بين المنزل الأسري في المدينة القديمة في حي زقاق البلاط والمنزل المديني التالي في منطقة الصنوبرة في بيروت الحرب وبعدها، ثم »الاستقرار« في منطقة عرمون السكنية التي لا تشبه المدن الا بتعداد سكانها، تبدو رحلة اميمة ومنير رمضان تقدماً في زمن يتراجع. وهم اذ يتنقلون من منزل الى آخر تتخيلهم اشبه بعصافير تبحث عن مواضع لقوائمها بديلا عن كابلات الكهرباء التي تقطعت في قصف عشوائي ما. هكذا اتخيلهم يتقدمون في هذا التيار المتراجع وقد تأبطوا اشياء وعادات يحاولون انقاذها دون الكثير من التشدد. اما لماذا دون الكثير من التشدد؟ فلانها صفة المدنيين الاولى الذين يتعلمون الانصياع لرغبة المجموعة الكبيرة ولو على مضض. هكذا، يقول منير (65 عاماً) تعليقاً على سؤال له عن مدى افتقاده لمتعة طقوس رمضان في بيروت بعد انتقاله لهذه المنطقة السكنية المتشابهة المباني والخالية من أي سوق انه »لا شيء يصعب على الانسان، وانه اي الانسان سريعاً ما يتأقلم«. يقولها وقد شابت صوته لهجة فيها شيء من التعجب. ربما من نفسه لسرعة رآها في تأقلمه وتخليه عن بعض العادات التي كان يرتاح لها دون ان ينساها. يقول: »عندما جئنا الى هنا منذ اقل من سنة، استغربنا: ما بتشوفي دكان. مع الاسف، ومع ان عرمون صارت تعد حوالى مئة الف نسمة، فان عدد الدكاكين في الاحياء لا يتجاوز خمسة!!. ذلك ان كل الساكنين هنا تقريباً هم من ملاك الشقق، الذين يمتلكون سيارات ايضاً.. لذلك يذهبون للتسوق اما في بيروت أو في الاوزاعي او من تعاونية خلدة.. اما غير ذلك، فإن حاجتنا تتأمن من بعض الدكاكين هنا التي تبيع الضروري من البان واجبان، ومن فانات الخضار التي ينادي اصحابها على السكان بالميكروفون« (يقصد مكبر الصوت). نقول له: »لكن.. مش حلو مثل السوق«؟ فيرد، كمن يتفادى الافضاء بهذه المعلومة: »مزبوط، بس التنقلات صعبة علي، عرفت كيف، ما عندي اليوم سيارة. لذلك »نستقرب« ونشتري من هالجماعة.. اما الحاجات الكبيرة مثل الحبوب والرز والسكر فكل جمعة عشرة ايام نذهب الى الاستهلاكية«. أما اميمة التي وقفت لنا على شرفتها لدى وصولنا، فقد، بدت معتادة على تخبط زائريها في الاستدلال على المنزل. نقول المنزل، ونحن نعني الشقة، فمنطقة عرمون التي تشقها طرقات وشوارع لا اسماء لها، لا منازل فيها بمعنى البيوت الافرادية. بل هي عمارات فيها شقق كثيرة. وفي هذه الشقق عدد من الغرف كما قد يتمنى قدامى الطبقة المتوسطة، دون ان تتسع مساحة هذه الغرف الى حدود الرضا كما في احلامهم الصغيرة. اما نقطة احتجاج اميمة الثانية والأهم، فلقد كانت بديهية لامرأة اشتهرت بمهارتها في فن الطبخ واعداد الأكلات الصعبة، لكن اميمة مثل منير، تحاول ان تجد الايجابي في اي قضية للتأقلم بحجته مع الوضع: »هلق المطبخ يعني مش صغير مثل بيوت الاجانب، بس اصغر بكتير من بيت (منطقة) الصنوبرة. هناك كنت اسرح وامرح في المطبخ، وانا صراحة احب المطبخ الكبير يعني هنا »مكعومة شوية«.« وبما ان اول رمضان تمضيه اميمة بعيداً عن الاهل والاقارب والجيران والسوق (بعد انتقالها) فانها تحاول ألا تستبق الامور: »طبعاً كنت افضل البقاء في بيروت الى جانب اهلي والسوق والناس.. لكن.. مش مشكلة، لانني انزل كل يوم (الى بيروت)، ثم ان ابني وكنتي يأتيان الينا. اليوم مثلا اول ايام رمضان سيأتيان مع ابنتهما لين الصغيرة لنفطر معاً.. لكن.. اجمالا...« ثم تنظر الينا كمن حزم امره: »هلق زعلانة بس مش كتير.... لانو ما فيني«. نسأل اميمة عن السوق، فتقول لنا انها مهمة منير. يقول لنا هذا الاخير: »لم يكن التسوق ابداً مهمة النساء عندنا!..« جديدة هيدي مسألة النسوان تنزل تشتري«. اظن ان نساءنا اقتبسنها ما شاء الله ايام سوق الفرنج اذا كنت تذكرين؟ كانت الستات الفرنساوية والفرنج اللواتي كن موجودات بسبب عائلات القناصل او التجار الاجانب واصحاب المحلات، كن يتسوقن من هذه السوق، التي كانت عابرة عن 10 15 دكانا. رويدا رويداً، تفتحت البنات على العلم ثم اسسن بيتاً واسرة وخرجن لمساعدة الرجل في العمل خاصة ان انشغال هذا الاخير بالوظيفة لم يكن يتيح له التسوق مثلما كنا نفعل قديماً، صار الوقت ضيقاً. لذك صارت الست تتسوق وتنزل الى السوق على كيفها«. نسأله ان كان يحس بمتعة في التسوق، فيقول: »هناك من يقوم بهذه المهمة وكأنها عبء ثقيل.. ولا يحبونها. لكن انا احبها. لاننا ربينا على هذه العادة.. ولا زلت امارسها حتى الآن، ولقد كان بيتنا في زقاق البلاط وكان بيننا وبين الهول (Les Halles) اقل من مئتي متر«. وعندما يرى نظرتنا الحائرة، يسارع للشرح: »ما بعرف اذا بتذكري الهول محل رياض الصلح اليوم كنت هناك ساحة »يقولولها« ساحة عصور. اسمها بالحقيقة ساحة السور، لكن العامة حرفتها ومشيت.. ذلك ان بيروت القديمة كان لها سور وخمسة ابواب، وهناك كانت بوابة يعقوب.. وين بناية العويني؟ بوجهها تماماً كان في هول الخضرة (اسواق مسقوفة) وكان فيه سبيل الحميدي (عين ماء في ذكرى جلوس السلطان عبد الحميد العثماني) الذي وضعوه اليوم في جنينة الصنايع. ثم هدموا الهول بإحدى قصص الاصلاح والاعمار وما بعرف شوع هالمسائل. بيتنا كان لا يبعد اكثر من مئتي متر عن هول الخضرة.. وكان الوالد رحمه الله يرسلنا الى هناك: يا بابا يقولها مقلداً الصوت واللهجة الوالدية السمحة روح عند فلان وهات لنا كذا وكذا. كنا اولاداً بين تسع وعشر سنوات. نسأله ان كان هو من يختار الخضار على صغر سنه، فقال: »بالاول لم نكن نفعل، لكن شوية شوية تعلمنا اختيارالخضرة«. تعود اميمة من المطبخ الينا في الصالون تكبس زر الكهرباء فلا تجد التيار، ثم تقول: »رح خلي الزر مكبوس حتى نعرف لما تجي الكهرباء«.. ثم تلتفت الى زوجها: »هلق صرلك ساعة عم تحكي، رح يحل الفطور، ما بدك تعمل لي الحمص والفتة؟« ثم تلتفت الينا: »كتير شاطر بالحمص والفتة«. لكن منير الذي نهض يقول مستدركاً: »كيف بدي اعمل حمص من غير خلاطة الكهرباء؟«. »يه.. صحيح« تستدرك اميمة وهي تضع يديها على خاصرتيها.. ثم تقول كمن وجد حلا: »منعمل شوية بس اليوم، مقبلات.. فيك تعملي اياهم بالمدقة؟«. ثم تنظر إلينا في العتمة التي هبطت على داخل المنزل قبل خارجه كما هي الحال في الشقق الجديدة وهي تقول: »على حظكم انقطعت الكهرباء، صرلها ايام وايام جاية«. وسرعان ما تتزاحم الصحون والمواد الاولية على كل مسطحات المطبح: جاطات »الستنلس« المتفاوتة الاحجام على طاولة المطبخ الفورميكا، ربطة الخبز الطازجة على الكرسي البلاستيك، والثوم المدقوق والحامض المعصور وخبز الفتوش المحمص على البوفيه، في حين انهمك منير بتتبيل الحمص ودقه. تهتف اميمة: »هل اخبرك منير عن عادة اهل بيروت القديمة في بدل الصحون والكاسات والفناجين كل سنة من السوق؟«. يستدرك منير: »ايه.. هذه عادات البيوت البيروتية القديمة، من السنة للسنة، وكل سنة يجددون الصيني والكاسات.. من جميعو.. الحمد لله كانت ميسورة معهم. كان الواحد يستأجر حمالا بقرشين ونصف او خمسة قروش. وكان الحمال يحمل سلا كبيراً على ظهره يضع فيه القديم ويرافقه صاحب الحمل الى السوق للبدل. اصلا كان الحمالون ينقلون المأكل والمشرب وما ثقل من المشتريات«. في هذه اللحظة، يقرع الباب، تهتف اميمة التي تحولت في لحظة الى جده: »لين.. جاءت لين« تقصد حفيدتها التي تجاوزت سنتها الاولى بالكاد. يدخل الابن هادي وزوجته زينة وهما يحملان الحلويات. تصيح زينة: »كنت بدي جيب كلاج لكن العجقة هوووهوو..«. يتناهى من الخارج صوت مقرئ الجامع الوحيد في حين تتلألأ امام الناظر في العتمة الهابطة أنوار العاصمة القريبة البعيدة. تفرش أميمة مفرش طاولة السفرة وهي تتحسر على طاولتها السنديان التي باعتها بتراب المصاري لان المنزل الجديد لا يتسع لها، في حين انهمك هادي بالبحث عن الشموع واضاءتها »ليقشع الواحد تمو«. واذ سمع صوت المؤذن يؤذن بالافطار بصوت بعيد، رقيق دون وسيط مكبر الصوت الكريه، تطل اميمة من المطبخ برأسها وهي تسأل: »ضَرَب؟«. تقصد مدفع الافطار الذي لم يعد له وجود... فيجيبها ابنها: »ايه اذّن«. يقصد المؤذن فيتحلق الجميع حول المائدة بشموعها ويتلو منير بصوت خفيض وكأنه لا يريد ازعاج من حوله بطقوسه الخاصة: »اللهم اني لك صمت، وعلى رزقك افطرت.. ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الاجر.. ان شاء الله«.. وفي الخارج تعلو اصوات مولدات الكهرباء مختلطة بسمفونية ملاعق الجيران. الغرباء. ضحى شمس