As Safir Logo
المصدر:

»أسطورة سيزيف«: بطل اللاجدوى هو سيد مأساته

المؤلف: غ ح التاريخ: 1999-08-26 رقم العدد:8383

حين يفاجأ المرء في لحظة وعي غير مألوفة، بأن العالم لا يستحق العناء وان العيش اليومي لا يؤدي الى معنى او هدف ما، قد يشعر بغربة عما حوله وانه قد تجرد من الاوهام والآمال، فتتحول ذاكرته الى فراغ مطلق وموحش. ومع ذلك، قد يستمر بأداء الامور اليومية التي يفرضها عليه الوجود نتيجة للعادة فقط، من دون ان يكون هنالك اي سبب منطقي للاستمرار. فلماذا لا يقدم على الانتحار؟ من هنا يبدأ كامو بحثه في ماهية هذا الوجود »الخالي من المعنى« وعلاقته بحياة الانسان اليومية المليئة بمحاولات لخلق المعنى والهدف. ويقع كتابه »أسطورة سيزيف« بين خطورة العبثية المطلقة (Absurdism) التي تلغي فعليا اي سبب للبقاء، وبين ضرورة الوجودية (Existemtialism) التي تصنع من اللاجدوى قيمة للوجود، وذلك نتيجة للوعي من جهة، والشغف للحياة على الارض من جهة ثانية. »هذا الطلاق بين الانسان وحياته، هو بالضبط الشعور بالاجدوى... وهنالك صلة مباشرة بين هذا الشعور باللاجدوى وبين الحنين الى الموت«. ويختار كامو أسطورة سيزيف لكي يشرح فكرته وفلسفته في الوجود. فقد حكمت الآلهة على سيزيف بعقاب لانهائي، فيحمل صخرته على اكتافه الى قمة الجبل حيث تسقط ثانية لثقلها الى الأسفل. ثم يراقب سيزيف الصخرة وهي تتدحرج الى القعر الذي يجب ان يرفعها منه نحو القمة من جديد. اما اللاجدوى، فهي في التكرار المضني لذلك العقاب من دون ان يكون له نهاية او معنى. سيزيف اذا هو البطل العبثي او اللامجدي. فما أودى به الى هذا العقاب ليس الا حقده على الآلهة، كرهه للموت وشغفه للحياة. عليه ان يقوم »باللاشيء« الى ما لانهاية، وهنا تقع مأساته. لكنه بالمقابل يعي هذه المسألة ويعرف تماما ان الامل بالخلاص مفقود، وان الآلهة غير موجودة لتنقذه من العذاب الابدي. ولكن هذا الوعي للمأساة هو بحد ذاته ما يحول عذابه الى انتصار. ويتمثل ذلك الوعي او الادراك بوقفة سيزيف على قمة الجبل ليراقب الصخرة في نزولها الى الاسفل. »واثناء تلك العودة، تلك الوقفة، يهمني امر سيزيف... تلك الساعة، كالفضاء المتنفس، بالتأكيد، كيقين عذابه، تلك هي ساعة ادراكه. وفي كل لحظة من هذه اللحظات التي يغادر فيها الذروة ويهبط تدريجيا نحو مكمن الآلهة، يكون أسمى من مصيره. يكون أقوى من صخرته«. فقوته تكمن في تركيزه على الحرية، رفضه للأمل، وادراكه لعبثية حاله. وما يدرك حقيقته فعلا ليس اكثر من احساسه بقلبه وبالعالم. فالحياة لا تملك اي معنى مطلق، بل تغرق في صمت ولامبالاة تجاه عطش الانسان وتوق الى كل ما هو مطلق ومحدد وذو معنى. إلا ان كامو يرفض فكرة الانتحار التي لا تعني سوى الاستسلام للقدر. فوعي المرء لمأساته وقدره وللاجدوى التي تحيط به هو الطريقة الوحيدة لخلق »المعنى«. والمعنى يقع فقط في حريتنا، شغفنا وتمردنا. ولذلك، يؤكد كامو على ضرورة التركيز على نوعية تجاربنا، لا على كميتها، بعكس ما يفعله البعض مثل الدون جوانيين، الممثلين، والغزاة. فهؤلاء يجمعون على أهمية تكرار تجاربهم في محاولة للعيش حتى الثمالة خلال مدة حياتهم المحدودة. الا ان كامو يؤكد اهمية تجربة المبدع الذي يختبر أكثف انواع الفرح والاكتفاء في لحظة الابداع. فتتحول الاعمال الفنية الى وسيلة لإثبات وعي الفنان او المبدع في مواجهة عبثية الوجود. فالفن بالنسبة اليه عمل انساني اساسي كونه يعبر عن توق الانسان للحرية والجمال اللذين يكرسان المعنى والقيمة للوجود. بعكس الفيلسوف الالماني نيتشه، لا يضطر كامو الى اعلان »موت الله«. فالله لا يدخل أصلا في اطار بحثه للمسألة، فهو غائب عن المشهد، أما الحقيقة الوحيدة المطلقة بالنسبة الى الانسان، فهي الموت. وهنا تكمن قيمة الحياة. وسيزيف يشبه »العامل الذي يقوم بالاعمال نفسها كل يوم من حياته، وقدره ليس اقل عبثية. ولكنه مأساوي فقط في تلك اللحظات التي يصبح فيها واعيا لمصيره«. فسيزيف هو بروليتاريا الآلهة، مليء بالتمرد والقوة على الرغم من ضعفه ومأساته. »فهو سيد أيامه«. »هنا تقع سعادة سيزيف الصامتة، بأن قدره يخصه هو، وصخرته ملكه هو«. كامو يرى سيزيف جريئا لأنه يعرف مأساته ويستمر فيها بسرور. يواجه سيزيف الكثير من المآسي، وليس الموت فقط. يواجه كل المصاعب بتفوق وكرامة. والاسطورة لا تحمل العزاء للانسان في وجه معاناته، وللعامل في وجه عمله المتكرر الى ما لا نهاية. وهي ليست لحمله على القبول بواقعه والتأقلم معه، بل لتحثه على التمرد والثورة واستعادة الكرامة. »سأترك سيزيف عند أسفل الجبل... فالوجود من دون سيد يبدو له غير عقيم وغير تافه. فكل ذرة من تلك الصخرة، وكل قطعة معدنية من ذلك الجبل المليء بالليل تؤلف عالما بحد ذاتها. والصراع نفسه نحو القمة كاف ليملأ قلب الانسان. يجب على المرء ان يتصور سيزيف سعيدا«. ح. غ.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة