As Safir Logo
المصدر:

تعريفات حول الأمراض النفسية العقلية(2) الجسد أداة نفسية وبالعكس

معاناة النجاة..بعد الزلزال
المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1999-08-24 رقم العدد:8381

أثار خطأ مطبعي بسيط في صفحة »علوم« ليوم الثلاثاء الماضي (17 آب 1999) سيلا من التعليقات والاسئلة. فقد وردفي المقال »حول تعريفات الامراض النفسية العقلية (1)«،ما حرفيته ان »النقاش المحلي حول الامراض النفسية لا يلابسه الكثير من الالتباس والوهم«، والخطأ واضح بيّن. فالأرجح ان الامراض النفسية كانت دائما موضعا ومحلا للالتباس وسوء الفهم وللخلاف العميم، وخصوصا في الاوساط العلمية نفسها. الجسمنة (Somatization) كنّ خمس نساء يشكين أعراضا وأوجاعا في أجسادهن، وشكاويهن أعضلت الأطباء في جامعة فيينا التي كانت ذروة العلم والتقدم عند ختام القرن الماضي. لكن سيغموند فرويد تحدى المجتمع العلمي آنذاك، بأن تينك المريضات انما يعانين من مرض نفسي يعبر عن نفسه بلغة الجسد. اي أنهن كن »سليمات« من الناحية الجسمية المحضة، وان اضطرابهن نفسيا يؤدي الى ظهور الأعراض التي كن يعانين منها. أطلق فرويد اسم الهستيريا (Hysteria) على الاعراض الجسدية ذات المنشأ النفسي، لكنه مصطلح سرعان ما وقع فريسة التشوش وسوء الاستخدام. فعلى نحو متزايد، بدا ان الكثير من الأمراض »العضوية المحضة« ليست عضوية تماما وان أمراضا مثل القرحة المعوية والربو والحساسية الجلدية تأتي عبر إسهام بارز من الحالة النفسية للانسان. وغني عن القول ان جمعا من الأمراض النفسية »المحضة« تتضمن أعراضا جسمانية، ومعروف ان الكآبة يرافقها احساس بالوهن والتعب والصداع وانخفاض الشهية للطعام (أحيانا زيادتها) وفقدان للوزن (زيادته) وغيرها. وفي التصنيف الحالي ل»جمعية الأطباء النفسيين الاميركيين ول»منظمة الصحة العالمية«، ثمة شبه اتفاق للتأكيد على استخدام »الجسمنة« (Somatization) للتعبير عن اضطراب نفسي تكون الشكايات الرئيسية فيه هي الأعراض الجسدية، كمثل تسارع دقات القلب والإحساس بالغصة في الحلق والآلام في مناطق متعددة واضطراب عمل الجهاز الهضمي وغيرها، في ظل غياب اي تفسير بيولوجي مناسب لها. اضطراب ما بعد الضغط الرضّي (Post Traumatic Stress Disorder) الارجح ان من نجا من الهزة الارضية التي ضربت تركيا في 17 آب الحالي، اولئك الذين مادت بهم الارض ورأوا الرواسي والأبنية تتمايل وشهدت أعينهم اختلاط جثث الأعزاء مع الحطام، سيعانون طويلا وطويلا من الاعراض النفسية ل»اضطراب ما بعد الضغط الرضّي« والذي يشتهر بالأحرف الاولى من الجملة الانكليزية المكونة لإسمه (PTSD). وتصلح معايشة حدث مثل تلك الهزة كنموذج عن الضغط النفسي الذي يبلغ أثره على النفس مبلغ الأذى او الرضّة (Trauma). فال(PTSD) هو الاضطراب النفسي الذي يتولد عن معاناة شدائد نفسية تصيب بالأذى عمق الاحساس بالأمان والاطمئنان لدى الانسان. وفي هذا المعنى تتشابه الهزة الارضية مع تجارب مؤذية نفسيا على نحو عميق مثل السجن القاسي وتحطم الطائرات وغرق البواخر والفياضانات والمجازر والحروب والاغتصاب وغيرها. وبعد مدى زمني متفاوت من عيش تلك الشدائد، تظهر أعراض المعاناة النفسية كمثل اضطراب النوم والذي تؤرقه الكوابيس والاحلام التي تستعيد صورا من المكابدة، وتختل العلاقات الانسانية والاجتماعية ويسيطر القلق وسرعة الانفعالات والغضب لأتفه الأسباب والتوتر المستمر والاكتئاب وغيرها. والأبرز هو تجنب كل ما له علاقة مع الاحداث التي ولدت الأذى النفسي (Avoidance). يرى البعض في »اضطراب ما بعد الشدة« نموذجا عن الرؤية الفرويدية لنشوء الامراض العصابية (Neurotic Disorders) حيث الصدمة تليها مرحلة كمون ثم ظهور الاعراض. اما المدرسة السلوكية فانها رأت فيه تثبيتا لرد الفعل الاولي على الاحداث (الخوف) ثم انتشارها تدريجيا في كافة سلوكيات المريض. ولقد عاش لبنان وكابد أهوالا وشرب الناس من معاناة الشدائد والفظائع كؤوسا دهاقا. فما هي نسبة »اضطراب ما بعد الشدة..« وغيره من الاضطرابات النفسية؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة