As Safir Logo
المصدر:

تمرنت 5 ساعات يومياً على دورها في »فاميليا« لكن التقنية وحدها لا تصنع الشخصية جليلة بكار: على المسرح أن يعبِّر عني كمواطنة تونسية والفكرة تتقدم على الشخصية

جليلة بكار كانني كنت هناك
المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 1999-12-17 رقم العدد:8479

لعل جليلة بكار أفضل ممثلة عربية في الثلاثين سنة الماضية، بداياتها في المسرح المدرسي في تونس، وهو مسرح يلعب أدوارا متقدمة هناك، على غير ما يحمل الاسم في قراءة متسرعة قبل ان تدعى للمشاركة في فرقة قفصة مع أبطال المسرح الجديد الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري ومحمد إدريس ورجاء بن عمار. تركت الأخيرة وبقيت الأولى وجها مضيئا على صعيد الإعداد والأداء. آخر مسرحياتها »سهرة خاصة« في عمارة تعبيرية ضخمة رسمها الفاضل الجعايبي (بالاشتراك مع زهيرة بن عامر وفاطمة سعيدان وحاتم دربال). وسوف تعرض في بيروت في آذار المقبل على خشبة مسرح مونو تعرف إليها الجمهور اللبناني عبر »فاميليا« في أداء مدهش وفي »عشاق المقهى المهجور«. جاءت منذ أيام الى بيروت لكي تفي وعدا: ان تقدم ما ردته مسرحية »البحث عن عايدة« التي قدمت في خمسينية النكبة الفلسطينية على خشبة مسرح بيروت الى اطفال في المخيمات الفلسطينية. فعلت ذلك مع الحبيب بلهادي في مخيمي عين الحلوة وصبرا وشاتيلا وعادت الى تونس بصمت. أثناء إقامتها البيروتية التي استمرت ثلاثة أيام، أجرينا هذا الحوار: { أبدأ الحوار من موت أو انتحار الحبيب المسروقي أحد الأعضاء المؤسسين في فرقة المسرح الجديدة، ولو ان هذا الحادث ليس على علاقة شخصية مباشرة بك؟ لا شك في ان افتتاح الحوار بهذا الجانب له أغراضه. { أبدا. لا أقصد سوى تأثير الانتحار/ الصدمة على أفراد »المسرح الجديد«، ذلك انني كلما تحدثت مع أحد أفراد المجموعة التأسيسية ذكر امامي خبر انتحار الحبيب المسروقي. لم يغير انتحار الحبيب المسروقي القناعات الفكرية لدى أعضاء الفرقة. أصبنا بصدمة، هذا صحيح، ولكنها صدمة عاطفية، دفعت البعض الى مراجعات شخصية لا علاقة لها بالتجربة. أثر علينا موت انسان، إنسان قريب، ولأن الموت نتج عن انتحار، سألنا انفسنا أين كنا. الى أي مدى كنا بعيدين فلم ننتبه الى اقتراب فاجعة موت الحبيب المسروقي. لقد دارت معظم الأسئلة في هذا المدار. وبماذا قصرنا، لماذا لم نستطع ان ننصت الى الأصوات الداخلية لصديق وقريب، لماذا لم نكن أقرب الى أجواء الصديق والرفيق. تراجعت نوعية التعامل فيما بيننا، هذا محتمل، أما على صعيد الأفكار فلا. ازداد انغلاقنا على انفسنا قليلا، هذا محتمل. لأننا كنا مجموعة منغلقة على ذاتها وأجوائها أو مناخاتها وأبحاثها. ترك محمد إدريس (مدير المسرح الوطني التونسي اليوم وأحد أبرز المخرجين راهنا) الفرقة، لأنه أحس أو لأن قناعة تولدت لديه بأنه لا بد وان يسلك في مسالك أخرى، أخذته ضروراته الى خارج التجربة، هذا محتمل. ولكن الفرقة بقيت فرقة، بعد انتحار الحبيب وبعد ترك محمد إدريس لها. قدمنا »لام« بعد الانتحار، وقدمنا »عرب« وقدمنا »العوادة« وكتبنا سيناريو »كحلة حمراء«. انتحر الحبيب المسروقي العام 1980 وبقي المسرح الجديد ينتج حتى العام 1989 تاريخ تقديم »العوادة«، اشتغلنا سويا، أنا والفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري تسع سنوات بعد رحيل المسروقي. لم تكن ردود الفعل واحدة على غياب الحبيب المسروقي. أحدث فينا جميعا صدمة كهربائية. تفاوتت ردود الفعل على ذلك. ترك محمد إدريس وبقي الفاضلان الجعايبي والجزيري وبقيت أنا، لعلني أجبت عن سؤالك. { أردت ان أستفسر لمرة أخيرة عن تأثير الحبيب المسروقي على التجربة. أحدث فينا انتحاره صدمة عاطفية شخصية. تعب فكريا. { رجاء بن عمار تركت »المسرح الجديد« وقتها؟ عملت معنا رجاء بن عمار في »التحقيق« عام 77 1978. تركت وبقينا. قدمنا »غسالة النوادر« التي أتعبتنا كثيرا على صعيد الاعداد. لا أحب أن أحكي عن انتحار المسروقي. ذهب وأخذ معه ظروف وأسباب انتحاره، ونحن كمجموعة خضنا في »التحقيق« و»غسالة النوادر« بحالات صعبة. لأن المسرحيتين انتجتا في ظروف معقدة، وفي ظل خروج الشباب ترك معهد الفن المسرحي وعلاقة متوترة بالسلطة المشرفة عليه. أي وزارة الثقافة. كنا مفلسين تماما زمنها، خضنا سنتين من المشاكل الشخصية وغير الشخصية. ماتت والدة الفاضل الجزيري ومرضت أم الفاضل الجعايبي، الحالة القاتمة في »لام« تعبر تماما عن الحال التي عشناها في تلك المرحلة على الصعد الشخصية والسياسية والاجتماعية في تونس والعالم العربي. تصور أننا واجهنا حدثين كبيرين هائلين في لبنان. الأول اندلاع الحرب العام 1975. والثاني، الاجتياح الاسرائيلي للبنان العام 1982. لم يكن هناك بصيص أمل في تلك المرحلة التاريخية »لام« تعبر بصفة كبيرة عن حالتنا الشخصية كمجموعة، كمواطنين. { الى أي حد أثرت فيكم ثورة الطلاب في باريس العام 1968. ثمة من يؤكد انكم أبناء هذه الحركة الكبرى في التاريخ الحديث وأبناء تأثيراتها. تأثرنا بصورة متفاوتة. أنا عشتها بصورة غير مباشرة. كنت طالبة في الليسيه أيامها. لا صلة مباشرة لي بتلك الأحداث. بنيت صلة فطرية، حسية، بها. كنت أعرف بأن ثمة اشياء تتحول، تتغير. فارت الجامعات التونسية بالمظاهرات والاضرابات. أشياء عديدة كثيرة جرت في البلاد. الفاضل الجعايبي كان في باريس العام 1968. محمد إدريس أيضا. الفاضل الجزيري عاش تلك الأحداث في جامعته التونسية. ثم ذهب الى إنكلترا. عشنا أحداث ال68 بصفة مباشرة وصفة غير مباشرة، عبر علاقة كل شخص منا بها. ولكن تبقى »ثقافة مي« على صعيد التأثير أبعد من أحداثها المعيشة. { عشتم كل واحد في زاوية أو بقعة أو جهة، كيف التقيتم؟ كنت أعمل في تجربة المسرح المدرسي، وعندي تجربة بسيطة في التلفزيون. والشباب كانوا في »فرقة قفصة«. شاهدوا المسلسل الذي اشتغلت فيه، مسلسل للأطفال، واتصلوا بي، وذلك نتيجة حاجتهم الى عنصر نسائي. طلبوني لكي أشارك معهم في مسرحية »سيرة محمد علي الحامي« وهو نقابي من مؤسسي العمل النقابي في تونس، كنت أعرفهم وشاهدتهم في أول مسرحية قدموها وهي »جحا والشرق الحائر«. اعتقد بأنني شاهدتها عبر التلفزيون، حدتني رغبة كبيرة للعمل معهم اثر المشاهدة. وحين دعوني شاركتهم في تجربة قفصة قليلا قبل ان يرجعوا الى تونس، الى معهد الفن الدرامي، حيث تسلموا شؤون الادارة والتكوين. { تسلم الفاضل الجعايبي مسؤولية المعهد عندها؟ تسلم الفاضل الجعايبي مسؤولية المدير، اما الباقون فتوزعوا العمل في التدريس، رشاد المناعي والحبيب المسروقي وتوفيق الجبالي، حين التقينا انتجنا »العرس« انها المسرحية الأولى في مسيرة »المسرح الجديد«. { بهذا المعنى تكون وعيك المسرحي وتبلور داخل التجربة ذاتها؟ صحيح، كنت أمتلك رغبة كبيرة بالعمل. امتلكت رغبة قوية بالتمثيل، تحديدا، لم تكن لي علاقة بالمسرح، على صعيد الثقافة والتكوين، كنت أدرس الآداب الفرنسية في الجامعة التونسية. تكونت معهم داخل التجربة. حتى انني لم أكن أشاهد مسرحيات بشكل مكثف، الممارسة لعبت دورا في تكويني مسرحيا، في تكوين هويتي وتكوين ذاتي ومستقبلي. مسرح فقير { كنتم تقرأون سويا، تقترحون موضوعات للنقاش تشاهدون أفلاما؟ قام »المسرح الجديد« على المفهوم الجماعي، ولكن مفهوم الجماعة يبقى متفاوتا داخل التجارب الجماعية. لا يشارك الكل على قدم المساواة، بل يشاركون، كل بحسب قدرته. في البداية كنت صاحبة حضور ضعيف داخل الفرقة. وانحصرت مساهمتي كلها في التمثيل. كنت أسمع أكثر بكثير مما كنت أتكلم، لم أجرؤ على الدخول مباشرة في نقاشات كبيرة، كتلك التي جرت داخل التجربة. ولم تكن النقاشات محصورة في المسرح الصرف، بل دارت حول التدريس وطرقه وبين المسرح، لأن الشباب كانوا يدرسون في النهار ويتدربون أو يحضرون للعمل في الليل. { نقاشات لا تهمك أولا بأول ولكنها تفيدك؟ بالضبط، استفدت جدا من كلامهم في نقد مسرحيات، أو في كلامهم الدائر بشكل عام حول الوضع العام في المسرح التونسي والمسرح العربي.. وكذلك في نقاشهم كتبا وأحداثا سياسية وأفلاما وأحداثا اجتماعية. مدرسة شاملة، بعيدة عن الطبائع المدرسية بأي معنى من المعاني. أهم ما قيل في حلقتنا الكلام على المسرح بوصفه جزءا من المجتمع. أي جزء من شيء أشمل وأكبر. جزء من المجتمع التونسي والعربي. النقاشات السياسية والاجتماعية ثرية، لأنها تناولت العالم، لقد أخرجتني من عالم مغلق هو عالم الدراسة، الى عالم آخر يحتوي على نظرة خاصة بكل ما يهم الفرد التونسي. { حين تألفت الفرقة انبنت على افكار محددة، لا أشك لحظة واحدة في انها أفكار مضادة لتجارب سائدة كتجربة علي بن عياد مثلا. بدأت هواجس التجديد في قفصة، في تجربة الشباب في قفصة، ارادوا أن يخلقوا مسرحا بديلا. مسرحا يتوجه الى المواطن التونسي، لا الى عموم سكان العالم، البداية من قضايا بسيطة وجوهرية: اللغة، اللهجة التونسية، ومحاكاة المشاكل التي تهم المواطن التونسي، بناء مسرح »الآن هنا« بحسب الفاضل الجعايبي، على ان تطرح فيما بعد المسائل التقنية. وقام حوار حول الامكانية، أي العمل على مسرح بإمكانياتنا، ان نعمل مسرحا ليس مسرحا فقيرا، ولكنه قريب منه. { الفقر بالمضمون الذي طرحه غروتوفسكي؟ مسرح فقير يجيب على أحلامنا وطموحاتنا وقوانا أولا. مسرح غير منفوخ وغير مبالغ به. »العرس« انبنت على شخصيتين. »التحقيق« انبنت على مصطبة وثلاثة مقاعد. »غسالة النوادر« متقشفة أيضا. فكرنا في ان نستثمر قاعة صغيرة في منطقة باب السويقة في المدينة العتيقة، تسع 120 مقعدا، هناك خلقت غسالة النوادر. { ثمة عناوين محددة أطلقت تجربة المسرح البديل، عناوين مكثفة؟ إذا أردت التكثيف انحصر التفكير بالمسرح البديل في ثلاثة محاور، مسرح بديل في منطقه في جمالياته وفي إمكانياته. { أي الموضوع والشكل والانتاج؟ تماما. { ناقشتم طويلا حتى وصلتم الى تحديد هذه العناصر ومسالكها؟ لم يتوقف النقاش أبدا في حياة تجربة »المسرح الجديد«. ولكن هذه المحاور الثلاثة هي الأساس في البداية. وأعتقد انها تبقى الأساس في أية تجربة جديدة أو بديلة. { قلت انكم كنتم مفلسين. كيف تخطيتم هذا المحور الهام في المحاور الثلاثة المحددة؟ كنا نعمل بالمجان، قدمنا »الورثة« و»التحقيق« و»غسالة النوادر« بدون أي مردود مالي، لم يتقاض أحد من الشباب، سواء الفاضل الجعايبي أو الفاضل الجزيري أو محمد ادريس قرشا واحدا. خصصوا لنا مبلغا شهريا بسيطا أنا ورجاء بن عمار. »غسالة النوادر« انتجناها من جيوبنا الخاصة، جمعنا كل ما معنا، لكي نشتغل »غسالة النوادر« في المسرح الصغير في باب السويقة، بقينا سنوات عديدة بلا أي مدخول، وما كان في مقدورنا ان نقدم »غسالة النوادر« لولا المعونة التي قدمها لنا أصدقاء. تطوعوا وجمعوا مالا من بعضهم واعطونا إياه، لم نطلب منهم ذلك، فعلوا الأمر بمبادرة فردية. فعلوا ذلك تطوعا. اعطونا المال وقالوا لنا انه جمع بهدف ان نقدم مسرحيتنا. { أي عام جرى ذلك؟ عام 1980، ولكن »غسالة النوادر« استغرقت ثلاث سنوات من العمل شبه المستمر. حضرناها ابتداء من العام 1978 مرورا بالعام 1979 وقدمناها في »افريل« (نيسان) 1980. { اقترحت الفرقة الارتجال كعنصر أساسي في كتابة نص العرض المسرحي. لم تستعملوا أي نص؟ تجربة قفصة اعتمدت النص، في »العرس« ثمة نص، ننطلق منه. نتركه ونعود إليه. في »التحقيق« انطلقنا من فكرة أولية، كل مسرحية حسب فكرتها. { ذكرت بأن ثمة تفاوتا في التجارب الجماعية؟ بحسب القدرة طبعا، كل واحد يمتلك قدرة معينة، الارتجال من أصعب القضايا، لن تطلب من فرد ان يرتجل أكثر بداعي الأقدمية. بعد 20 سنة مهنة، لا أستطيع ان أقول بأن الارتجال يصبح اسهل مع الخوض المستمر في العمل والتجربة. الارتجال هو حاصل تحصيل العلاقة بين الممثل أو الممثلة والشخصية. إذا حدث اللقاء يصبح الارتجال أسهل. وقد يصبح الارتجال صعبا جدا في ظل قيام مشاكل بين الممثل او الممثلة والشخصية. الارتجال معناه، أنت والمسرحية والدور والوعي أكثر مما هو القدرة على الأداء، حتى ان طبيعة الارتجال تختلف بين مسرحية وأخرى. الارتجال في »غسالة النوادر« غيره في المسرحيات الأخرى في »الجديد« لأنها مسرحية رواية. فيها نص سردي، وفيها حالات، الارتجال من نوعين، تحكي وتفسر وتقدم أو تتقمص. الارتجال أصعب. يظهر التفاوت بين الممثلين في هذه الحال، لكن علينا ان نشير الى ان الارتجال ليس عملية لغوية فقط، هناك حدود وشروط، نوعية الارتجال شرط، الرجوع الى النص بصفة آلية عملية تقع في صلب الارتجال. نص الارتجال شيء، ارتجال نص شيء آخر. النص النهائي شيء آخر، الارتجال ليس صنفا، ليس عملية ذات وجه واحد، ثمة كتابة، ثمة اختيار أشياء من الارتجال. { حين حكيت عن اللغة تقصدت اللهجة ربما، اذكر ذلك لأنني أعرف بأن استعمال اللهجة التونسية لم يتوفر قبلا إلا في محاولات قليلة؟ اللهجة قضية أساسية عندنا، تبلور حضورها تماما في »غسالة النوادر«، أخذت مداها الحقيقي فيها. عملية ضد اللغة الثالثة التي كسحت الاذاعة في ذلك الوقت، لا هي فصحى ولا هي عامية، اللهجة التونسية ذات حضور في الحياة الابداعية التونسية منذ الستينيات، في الشعر والقصة، حتى قبل الاستقلال، كانت هناك نصوص وصحف تعتمد اللهجة التونسية. اللغة الثالثة لا تعبر عن شيء، كنا ضد »اللاشيء« هذا. التلفزيون والمسرح { ترجعين دائما الى »غسالة النوادر« وكأنها الاعلان الحقيقي عن ولادة »المسرح الجديد«. »غسالة النوادر« هي العمل الرابع في روزنامة »المسرح الجديد« بعد »العرس« و»الورثة« و»التحقيق«. كلها عرفت بالمسرح الجديد. ولكن »غسالة النوادر« عرفت الجمهور الواسع بنا. عرفت عبر التلفزيون. سجلت وقدمت وأثارت دهشة لدى المشاهدين. لاحظوا فيها شيئا جديدا، نوعية جديدة من العمل، قطيعة كلية مع الأشياء التي تمر عبر التلفزيون. سفير تونس في بيروت محمد الباسطي كان مدير التلفزيون حينها. رجل مسرح مرر مسرحية تتضمن نظرة جديدة الى المسرح، ابطالها اختاروا المسرح كشكل تعبيري متقدم. { ثم لم ترسل أية مسرحية أخرى، كأن ثمة مشكلة بين المسرحيين وبين التلفزيون؟ مشكلة كبيرة. عرضوا »غسالة النوادر« فقط، مذاك لم يعرضوا مسرحية أخرى، ولو ان من مهمات التلفزيون تسجيل كافة المسرحيات لأنها ستشكل ذاكرة. اعتقد بأن على وزارة الثقافة ان تعتبر ان من مهماتها الاهتمام بهذه القضية. ونحن نطالب دائما بعلاقة مستمرة بين التلفزة والمسرحيين، سجل التلفزيون مسرحيات، لم يرسلها حتى اليوم. »فاميليا« التي قدمت في 170 عرضا في تونس وخارجها سجلت، ولكنها لم ترسل. أرسل التلفزيون أثناء الدورة الأخيرة من »أيام قرطاج المسرحية« مسرحيات على القناة الثانية، أو القناة 21 ك»العطرة« من أعمال فرقة قفصة و»الماريشال« لعلي بن عياد. تصور ان تعرض مسرحية مصورة تلفزيونيا منذ عشرين سنة ولا يبثون مسرحيات حديثة، بثوا »حيوا المعلم« لمحمد إدريس وهي تعود الى 15 سنة. لماذا لا تبث مسرحياتنا الجديدة ومسرحيات ادريس الجديدة. لماذا القطيعة ما بين المسرح والتلفزيون ولمصلحة من؟ المسرحيات المصرية تبث دائما، هذا الى جانب المسلسلات المصرية، سألنا أكثر من مرة كما سألت الصحافة أكثر من مرة ولا أحد يجيب. { لم ترسل مسرحياتكم الجديدة، هذا جانب من العلاقة بالتلفزيون، هل فكرتم في تقديم أعمال خاصة بالتلفزيون، أي مصممة على شروط الارسال التلفزيوني. صورنا »عشاق المقهى المهجور« على حسابنا الخاص في بروكسل، اما »سهرة خاصة« فقد تطوع مخرج سينمائي يمتلك وحدة إنتاج فيديو هو عبد اللطيف بن عمار وسجلها. الفاضل لا يزال يعمل على مونتاجها حتى اليوم. نكاد ننسى ان ثمة تلفزة وطنية. كأن هناك أكثر من نوع من المواطنين. نوع تهتم التلفزة بهم ونوع لا. التلفزيون التونسي لا يفعل سوى تمويل الانتاجات المصرية والممثل المصري. أعمالنا تدافع عن الهوية التونسية. الناس تحكي بالمصري في تونس وحتى المواضيع التي يطرحها توانسة عبر التلفزيون لا تهم أحدا. انهم يحكون عن قضايا المرأة مثلا، تلك التي تخطتها المرأة بعد الاستقلال. أضف الى ذلك ان المسلسلات المصرية والعربية الأخرى تطرح قضايا المجتمع العربي بطريقة لسنا موافقين عليها، رؤيتهم للمجتمع العربي غير صحيحة. هذه مسؤولية. { أعود الى سؤالي بالتحديد، لم تفكروا يوما بالتعامل مع التلفزيون عبر أعمال لا مسرحية، تلفزيونية أكثر. أعتقد ان المسؤولية مشتركة هنا. ففي حين يعرض التلفزيون عن إرسال أو بث مسرحياتكم، تأخذون موقفا من الانتاج التلفزيوني، فلا تشاركون باقتراح عمل أو مسلسل، هذه هي الحال في لبنان أيضا، لأن نظرة المثقف والفنان الى التلفزيون نظرة تعال إذا لم نقل احتقار. النتاجات التونسية التلفزيونية تبث في رمضان، انها تركز كلها على العادات والتقاليد الاسلامية حتى اننا نرى نساء تونسيات بالشاشية، أي باللباس التقليدي التونسي، انها لا تفعل سوى ان تدعو الى الرجوع الى الأصول والتقاليد. بتنا كتونسيين لا نتسلى إلا بالأكل والحفلات والتلفزيون. مسلسل ما بعد الاخبار وبرامج الفكاهة و»الفوازير« انهم يسمونها »الفوازير« تقليدا للأعمال المصرية حتى بالأسماء، هذا بالاضافة الى المسلسلات الدينية. كمواطنة تونسية { معركة هوية، هكذا تبدو من كلامك. أنا بصفة خاصة، أجدها هكذا. على الأعمال ان تعبر عن نفسي كمواطنة تونسية، الأفراد يعملون في التلفزيون كأفراد في غياب امتلاكهم مشاريعهم الخاصة، لأنهم يريدون ان يعيشوا وثمة ظاهرة في تونس اليوم تتمثل بقبول الذين رفضوا قبلا العمل بالتلفزيون العمل فيه. { مثل من؟ كمال التواتي. رؤوف بن عمر يعمل منذ مدة طويلة في التلفزيون. التلفزيون خلق قطيعة فعلية مع المثقفين، مع المسرحيين والسينمائيين، ولكن سيأتي اليوم الذي يضطرون فيه الى التعامل مع المسرحيين والسينمائيين، أحبوا ذلك أم كرهوا. { لم تقدموا شغلا خاصا بالتلفزيون، شغلا مصمما للتلفزيون وليس مسرحية جرت تلفزتها. فكرنا، ولكن طالما ان العلاقات ليست واضحة فإن العمل مع التلفزيون يبقى مستبعدا، نفكر دائما بالعمل مع وحدة انتاج حرة، العمل في التلفزيون حكاية أخرى. { لنعد الى المسرح. العام 1989 انتهت تجربة مسرح الجديد، أضحت التجربة باسم آخر هو »فاميليا«، يروي الجزيري بحب كبير ان العمل على »العوادة« جرى بالاتفاق بينه وبين الجعايبي على ان هذه المسرحية هي آخر أعمال »الجديد«. وصلت التجربة الى طريق مسدود، كيف استنفدت التجربة شروط استمرارها. لم أعمل في »العوادة« لأنني كنت حاملا بابنتي آسيا. ولكن التجارب تقود عناصرها في أغلب الأحيان الى البحث عن طرقات جديدة، عن منهج جديد عن نفس جديد، الجزيري ترك التجربة باحثا عن أفق جديد. استمر في الجديد مع »شيشخان« الذي أخرجه الجعايبي مع محمود بن محمود، الجزيري كان المنتج المنفذ لهذا الفيلم، بعد هذه التجربة استوفت تجربة الجديد الأقصى فيها، ولكن ما عشناه في التجربة اكبر من التجربة، لأنه التجربة وحواشيها وهوامشها وفواصلها. عشنا حياة كاملة. { استغرب الفاضل الجعايبي ان لا يذكر الجزيري حين يجري الكلام على تجربة الجديد، وكأنه لم يكن موجودا. انه يعتب على الكثيرين، اما الجزيري فإنه يتكلم بحب كبير عن التجربة اثر تركه لها. ما أضافه الجزيري على تجربة المسرح في تونس سواء في »الجديد« أو غيره لا يمكن اختصاره بكلمتين. كلام الفاضل عن الفاضل والفاضل الثاني عن الفاضل الأول طبيعي، لأن ما عشناه يتخطى أطر العلاقات الابداعية الانتاجية، كنا عائلة مسرحية، مجموعة فكرية، نضالية، مجموعة قوية جدا، وان يختار أحدنا طريقا آخر، فإن هذا ليس معناه أن تنساه. { ولماذا »فاميليا« اسما جديدا؟ بدون الفاضل الجزيري لم يعد »المسرح الجديد« هو »المسرح الجديد«. { كنتم أنتم الثلاثة المحور وحولكم العناصر الأخرى، تدخل وتخرج ثم تعود؟ قانونيا صدرت رخصة إنشاء »المسرح الجديد« باسم الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري والحبيب المسروقي ومحمد إدريس، بعد انتحار الحبيب وترك محمد إدريس التجربة، بتنا ثلاثة أنا والجعايبي والجزيري واستمرت روح المسرح الجديد في هؤلاء الخمسة، عملنا سويا ككتلة، قدمنا »لام« و»عرب«. و»العودة« قدمت بدوني. شاهدت العوادة. هل شاهدت »عرب«. { شاهدتها كما صورتموها. هي على المسرح غير ما هي على الشريط، أغنى، أهم وأكثر صدقا. فقدت على الشريط المصور بعض خصائصها، خسارة ان لا تشاهدها على خشبة المسرح. { اتفقنا إذن على أنكم محور المسرح الجديد. طبعا، لكن دما جديدا وصل الى الفرقة، الأمين النهدي النجم المعروف في تونس جاء. وجاءت زهيرة بن عمار وفاطمة سعيدان. { ولكن التفكير العام بالخطط والمشاريع والأبنية المسرحية، بقي عندكم انتم الثلاثة. صحيح، نتابع كل شيء من الفكرة الى التجسيد فوق خشبة المسرح. { وحتى الشغل على تصور ادوار الآخرين. الروح الجماعية عنوان من عناوين تجربتنا. هذا يفسر نوعا من العلاقة التداخلية بين جميع أفراد الجديد منذ البداية وحتى لحظة الانفتاح وصولا الى النهاية. { ما هو الأهم عندكم؟ وضوح الفكرة. وضوح الفكرة الأولية هام في رسم المخطط العام للمسرحية والشخصيات على حد سواء. { بيد ان الأداء التمثيلي يبقى من مسلمات التجلي في تجربة المسرح الجديد. الفكرة قبل الشخصية، دائما الفكرة، ولكن الشخصيات تبقى محورا. في »فاميليا« على سبيل المثال، أحببنا أن نحكي عن الذاكرة التي تتلاشى بطريقة غريبة. لا أحد يتذكر بعد. لا أحد يحب أن يتذكر. أقوى ذاكرة هي ذاكرة المرأة، لأنها ليست ذهنية فقط بل حسية أيضا. بدأنا منها ثم ان ذاكرة الجسد هامة جدا. { بمعنى؟ الأجيال تتطور والجسد يتطور. جسدي يشبه ولا يشبه جسد أمي بهذا المعنى، ولكن الذاكرة ليست ذاكرة مجردة، انها ذاكرة خاضعة الى راهن المواطن وأحواله وأموره الشخصية، أخذنا نموذج المرأة التونسية وأخذنا نخوض في ذاكرتنا من خلالها، جلنا داخل البيوت المغلقة عبر معرفتنا المسبقة بها، وجدنا طرق عيشها وحالاتها، من هي ما هي، وكيف تفكر، اشياء وأشياء، كأنها حكايات عجائز كبار، الشخصيات في »فاميليا« عبارة عن خليط شخصيات قريبة منا، شخصيات أقرباء. 5 ساعات تمرين على فاميليا { العمل على الشخصية عمل على الجسد أيضا. نظر في المرآة أولا. ثانيا استدراك صور واحوال وطقوس. لكي ألعب شخصيتي في »فاميليا« استعنت بأمي وعمتي ووضعت نفسي في سلاسل حياتيهما، كنت عقدة في السلسلة. { بل أكثر، هناك تقنية متقدمة في العمل على شخصيتك في »فاميليا«. كنت مدهشة، لم أصدق حين شاهدت. صدقت بعد أن شاهدت، تحولت في لحظة الى امرأة شابة خرجت من جسد عجوز مترهل ومتروك. العمل هنا، عمل على الحيوية الأدائية، العمل على الجسد بدأ من حيوية الممثل، عملنا على التفكيك، عملنا على العصب والعضلة، لم تكن سهلة هذه الحكاية، يد بلا عضلات، ساق بلا عضلات وعمود فقري مكسور، ليس سهلا ان تجعل هذايحصل. الوعي أساسي في هذه العملية، والتجربة في باب أول، التقنية وحدها لا تكفي في مثل هذه الحال، لكي تؤلف شخصية عليك ان تستعمل الوعي والإحساس والمشاهدة والحياة. وان تدرك كيف يمكن أن يحدث اللقاء بين هذه العناصر وبين الشخصية. { تخضعون لتمارين خاصة على هذا الصعيد؟ ليست خاصة تماما. { تتمرنون يوميا؟ ليس على التمثيل وحده، هناك من يتدرب أكثر. رجاء بن عمار تتدرب أكثر في مسرح »فو«، لأن مسرحها يقوم على الجسد والرقص، الجسد كالذهن، جزء من كل. { ولكنكم خضعتم لتمارين خاصة حتى امتلكتم قدرة لعب شخصيات »فاميليا«. اشتغلنا على التكنيك كثيرا. لا أحد ينكر ذلك، شغل متعب، 5 ساعات تمرين في اليوم، في نهاية الأمر، أصبت بأوجاع في حنكي وفمي ويدي وظهري. { كيف تستعمل الذاكرة هنا؟ هذه قضية بسيطة ومعقدة في آن. العب شخصية العجوز على قاعدة انني كنت موجودة هناك، أي في زمنها. ولست موجودة على خشبة المسرح في الشخصية فقط، وثمة علاقة سحرية تنشأ بين الممثل والشخصية، علاقة قوة تفرض الشخصية أشياء وأشياء يقبلها الممثل ولا يقبلها، تقوى عليه أو لا تقوى، وهذا شيء جد هام في لعبة التوازن بين الممثل والشخصية. { يبقى الفاضل الجعايبي هو المسؤول عن كل شيء من الأجواء العامة الى مراقبة الأداء... بلا الفاضل، لا يستطيع اي ممثل أن يتخطى نفسه وأن يخترق الحدود التي رسمها لنفسه في مسرحية سابقة، مسؤولية النص عليه والاخراج، دائما يطلب تخطي الحدود العادية الى ما هو ابعد بكثير، هنا تقع أهمية لعبة الارتجال. { تجربة »الجديد« و»فاميليا« تبني على الممثل بوصفه أساس اللعبة المسرحية. الممثل هو الأساس، هو نقطة العرض التي تتسع وتتسع وهو المحور. { مع ذلك يرسم الفاضل السينوغرافيا والاضاءة. والمسرحية، أية مسرحية، لا تزال في طور الكتابة الأولى. لا يفرق الفاضل في العملية المسرحية بين عنصر وآخر. { الفاضل الجعايبي قاس كمخرج؟ جدا. { يستطيع أن يستغني عن أي ممثل بسهولة؟ بسهولة، لا. يستغني عنه إذا لم يستطع ان يتبع قوانين اللعبة، وإذا لم يقبل الممثل طريقة العمل الخاصة بنا، هنا يقع الخلل. عليك ان تثق بالفاضل كثيرا، وإلا تضيع. { تلتقين مجددا برجاء بن عمار في العمل الجديد »صرخة الوقواق في الليل الطويل«. كنتما التقيتم في عمل سابق، ثمة إحساس عندك بأن شيئا ما يتجدد، أو أن عقدة قديمة تتصل بواحدة جديدة؟ لقائي برجاء كان قصيرا، في مسرحية واحدة، كنا درسنا في الكلية نفسها، هي عملت في الكاف وأنا عملت في قفصة. جمعتنا صداقة تدور حول المسرح. التقينا في »التحقيق« قبل ان تمضي الى تجربتها الخاصة، وحيث التقينا، لم نكن نملك بعد الحضور الكافي والوعي الكافي لكي نفرض شيئا على المجموعة. تجدد اللقاء هام، ان نعمل مع بعضنا من جديد هام، وقد طلب منا الفاضل ان نهتم بكتابة النص، انا وهي على ان يتفرغ هو لعملية الإخراج. وهذا يرتب مسؤولية كبيرة علينا. { قال لي الفاضل انكم في خلال عملكم لمدة شهرين على المسرحية الجديدة خرجتم بخمس دقائق مسرح؟ التجربة جديدة وصعبة. ولا نزال في مراحل كتابة النص، ولكننا لا نكتب نصا كما هو النص، وهناك ما يعيق دائما، ففي سنوات المهنة الطويلة، تكتشف دائما انك تتعرض الى المصاعب والمشاكل والمعوقات ذاتها، تبحث عن مكان للتمرين، عن »الماتيريال« اللازم، عن مهندس صوت وإضاءة، كل هذا يأتي على حساب العمل الابداعي. { زواجك من الفاضل الجعايبي سهل شغلك في المسرح أم صعبه؟ (...). { انه ليس سؤالا شخصيا؟ لسنا زوجا وزوجة فقط، نحن كثنائي أقوى من زوج وزوجة. علاقتنا مبنية على التكامل بين الرجل والمرأة بالمعنى الحقيقي للكلمة. حتى في التفكير والاحساس هناك تكامل حقيقي، سهل عملي في المسرح على الأرجح ولو انني أميل الى القول بأن العلاقة متواصلة ومفتوحة قبل الزواج وبعده، ثمة تواطؤ بيني وبين الفاضل الجعايبي لا يعاين ولا يرى. { حين لا تعملين في المسرح ماذا تعملين؟ عندي بيتي. { تخرجين كثيرا؟ لست امرأة اجتماعية، لست سيدة مجتمع. { والفاضل؟ مثلي. { كيف تقضين يوما في المنزل؟ اهتم بالعائلة، اقرأ، وعندي »سوسة« الاخبار، أتابع نشرات الأخبار طوال النهار والليل، الC.N.N. للأخبار العالمية والتلفزيون المصري للأخبار العربية والتلفزة التونسية للأخبار الداخلية. { تشاهدين مسرحا؟ إذا ما أحسست بأن المسرحية تستأهل. { وسينما؟ قليلا جدا. { حياة صارمة إذاً؟ كأنها حياة معلقة. لا حياة اجتماعية. المسرح هو حياتنا، كأفراد، كعائلة. حاورها / عبيدو باشا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة