لم يكن غريبا، وان كان غير مألوف، ان تتواكب جهود ثلاث من دور النشر، في سوريا ولبنان، لتقديم هذا الإصدار الجديد، والمتميز.. فقد عملت جريدة »السفير«، ودار حصاد في دمشق، ودار الملتقى في بيروت، على إنجاز »موسوعة فن العمارة الاسلامية« للباحث العربي الليبي جمعة أحمد قاجة، وقد جاءت هذه الموسوعة لتشكل بصدورها حدثا ثقافيا هاما ومتميزا ونادرا في الساحة الإبداعية والثقافية والفكرية العربية.. فإذا كان من المتاح يوميا، على نحو تقريبي، ان تستضيف المكتبة العربية، مؤلفا وإصدارا جديدا في مجالات الشعر والقصة والرواية والدراسة والبحث... فإنها تفتقد كثيرا الى الاضافات الموسوعية البحثية الأكاديمية.. خصوصا عندما يتعلق الأمر بموضوع يستدعي الكثير من الدأب والتدقيق والترحال والتنقل، كما يرتبط بشؤون عديدة، تتفرع او تتشابك معه.. الحديث عن فن العمارة الاسلامية على سبيل المثال يقتضي أحاديث حول الهندسة المدنية والهندسة المعمارية، بما يعنيه ذلك من بحث في أصول علمية لإشادة البناء وتدعيمه وتصليبه من حيث الأساسات والأعمدة والجدران ثم الأسقف والأقواس والقباب وتشكيلاتها، وكذلك دراسة تقسيم البناء لأداء وظائف عديدة كالمداخل والتهوية والإضاءة والخدمات والمرافق.. ثم الحديث حول فنون وعلوم أخرى كالفيزياء والكيمياء بما يتضمن ذلك من بحث في المواد الداخلة في البناء وتفاعلاتها ومدى صلابتها وصمودها تجاه عوامل التأثير الطبيعية من أمطار ورياح ومؤثرات اخرى، ومقاومتها لعوامل الاحتكاك والاستخدام.. وكذلك دراسة قوى العزوم والضغط والثقالة.. ودراسة علوم الجيولوجيا وأثرها في تماسك وقيام البناء كتماسك التربة وتحملها والزلازل وصموده ضدها.. وعلوم الميكانيكا بما تتضمنه من علم السكون والتحريك، الذي يؤسس لنهوض الأقواس والأعمدة والقباب.. ورغم كل هذه التحديات المعرفية، والصعوبات والمعوقات التنفيذية، فإن الباحث العربي الليبي جمعة قاجة أقدم بإصرار على إنجاز موسوعته »موسوعة فن العمارة الاسلامية« التي حاولت قولا جديدا في هذا الموضوع، الذي لا تعدم المكتبة العربية الكثير من الموسوعات والدراسات والأبحاث الوصفية المشهدية، او التاريخية التسجيلية، او البحثية المعجمية.. فهل من جديد في هذه الموسوعة؟.. تفيد المطالعة الأولية ان التنفيذ الجمالي للموسوعة قد جاء على شكل باهر، لناحية دقة اختيار الصور والمشاهد البصرية لأنواع وأنساق ومنجزات المعمار الاسلامي، كذلك دقة تنفيذ وطبع وإنجاز هذه المشاهد البصرية على نحو أخاذ، أظهر الجمالية الحقيقية للمشهد المعماري الاسلامي، الخارجي والداخلي، لا سيما ان ما هو مرئي يرصد أنواع المعمار الديني والمدني والعسكري بشكل إجمالي، ككتلة بناء، ثم التدقيق في تفاصيل ومفردات وأجزاء هذه الكتل المعمارية، فثمة صور للأعمدة والقباب والأبواب والنوافذ والزخارف والتزيينات والخطوط.. كذلك الواجهات والأقواس والمشربيات.. وفي موازاة هذه الجمالية الشكلية الرائعة للموسوعة سينهض السؤال مجددا، حول مضمون هذه الموسوعة ومعارفها.. مما يزيد شوق وفضول القارئ لمعرفة محتويات هذه الموسوعة.. ففي الفصل الاول والذي حمل عنوان »الأعمال العمرانية الاسلامية« نجد بحثا في مفهوم فن العمارة الاسلامية، والدور الحضاري لهذا الفن، ثم جولة واسعة في أنواع المعمار الاسلامي، فيبدأ بما هو ديني من مساجد وجوامع يراعي فيه التنوع الثري، في الأمكنة، وفي المدارس الأشكال والطراز الذي ظهرت فيه هذه الجوامع، مع مراعاة التسلسل التاريخي أحيانا، ثم عمارة الأضرحة والترب والمدافن والتكايا والخانقاهات.. وينتقل بعد ذلك لأنواع العمارة المدنية من قصور ودور وبيمارستانات وخانات وأسواق وحمامات وحدائق وأحواض (سدود) ومدارس ومدن.. ليقف في نهاية هذا الفصل عند العمارة العسكرية وأنماطها من قلاع وحصون وأسواق وأربطة.. وفي الفصل الثاني يبدأ الحديث حول »المدارس المعمارية وطرزها« بتمهيد تاريخي حول العصور والمراحل التاريخية في المسيرة الاسلامية بدءا من صدر الاسلام والعصر الراشدي وصولا الى مطالع القرن العشرين، وفي هذا التمهيد نتعرف على العصور الاسلامية، العربية وغير العربية، وشروطها التاريخية.. ثم يبدأ في الحديث حول المدارس المعمارية المتنوعة الأموية والعباسية والفاطمية والسلجوقية والأيوبية والمملوكية والإيرانية المغولية، والصفوية والهندية والعثمانية والمدرسة المغربية الأندلسية والمدجنين والموحدين والأغالبة والحفصيين.. وميزات كل واحدة من هذه المدارس وطبيعة اهتماماتها سواء في الواجهات او الأعمدة او المآذن او القباب، وتقدم الموسوعة دراسة مستفيضة لكل خصوصية من هذه المدارس.. أما الفصل الثالث فهو يذهب نحو التدقيق في مفردات العمارة حيث يتوقف عند »العناصر المعمارية« بما هي من أبواب وأعمدة وتيجان وأقواس وعقود وقباب ومآذن وواجهات، ودور كل عنصر من هذه العناصر، وأهميته، والأشكال التي تميز بها، والحضور الذي حازه في كل مرحلة من مراحل عمر العمارة الاسلامية، بينما يتوقف الفصل الرابع عند »العناصر الزخرفية« بأنواعها الهندسية والنباتية والخطية ورسوم الحيوانات، والوحدات الزخرفية ومفردات الزخرفة من مقرنصات وفسيفساء والمواد التي استعملت في الزخرفة من خزف وعاج وآجر وزجاج.. وترصد الموسوعة فصلا خاصا لفن الترميم نظرا لأهمية عمليات الترميم في الحفاظ أولا على وجود وسلامة الآثار المعمارية، وثانيا الحفاظ على هويتها وخصوصيتها، دون تشويه او تزييف ولذلك سنرى المؤلف يدرس الشروط العلمية لعملية الترميم الصحيحة... ويقدم نماذج من أهم أعمال الترميم التي نفذت.. وتخصص الفصل السادس لجولة حول بعض »المآثر الاسلامية في العالم« فتذهب نحو العديد من البلدان التي مثلت نماذج للإبداع المعماري من غير مدرسة معمارية كما في الهند وبعض دول آسيا، واليمن وبعض دول الخليج، وأفريقيا في بعض دولها، ثم يتوقف عند الآثار والطرز المعمارية في الجماهيرية العظمى.. أما الفصل السابع فكان عنوانه »فن العمارة الاسلامية في القرن العشرين« وفيه تقديم لبعض المآثر المعمارية الجديدة التي تم إنجازها منذ مطلع القرن العشرين، سواء ببناء عمائر جديدة، او توسيع وصيانة وتطوير العمائر القديمة، ومن اللافت ان المؤلف يقدم صورة عريضة تمتد حتى أركان الأرض من أقصى مشرقها حتى أقصى مغربها، ومن أدنى جنوبها حتى أعلى شمالها.. مع تدقيق فيما هو متميز من أبنية ومشاريع عمرانية إسلامية، خصوصا في العمارة الدينية والثقافية (مساجد وجوامع ومراكز ثقافية إسلامية).. ويختتم المؤلف الموسوعة بفصل ثامن يحمل عنوان »استخلاصات عامة« يجمل فيه رؤيته وفلسفته لفن العمارة بدءا من حديث الخط العربي الذي يأخذ أهمية خاصة في فن العمارة الاسلامية، ثم الحديث حول العربي والاسلامي في الفن وتأثير الشعوب والثقافات غير العربية في المنجز التاريخي للعمارة الاسلامية، كالتأثير الأوروبي الأغريقي والروماني، والأثر الفارسي، والتركي، والمغولي والهندي.. ثم يتوقف عند مفاهيم الكتلة والفراغ في فن العمارة الاسلامي ويؤكد ان فلسفة العمارة الاسلامية تتجلى في البحث عن دور الكتلة والفراغ في فن العمارة الاسلامي، ليصل الى استنتاج ان حديث العمارة الاسلامية هو حديث لا ينتهي، فالعمارة الاسلامية هي مناجاة المخلوق للخالق العظيم، والتأمل في الواقع والكون والانسان المخلوق، وعظمة الخالق.. عموما يمكننا القول ان »موسوعة فن العمارة الاسلامية« للباحث العربي الليبي جمعة أحمد قاجة، هي واحدة من أهم الاصدارات خلال العام 1999 والتي شكلت إضافة جديدة وهامة للمكتبة العربية، بعمقها الفلسفي، وغناها المعلوماتي والمعرفي، وتناسقها، وسهولة تناولها، وتكامل ما هو مكتوب مع ما هو مرئي، بحيث تعزز الصورة »التي تساوي عشرة آلاف كلمة« الحديث الذي قدمته هذه الموسوعة، وتصادق هذا الجهد المعرفي الفلسفي الموسوعي الأكاديمي البحثي الكبير.. صالح موسى