون في سوريا أكثر مني هي أن تكون مسألة التفتيش هذه وسيلة لإنهاء دور علاقة الدولة بالسينما، وهذا ما حصل في مصر، وهو خطر حقيقي. الخوف هو في ان يكون الدفاع عن الفساد وهو وسيلة لغاية أخرى غير معلنة. لكن في الوقت نفسه لا بد من إنصاف الجانب الآخر من الحقيقة، وأقول هذا للإنصاف فقط وليس لأي سبب آخر. ففي السنوات العشر الأخيرة التي تولى فيها مروان حداد منصبه كمدير عام للمؤسسة العامة للسينما شهدت سوريا لأول مرة إصدار كتب متخصصة في السينما وإنتاج أفلام ممتازة جدا لمحمد ملص وعبد اللطيف عبد الحميد وريمون بطرس ورياض شيا فكان هناك إنتاج سينمائي وثقافي متميز وحصلت دورات جيدة للمهرجان وإن كانت هذه الدورة ضعيفة لكن بالعموم لا أراه عصرا سيئا، فهو أول مخرج تولى مهمة إدارة هذه المؤسسة. أما مشكلة الادارة في هذه القطاعات فهي مثيرة للجدل دائما فإما أن تأتي بإداري ممتاز من الخارج كحميد مرعي الذي أسس هذه المؤسسة وأنتج أحسن كلاسيكيات السينما السورية، أو تأتي بفنان من بين المخرجين يتولى قيادتها. وللحالتين مزايا وعيوب ولكن بالتأكيد تجربة مروان حداد أثبتت أن الفنان يستطيع أن يدير المؤسسة لأنها مؤسسة ذات طبيعة خاصة. وفي الحقيقة أنا أندهش كثيرا من اعتبار ان الفترة التي فاتت هي فترة فشل إداري وثقافي بالنسبة لمروان حداد لأنها فترة ناجحة بكل المقاييس. (*) الرأي رأي الناقد المصري كمال رمزي في حوار مع الناقد السوري الراحل سعيد مراد في كتاب مقالات في السينما العربية، ص 155، دار الفكر الجديد، 1991. حاوره / زياد حيدر