أدبيات السلطة والمعارضة في المؤلف والمختلف من تراث الشتائم كثيرة للغاية. وهو لا زال مستمرا عند أهل السياسة من جيل الى جيل. يعيرون به خصومهم السياسيين. وكأنهم يقولون لهم من باب الثورية: نحن أفضل منكم حالاً ومالاً. فمن الشتائم التي استعملت بكثرة بين الخصوم من أهل السلطة قديما. قولهم »إلى لعنة الله« أو قولهم: »لعنه الله«. واللعن كما أوردته معاجم اللغة. هو الطرد والبعد. ولعنه الله: أي باعده وطرده. فقد خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على منبر الكوفة، فعارضه الأشعث بن قيس، وقال له: هذه عليك لا لك. فخفض عليّ بصره. وقال له: ما يدريك ما عليّ مما لي. عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين. حائك بن حائك. منافق بن منافق. كافر بن كافر. والله لقد أسرك الإسلام مرّة والكفر مرّة. فما فداك في واحدة منهما حسبك ولا مالك. وفي خبر مروان بن الحكم، انه اطلع على ضيعة له بالغوطة. فأنكر شيئا. فقال لوكيله: ويحك. إني لأظنك تخونني. فقال له: افتظنّ ذلك ولا تستيقنه؟ قال: نعم. والله إني لأخونك. وإنك لتخون أمير المؤمنين. وان أمير المؤمنين ليخون الله. فلعن الله شر الثلاثة. وقد غضب عبد الملك بن مروان على الحجّاج في ساعة من ساعات غضبه عليه. فقال له: إنك عبد طمت بك الأمور. فغلوت فيها. حتى عدوت طورك. وجاوزت قدرك. أنسيت حال آبائك في اللؤم. والدناءة في المروءة والخلق. فعليك لعنة الله من عير أخفض العينين. أسك الرجلين، ممسوح الجاعرتين. فمن خلال الوقوف على هذه اللغة التراثية المليئة بألفاظ الشتم والتعيير والتجريس. والتي تذهب الى ضرورة جمعها وتدوينها وتحليلها. فإننا نتمكن من »صياغة الخريطة الأساسية للصراعات والمنازعات والعداوات بين طبقات وشرائح المجتمع. خاصة، ومتابعة الحالات النفسية التي قد يكون هناك إفادة من متابعتها«. وصيغ اللعن كثيرة. فقد قال الأسود الهلالي، لآمنة بنت الشريد: عليك لعنة الله. كما قال عبد الله بن الحسن الطويل لكثير عزة: عليك لعنة الله. وكذلك قال أيضا عبد الملك بن مروان لثابت بن الزبير: عليك لعنة الله. وقال بشر بن مروان للفرزدق وجرير: عليكما لعنة الله. وتفصيل القصة: ان الفرزدق وجرير، اجتمعا عند بشر بن مروان، فرجا أن يصلح بينهما حتى يتكلما. فقال لهما: ويحكما، قد بلغتا من السن ما قد بلغتما، وقربت آجالكما، فلو اصطلحتما، ووهب كل منكما لصاحبه ذنبه. فقال جرير: أصلح الله الأمير، إنه يظلمني، ويعتدي عليّ. فقال الفرزدق: أصلح الله الأمير، إني وجدت آبائي يظلمون آباءه، فسلكت طريقهم في ظلمه. فقال بشر: عليكما لعنة الله، لا تصطلحان والله أبدا«. وتراكيب اللعن كثيرة. فمن ذلك ما رواه الأغاني، أن رجلا شاور أبا العتاهية، في ما ينقش على خاتمه، فقال: »أنقش عليه: لعنة الله على الناس«. وقد قال مرة لأحد الصيادين: اغرب لعنك الله وغضب عليك. وتقابل جند البصرة، يقودهم المهلّب، بسولاف، بالخوارج، فتشاتموا، فقال لهم أصحاب المهلّب: يا أعداء الله. وقال لهم الخوارج: يا إخوان الشياطين، وأولياء الظالمين، وعبيد الدنيا. لا أم لك ومن صيغ الشتم أيضا، قولهم: »غضب الله عليه«. والغضب نقيض الرضا. وغضب الله: إنكاره على من عصاه. وإذا غضب الرجل من شيء، قيل: غضب منه. فإذا غضب لآخر حي، قيل: غضب له. فإذا غضب لآخر ميت: قيل: غضب به. وقد قال عبد الله بن عمر مرة لابن أبي عتيق، حفيد أبي بكر الصديق: مالك، غضب الله عليك، وذلك بسبب سماعه منه كلمة فاحشة، قصد بها الإتيان بفعلة شنعاء. وقالوا أيضا: »أسخن الله عينه«، أي جعلها تبكي بدموع حارة من الحزن. كما قالوا: »سخنت عينك« و»يا سخين العين«. وقد ورد في شعر الفرزدق حين هجا مسكين الدرامي: »أبكى الله عينك«. إذ قال له: أمسكين أبكى الله عينك إنما جرى في ضلال دمعها وتحدرا. وكذلك قالوا: قطع الله يده، للكاتب. وقد قال ذلك القاضي أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب الذي ولي قضاء مصر سنة 293ه. وكان يركب إليه الأمراء بمصر. وقد احتاج إلى تنظيم محضر في مجلس »تكين« أمير مصر. فأمر القاضي الكاتب، فبدأ المحضر بقوله: حضر مجلس الأمير أبي منصور تكين من شهر فيه.. فلمح القاضي الكتابة، فصاح بالكاتب: قطع الله يدك. أكتب: حضر تكين مولى أمير المؤمنين، مجلس القاضي علي بن الحسين، فقال تكين: صدق القاضي. المجلس له حيث حل. وقولهم: قطع الله لسانك. وقد ذكروا أن الخليفة عثمان بن عفان قاله لأبي زبير الطائي وهو شاعر مخضرم مات على نصرانيته. وكان الخليفة يقربه ويدنيه في المجلس. وقد وصف له الأسر. في مقالة عظيمة، شعر الخليفة انه أرعب بها قلوب المسلمين، فصاح به: أسكت، قطع الله لسانك. واستعمل العرب لفظ: فض الله فاه. ففي حديث أروى بنت الحارث بن عبد المطلب لمعاوية بن أبي سفيان انها قالت له، وكانت عجوزا مسنة: أتذكر علياً فض الله فاك وأجهد بلاك. أما قتيبة بن مسلم. فقد أنب أحدهم فقال: اسكت »دق الله فاك«. وأنب الخليفة الأمين عبد الله بن خازم فقال له: »أسكت الله فاك«. وشتمت العرب على النفي. أي المسبوقة بلا النافية. فقال أبو موسى الأشعري لعمرو بن العاص: مالك، لا وفقك الله. وقال قتيبة أمير خراسان، لأخيه عبد الله بن مسلم: لا يبعد الله غريمك. وقال جرير للأخطل: لا حياك الله يا ابن النصرانية. وقالت الشقراء بنت عوانة الطائية زوج عبد الملك بن مروان لروح بن زنباع: لا حياك الله ولا وصل رحمك. وقد قالوا أيضا في صيغة النفي: لا أقام الله رجليك. أو لا سلم الله عليك. أو لا حياك الله ولا قرّبك. وقد رد المأمون، حين سلم عليه إبراهيم بن المهدي بالخلافة: لا سلم الله عليك، ولا كلأك، ولا حفظك، ولا رعاك. وقال أبو الحسن البتي لشكح المنجم: لا بشّرك الله بخير، ولا حياك ولا بيّاك. وهناك شتائم مختلفة، كانوا يقصدون بها التعيير الى جانب الشتم. ولعل الخصومات، كانت تستدعي الحوارات الساخنة بين المتخاصمين، فتجعل الواحد منهما يكيل للآخر صيغ التعيير الأشر إيلاما من أجل إسكات خصمه. وقد ذكر الطبري انه في يوم الطف سنة 61ه. خرج زهير بن القين، من أنصار الحسين، فكلم أهل الكوفة. فصاح به شمر بن ذي الجوشن: اسكتْ اسكتَ الله نأمتك. فقال له زهير: يا ابن البوّال على عقبيه، إنما أنت بهيمة. والتركيب والألفاظ ذات الدلالة على الشتم. كثيرة في التراث اللغوي والثقافي والسياسي والاجتماعي. وهي عادة تتصل بحادثة أو واقعة أو مساجلة أو محاورة. وتكتسب معناها أو سياقها الدلالي، من زمنها أو موقعها. فحين وصف أبو ليلى صديقه الأعمش أمام زوجته بقوله له: هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ ديننا.. لا يغرك منه عموشة عينيه، ولا خموشة ساقية ولا رعشة يديه، غضب الأعمش وقال: قم، أعمى الله قلبك، فقد أخبرتها بطائفة من عيوبي لم تكن تعرفها. ولما خرج بهلول بن بشر في السنة 119. ببست، بعث إليه خالد القسري، جيشا من جند الشام، فطعن بهلول قائد جيش الشام طعنة أنفذها. فصالح القائد: قتلتني، قتلك الله. فقال بهلول: الى النار أبعدك الله. أما أبو حمزة الخارجي فقال في أهل المدينة: أبعدكم الله وأسحقكم. وهناك ألفاظ أخرى تدل على الشتيمة مثل: اغرب، غرب الله عليك. أو انصرف خسيس القدر، بتّ الله منك العمر. وشتمت امرأة زوجها فقالت: سوّد الله وجهك وبيّض جسمك. أو قطع الله ظهرك. كذلك عرف العرب الشتائم غير الموجعة. فقال المعتصم لإسحاق الموصلي النديم: يا صفيق الوجه. أما إسحاق بن إبراهيم الطاهري، فقال لسليمان بن وهب: يا فاعل يا صانع. تعرضني لاستبطاء أمير المؤمنين (يقصد المتوكل)، وكان الملك الصالح نجم الدين بن أيوب، إذا شتم قال: يا متخلف. واستعمل العرب في الشتائم مثل قولهم: أف وتف. فالأف: وسخ الأذن. والتف: وسخ الأظفار. وتقول المرأة لزوجها في غضبها منه: أف لك. وقالوا أيضا: »بفيه الكتكت«. والكتكت والأتلب: فتات الحجارة والتراب. وكان يقال ذلك لمن يطلب طلبا. فيرد ردا عنيفا. وقد قال الإمام علي للأشعث بن قيس، حين طلب منه أن يزوجه زينب: »اغرب. بفيك الكتكت. ولك الأتلب«. وقالوا: »لا أم ولا أب« وهما كلمتان تقال للشتم. وقد اعتبرها ابن منظور من ألفاظ الشتم الشديد. وكلمة لا أم لك، ليس لك أم حرة. وهي سب صريح أو تعني بحسب تفسير آخر: انه لقيط، لا تعرف له أم. أما المبرّد فقد قال في الكامل: إن لا أباك، كلمة فيها جفاء وخشونة. وكانت الأعراب تستعملها فيمن يستعظمون أمره. وقد ورد ذلك في إرجازهم: رب العباد ما لنا وما لكا قد كنت تسقينا فما بدا لكا انزل علينا الغيث لا أبا لك أما قولهم: لا كرامة، فهو أيضا لفظ من ألفاظ الشتم. والكرامة في اللغة: العزازة. وقوله: لا كرامة لك أي لا عزازة، ولا احترام. فقد بلغ عبيد الله بن زياد، موت يزيد بن معاوية. فخطب في أهل البصرة، وطلب منهم أن يبايعوه. فقام يزيد بن الحارث اليشكري، وقال: لا والله، ولا كرامة. أخرى الله ابن سمية. يا ابن اللخناء وتشاتمت العرب بقولهم: سوءة له. وهي في الأصل الفرج والصورة. وقد جاء في القرآن الكريم »فبدت لهما سوءاتهما«، أي الصورة. ثم نقل التعبير الى كل ما يستحيا منه. وتقال بالنصب لأنها شتم للمخاطب، ودعاء عليه. وقال المنصور لخارجي: يا ابن الفاعلة، مثلك يهزم الجيوش؟ فقال له الخارجي: ويلك، سوءة لك. بيني وبينك أمس السيف والقتل. واليوم القذف والسب. ما كان يؤمنك أن أرد عليك، وقد يئست من الحياة، فلا تستقيلها أبدا. فاستحيا منه المنصور، وأطلقه. وقالوا في شتيمة أخرى: ثكلته أمه. والثكل: الفقدان. وقولهم ثكلته أمه: دعاء عليه بالموت. وقيل: لأمك الثكل. وثكلتكم أمهاتكم. ففي معركة الطف، لما بقي الحسين وحده، بعد أن قتل أصحابه، تحامى المحاربون قتله. فصاح بهم شمر بن ذي الجوشن: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل. اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم. وقد شتموا أيضا بقولهم: يا عاجز، أو يا هذا. أو يا هناهز وهذه الأخيرة لفظة نداء، فيها شيء من الاستهانة. وقال الشاعر: وقد رابني قولها يا هناه ويحك ألحقت شراً بشر وخطب حضري بدوية، فأبته وقالت لعمتها: تزوجني غلام حضري، يقول لي: يا هنه يا بنت الهنه. وهناك ألفاظ وتعابير أخرى عيّروا بها، مثل قولهم أخطأت أسته الحفرة. وفيها شتم واستهانة شديدة بالمخاطب. ويراد بها أن المخاطب أراد شيئا فأخطأ، ولم يقع على الغرض. فقد بعث يزيد بن معاوية، الضحاك بن قيس، ليأخذ بيعة ابن الزبير. فأبى أن يبايع. فقال له الضحاك: إن لم تبايع طائعا، بايعت كارها، فقال له ابن الزبير: انك ثعلبة بن ثعلبة، تيس بحيرة، أردت الحقحقة، فأخطأت استك الحفرة. وتعايروا أيضا بقولهم: يا زانية، ويا ابن الزانية. والزنا: الفجور. والزانية: الفاجرة. وتعاير عبيد الله بن ظبيان، وعبيد الله بن زياد. فقال ابن ظبيان: رحم الله عمر بن الخطاب. كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الزانيات، وأبناء الزانيات. فرد عليه ابن زياد: يرحم الله عمر، كان يقول: لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر. إلا خرج مائقا. وشتم أحد أولاد الأحنف بن قيس زبراء، جارية أبيه الأحنف، فقال لها: يا زانية. فقالت له: لو كنت زانية، لأتيت أباك بابن مثلك. وقال بعضهم يعيرون خصومهم: يا بني الزوافي، ألم يخزكم الله؟ فغضب خصومهم وصاحوا بهم: يا فساق، ما عذركم عند الله في الفري على أمهاتنا؟ ومن الأقوال الأخرى في الشتم والتعبير. قولهم: يا لخناء، ويا ابن اللخناء. واللخن: نتن الريح عامة. واللخناء: نتنة المغابن. فقد شتم الحجاج أيوب بن القرية. فقال له: كذبت يا ابن اللخناء. وأضافوا الى ذلك ما هو أشد منه إيلاما في نفس المهجو فقالوا: يا ابن اللخناء المستفرمة بعجم زبيب الطائف. كذلك قالوا: يا ابن الفاجرة، ويا ابن المومسة ويا ابن البغي. ويا ابن القحبة. والأصل في القحب السعال. والقحبة: الفاجرة. وإنما سميت بهذا الاسم، لأنها تسعل لتنبه الفاجر إليها. أما المومس. فهي المرأة المجاهرة بالفجور. والبغي: المرأة الفاجرة. وروى التوحيدي، حديث المفاخرة بين الشطار في بغداد، فيها كثير من ألفاظ السباب منها: يا ابن الغلابة. يا ابن الزراعة الهرّاشة، الفراشة، الملاشة، النفاثة، يا أخو القحبة. وقيل يا أخ القحبة ويا ابن القحبتين ويا بني الفواجر. ولما ولي محمد بن فسروق الكثدي قضاء مصر (177 184) ه. خاشن الناس. فأكثر أهل المسجد من ذمه. فوقف بباب المنصورة في الجامع، ونادى بأعلى صوته: »أين أصحاب الأكسية العسلية. أين بنو البغايا«. وقالوا: ابن البظراء وابن المتكأ وابن العفلاء وابن الغلفاء. وهي كلها ألفاظ شتم. والمتكأ: التي لم تخن. والعفلاء المصابة بالعفل، وهي استطالة من اللحم تظهر في عورة المرأة. وشتموا بعضهم بمص بظر الأم وعضه. فقد غضب عبد الملك بن مروان على جرير الشاعر، فقال له: يا عاض بظر أمه. وهذا اللفظ من الشتائم القبيحة التي تجمع الى اللفظ السمج، الاستهانة بالمشتوم، مع ذكر أمه بالقبيح. وقد قال سلمى بن نوفل لعبد الله بن الزبير وقد شتمه بذلك: أعيذك بالله، أن يتحدث العرب أن الشيطان نطق على فيك، بما تنطق به الأمة الغلسة. ومن الألفاظ الأخرى في الشتم القبيح: يا عاض (بعير) أبيه. ويا عاهر ويا عاهرة. وقد قال ابن أبي عتيق ناقد الحجاز، لعمر بن أبي ربيعة: يا عاهر. وقال آخرون: يا قواد ويا ديوث ويا كشخان وهذه اللفظة الأخيرة فارسية وتحمل الدياثة. كما قالوا: يا مخنث. والتخنث: التكسر. ويقال طويت الثوب على أخناثه: أي على كسوره. وسمي المخنث مخنثا: لتكسّره. وكان من يريد إيلام خصمه بأقبح الشتائم يقول له: يا بغاء، ويا مؤاجر، ويا علق ويا مأفون. فالبغاء: المتهم بالسودة، مقروف بها، والابنة: العيب والمأبون: الذي يخل بالرجولة. والمؤاجر: الذي يبذل جسده لقاء أجر. والمصدر الإجارة. أما العلق (بكسر فسكون) فهو أيضا المؤاجر. قال الشاعر: أنا في مقعد صْدق بين قوّاد وعِلْق وقالوا من الشتم المقذع: يا حلقي. والحلاق: داء تصاب به الاتن فلا تشبع من السفاد. ثم صرف الى الإنسان الذكر، إذا حلت به صفة سوء. وسبّ مرشد بن حوشب أخاه ثمامة، فقال له: يا حلقي. وقالوا أيضا: يا مصفّر أسته. وقد شتم بذلك أبو جهل بن هشام. ومعنى ذلك انه يخضبها بالزعفران، اتهاما له بما ينافي الرجولة. وعرف العرب أيضا ما يشبه الشتيمة أو يدل عليها من خلال التصرف، وإن لم يكن السب أو الشتم باللسان فيها بينا. وهي تصرفات، يراد بها الشتم والإهانة، وتقوم مقام الشتم، وقد تزيد عليه. من ذلك العفطة: وهي إصدار صوت بين الشفتين، أو الإشارة أو التعريض أو أي تصرف يراد به الإهانة، ويقوم مقام الشتيمة. بالاضافة الى التفل أو البصق. وعرك الأذن والسحب والحصب والحذف بما في اليد، والإلجام والتغطيس في القاذورات. وهي جميعها أشكال تساوي الشتيمة من حيث المعنى ولكنها تتفوق عليها من حيث تمفصل مادتها على المشتوم. شتائم السجون برأينا أن هذه الشتائم التي امتلأت بها كتب التراث، كانت ولا تزال تستبطن ترميزا يصدر عن حالات نفسية معينة، أو لها علاقة بالصراعات السياسية والاجتماعية. ولا شك أن وضع هذه التسجيلات من الشتائم بين أيدي اختصاصيين بعلم النفس أو الاجتماع، قد يساعد على دراسة المزاجيات العامة عند أهل السلطة أو المعارضة، وتفتح بابا عريضا لدراسة الأخلاقي والسياسي والديني في المجتمع العربي من جديد. لعلمنا ان هذه الحقول جميعا تتعايش مع بعضها في صيغة الإنسان العربي المعاصر. وخير ما نختم به بحثنا. شهادة قدمها أحد نزلاء بعض السجون العربية، يتحدث فيها عن تراث الشتائم العربية فيها، وعن معادلاتها وما ينوب عنها بالاشارة أو بالصوت. وهي بجملتها يستخدمها حرس السجون والقيمون عليها من أجل إنزال أقسى درجات الألم النفسي والمعنوي بالسجين، بعد تعذيبه بشتى أشكال التعذيب المادي. تقول الشهادة مثلا: إن كلام حرس السجون عادة، »عض وضرب، والابتسامة سب وطعن بالشرف والأعراض. أما نداء السجناء والتخاطب معهم، فهو رفس بالكلة، وضرب بالسوط. أما شيفرة التعذيب ونوعه. فتعتمد على الاشارة وتقطيب حاجب وتحريك شفة. فلا ينطق المحقق، بل يكتفي بأن يهز أذنه، فتأتيك حزمة من السياط. وإذا ما حرك رمشا أو حاجبا، جاء خدمتها بعنف، وإذا ما خفض المحقق رأسه، استقرت بسرعة البرق، كتلة الاسمنت الصلد على الوجه والصدر والأذن والرأس، وسعيد من فلت رأسه منها وإلا غادر الحياة. وتتابع الشهادة فتقول: »أما الصعقات الكهربائية فلم أستطع حل شفرتها اللغوية. فهي على ما يبدو لها عدة خطوط رمزية، وهي على كثرة تطبيقها عليّ: (أي السجين)، لم أصل الى أسرارها. وسوف تكون بحثا مبتكرا، للمشتغلين بعلم الاشارات الجديد، وحل شفرة لغة الارهاب والتعذيب«. إن الدعوة لتحليل الشتيمة وما ينوب عنها أو يدل عليها، على أيدي الباحثين المخصصين، يجب أن تسبقها حملة واسعة تحتاج الى جهود مضنية لجمع مادة الشتائم بكل صيغها وأشكالها وأنواعها، وما يشير إليها أو يدل عليها من بطون كتب التراث في شتى العصور التاريخية المتعاقبة، حتى اليوم. وليس ما قدمناه في هذه العجالة إلا مادة يسيرة جدا، حاولنا من خلالها قدر الإمكان التأبي عن ذكر الفاحش منها وهو كثير للغاية، ويحتاج بالتالي الى جرأة أدبية وعلمية، تعادل جرأة الطبيب المعالج الذي يكشف عن عورة البدن الإنساني من أجل استئصال ما فيه من عيوب مرضية قاتلة. قصي الحسين