تفيد قراءة الروايات العربية ان نوعا قصصيا جديدا، هو القصة القصيرة الحديثة، نشأ وتبلور في لبنان ومصر، في العقد الثاني من القرن العشرين، وهو العقد نفسه الذي ظهرت فيه الرواية العربية الحديثة على أيدي جبران خليل جبران في لبنان ومحمد حسين هيكل في مصر. ولعلنا لا نخطئ عندما نقول ان جبران خليل جبران حقق نقلة نوعية، في روايته »الاجنحة المتكسرة« الصادرة عام 1912؛ ذلك انه حاول تجسيد تجربة الانسان العادي الفردي، في سعيه الى امتلاك اجنحة تنقله الى عالم اخر سوى عالم الواقع الذي يرفضه، ولا يقلل من اهمية هذه المحاولة لغتها الشعرية، ورومانسيتها، فالمرحلة كانت مرحلة بحث لن يلبث ان يؤتي اكله. تعد رواية »الاجنحة المتكسرة« اول رواية لبنانية حديثة، ويعد كثير من الباحثين رواية »زينب« لمحمد حسين هيكل، الصادرة عام 1914، »اول رواية عربية حديثة«، ونظرا لأن هذه المرحلة كانت مرحلة نشأة الرواية العربية بعامة وليس الرواية اللبنانية او المصرية فحسب، يقتضي البحث معرفة خصائص كل من هذين العملين الفنية التي ميزته واحلته مرتبة الريادة، ما يتيح، في الوقت نفسه، تقدير اهميته في تطور الرواية العربية التي اخذت بعد الحرب العالمية الاولى، وفي كثير من نماذجها، تنحو، في كل قطر، منحى الصدور عن الواقع الاجتماعي المحلي. في طبيعة التجربة، عاش كل من الكاتبين في الغرب، بعيدا عن وطنه، وتأثر بعاملين اولهما الاطلاع على نماذج من الادب الغربي الروائي، وثانيهما حضور الوطن الارض في وجدانه وتشكيله مناخ التجربة وجوهرها، يقول هيكل انه كتب روايته في باريس ولندن وجنيف، وهو يحيا حالة حنين الى وطنه، فبدا كأنه »يحمي نفسه، وهو يواجه حضارة اوروبا واستحضاره الريف المصري، وتصويره ماضي النفس من ذكريات لأماكن وصور مصرية« فقدم صورة ما يراه في الريف لا واقع الريف نفسه، ولهذا بدا كأنه ينظر من بعيد، يتأمل، يصف، يحن، ويشفق، وحاول ان يبرز الشخصية الوطنية، ولعل هذا ما يشير اليه توقيعه الرواية، عندما نشرها، لأول مرة، باسم »مصري فلاح«. ويقول جبران انه يتشوق الى محاسن طبيعة وطنه »تشوق الرضيع الى ذراعي امه« فالوطن الأرض عند جبران ليس ذكريات وصورا، وانما هو ام تكوّن عندما تعطي الحنان والغذاء، الاجنحة التي تقوى على التكسير. إن اختلاف رؤية كل من الكاتبين جعل موقف كل منهما، من عمله، مختلفا. فقد وقف هيكل امام مؤلفه حائرا يسأل عن نوعه، هل هو رواية، او خواطر في كراس، او وصف لمناظر واخلاق ريفية، وانتهى الى ان وضع عنوانا ثانيا له: »مظاهر واخلاق ريفية«، ووقعه باسم »مصري فلاح«، غير متجرئ على وضع اسمه عليه. اما جبران فوصف مؤلفه ب »رواية ادبية«، مخلصا الوصف من ملحقات ليست من طبيعة النوع الادبي، مثل، تهذيبية اخلاقية غرامية الخ.. ووقعه باسمه. وهذا يفيد ان جبران كان اكثر ادراكا لطبيعة النوع الادبي الذي يسهم في بلورته، من خلال بحثه عن اشكال جديدة لرؤاه الجديدة، كما انه كان اكثر جرأة على مواجهة واقعه الذي كان كثير من كتّابه يصنفون الكتابة القصصية في مرتبة أدنى من مراتب الانواع الادبية الاخرى. مقابلات في مصدر الحدث وسياقه: الحدث، في كل من الروايتين مأخوذ من واقع الحياة الاجتماعية، وقد تم اختياره ليمثل الحياة الواقعية، ويرى الى قضاياها، وهذا تطور نوعي عرفته الرواية العربية، اذ كان الحدث في الروايات السابقة اما تاريخيا او تجميع مغامرات. ويبدو ان التجربة الشخصية حاضرة في كل من العملين. فهيكل يروي، كما يقول ذكريات وجبران يروي، كما يقول ميخائيل نعيمة، »رواية حبه الأول يوم كان ما يزال طالبا في بيروت«. وقد نما الحدث، في كل من العملين، في سياق خطي تقطعه تدخلات الراوي، تأملا ووصفا واستطرادا عند هيكل وخطابا ووصفا عند جبران، ويبدو ان جبران روى حدثا كاملا غير متشعب يكشف تكسر اجنحة الانسان الرائي الى عيش واقع مختلف عن واقعه، في حين روى هيكل، كما يقول، طائفة من الاحداث، وحاول ان يخلق منها صورة حية تمثل عالما خاصا له ميزاته، كما يقول، وما وقع لهؤلاء الاشخاص من خير او شر..«. في الشخصية الرئيسة او العامل الذاتي الساعي الى هدف: يروي كل من جبران وهيكل حكاية انسان عادي فرد، فالشخصية الرئيسية، في »الاجنحة المتكسرة« شاب ينتمي الى الطبقة الوسطى، مستنير، يتأمل واقعه ويرفضه، ويطمح الى تغييره، ويرى ان الحب ينشئ اجنحة التغيير، من طريق السعي الى اقامة علاقات اجتماعية جديدة قوامها الحب، وهذا ما يراه الرومانسيون، عندما يقولون: »الزواج المثالي هو الذي طبع بطابع الهي من الحب المتبادل بين الزوجين، وكل زواج لا حب فيه هو في الحقيقة فسوق غير مشروع«. ولعل هذه الرؤية الرومانسية هي التي حكمت سعي الشخصية، فكانت غير منفصلة عن الواقع وغير مندمجة فيه في الوقت نفسه، ولم تواجه، على الرغم من تمردها، القوى التي تسلبها الحبيبة، وتكسر اجنحتها، وهي القوى التي تعيق التغيير وتتمثل بتحالف رموز الاقطاع والمال والدين، وهكذا لم تسع الى تحقيق هدفها، وكان بإمكانها ان تفعل ذلك. ويقول ميخائيل نعيمة في هذا الصدد: »فقد كان في مستطاع الحبيبين بقليل من عناد المحبين وايمانهم بقدسية الحب ان يتغلبا على العقبات التافهة التي قامت في سبيل اتحادهما، ولكنهما آثرا الرضوخ للأمر الواقع على العناد، وآثرا الشكوى والتفجع والنواح على الوقوف بجانب حقهما في الحياة«. أما الشخصية الرئيسية في »زينب« فشاب ينتمي الى الطبقة العليا، الى الباشوات، متفتح الذهن، لكنه يكتفي بالتأمل من بعيد وبالشكوى، ويبقى مترددا حائرا، وتبقى علاقته بزينب التي تمثل الفلاحة المصرية، او مصر الناهضة، في حدود الحنو والتعاطف والملامسة المرتبكة، وهذا يشير الى موقف هذه الطبقة المنفصلة عن واقعها، والتي لم تستطع الاندماج فيه، ولهذا فإننا لا نجد هذه الشخصية في موقع السعي الى هدف، الى موضوع، وانما في موقع المراقب المتردد غير الواثق بقدراته. في المنظور الروائي، يهيمن الراوي في كل من الروايتين، وهو يراعي ان تكون الشخصية محكومة بقدراتها، غير ان القدر يبرز قوة طاغية، ففي »الاجنحة المتكسرة« تدبر يده لقاء الحبيبين، وتفرقهما. تقول سلمى كرامة: »ان القوة العمياء التي قربتنا بالامس ستفرقنا اليوم. القوة الخرساء التي تتخذ الشرائع البشرية ترجمانا عنها..«. القدر قوة عمياء وخرساء تحكم مصائر البشر، وهو غير مجهول، وانما يتمثل بشرائع البشر، التي لا يستطيع الفرد حيالها سوى الرضوخ والشكوى، هذه هي وجهة النظر التي حكمت مسار الرواية الى حتمية مأساوية، تشير الى ان هذه القوة العمياء الخرساء: الشرائع السائدة تقود المجتمع الى العقم، ومن ثم الى الموت، وهذا ما تقوله الرواية التي تنتهي بموت سلمى وطفلها، وما تقوله نهاية رواية »زينب« المتمثلة بموت »زينب« بالسل، وان تكن ميتة سلمى مسوغة فنيا، فإن ميتة »زينب« مستقاة من نهايات الروايات الرومانسية الفرنسية، وغادة الكاميليا بالتحديد، ذلك ان موت امرأة في الريف بداء السل غير مقنع فنيا. تحكم وجهة نظر الراوي مسار الاحداث، كما رأينا، ويثير هذا التحكم اسئلة كثيرة مثل: لماذا رضخ والد سلمى، وهو القادر على الرفض؟ كيف تقابل سلمى حبيبها، بعدما تزوجت، في المعبد، وهي المرأة العفيفة؟ لماذا لا يفعل المطران شيئا، وهو عم الزوج ومدبر الزواج وراعيه، بعد ان علم بذلك؟ الخ... ولماذا يزوج الاهل »زينب« من شخص لا تحبه، ويرفضون تزويجها من شخص تحبه، من دون ان تكون هناك اسباب تسوغ ذلك؟ كما ان وجهة النظر هذه تحكم العناصر الاخرى، فالشخصيات منجزة، يحركها الراوي، ويبدو الحوار كأنه صوت المؤلف، فكيف تستطيع امرأة عادية، غير متعلمة، ان تقول ما قالته سلمى لحبيبها، بعد وفاة والدها: »ان القلب بعواطفه المتشعبة يماثل الارزة بأغصانها المتفرقة، فإذا فقدت شجرة الارز غصنا تتألم، ولكنها لا تموت، بل تحول قواها الحيوية الى الغصن المجاور لينمو ويتعالى«. هذا هو صوت جبران وليس صوت سلمى كرامة، المرأة العادية المفجوعة بوالدها، وبإكراهها على الزواج من شخص لا تعرفه ولا تحبه. في التطور المنجز: تخلصت اللغة الروائية، في كل من العملين، من الزخرفة والركاكة والتضمين، وتميزت لغة جبران بالشعرية ولغة هيكل بالبساطة. كما ان بناء الحدث الروائي تخلص من المغامرات والمفاجآت، وانتصارات البطل، وتوجهت مرآة الروائي الى الحياة الاجتماعية، لتكشفها في عمل يمثلها ويرى الى قضاياها، وهو، وان تحكمت وجهة نظر الراوي المؤلف بمساره، يبقى، على الرغم من السلبيات، عملا ينطق بالرؤية، ليس من طريق الخطاب المباشر وانما من طريق انتظام العناصر جميعها. عنوان »الاجنحة المتكسرة«، على سبيل المثال، يشير الى الدلالة الكلية، وهذا يمكن تبينه كما يلي: شاب وفتاة يهبهما الحب اجنحة تنقلهما الى عالم سحري لا يراه الذين لم يوهبوا مثل هذه الاجنحة، يريدان العيش في هذا العالم، لكن القوة العمياء تسعى الى تكسير الاجنحة، فتقول سلمى: »اشفق يا رب وشدد جميع الاجنحة المتكسرة«، ويردد حبيبها هذا القول، وهذا يعني عجزهما عن مواجهة هذه القوة التي تنجح في تكسير الاجنحة، فيغيب العالم الجديد عندئذ، وهذا ينطق بأن الحب الذي يخلق الاجنحة يوصل الى العالم السحري الجديد وان القوة العمياء: الشرائع السائدة تلغي هذا العالم عند تكسر اجنحة الحب، وهذه هي رؤية جبران في الدعوة الى عالم ناهض بديل من عالم متخلف. وقد نطقت بها الرواية، على الرغم من السلبيات، ليس من طريق المعرفة المباشرة.. التي تستخدم الحدث وسيلة، وانما من طريق المعرفة الفنية التي تجسد الواقع وتكشف علاقاته. وهذا التطور الذي انجز يعد »بداية معقولة« مهدت لتطور الرواية العربية في مراحل متتابعة. عبد المجيد زراقط