الحفلان الاخيران في إطار مهرجانات بعلبك الدولية، احياهما ربيع ابو خليل الموسيقي اللبناني المقيم في المانيا، يومي الجمعة والسبت. موسيقى، تأليفاً وارتجالاً في التأليف. مقاطع قديمة وجديدة. هنا مقالة. تحت بقعة ضوء شبه ثابتة، احيا ربيع ابو خليل حفله الموسيقي في مهرجانات بعلبك. ودّعت المهرجانات الدولية فاعلياتها، بحفل الموسيقي اللبناني المقيم في المانيا. لم يكن وحده. معه فرقته، التي قدمها الى الجمهور اللبناني بحياء وخفر معروفين عنه. فانسان كورتوا على الفيونونسل، ميشال كودار على آلة النفخ، نبيل خياط على الدف، مارك نوسيف على آلة الباتري وابو خليل على عوده، الذي احتضنه شادا اياه الى صدره بشغف. مضى على اقامة ربيع ابو خليل في المانيا، ما يقارب العشرين سنة. هناك تطورت مداركه ومعارفه الموسيقية. يدل الى ذلك، انه اصدر اسطوانته الاولى، بعد سبع سنوات من الاقامة الالمانية. غير أنه منذ ذلك الوقت، راح يختط طريقه بعيدا عن عقد الانتماء والاقامة، من دون ان يخلفهما في عزفه او في تأليفاته الموسيقية. اذ انه بقي شرقيا، وفي آن مستوعبا لروح أرض الاقامة، فهناك تأكد ولا شك من ان اللغة أرض ايضا. بشر مهمومسون، وقد تبدى ذلك جليا في حفله البعلبكي، بحيث بدت موسيقاه، او معزوفاته، ذات خاصية شخصية مرتفعة (عزف من قديم موجود في تسجيلاته التي سبقته الى بيروت منذ زمن بعيد ومن جديد مؤلف مؤخراً). لان ابو خليل نسج دائما على منوال عدم الخوف من الآخر، والاستفادة من انجازاته، خصوصاً على الصعيد التأليفي التقني. لم ينجر ربيع ابو خليل الى الخوف من التسميات الدارجة، او الى التصنيفات السلفية. وبخاصة الجاز الشرقي. ولو ان موسيقاه تميل الى الجاز الشرقي، ليس لأن الجاز الشرقي تأليف، بل لانه حرية على الصعيدين التقني والتركيبي. إنه كلام على العزف وكلام على الابداع. أما الاخير، فإنه يطول العزف مع لاعب العود واللاعبين الآخرين، الذين قُيّض لهم ان يبرهنوا على قدر كبير من المهارة، في هنيهات الارتجال على الميلوديات الرئيسية، التي اطلت منها لمحات جاز وفولكلور ولمحات عربية تعود الى الرواد الاوائل في تاريخ الموسيقى العربية هؤلاء الذين تعلموا على حوارهم مع سيادة الموسيقى التركية والفارسية. موسيقى ربيع ابو خليل ليست لبنانية وليست اوروبية. إلا انها في تدرجها بين الموسيقات، لا تقع في وهم رسم بناء موسيقى عالمية. فهذه موسيقى تجاور، وان تكن العالمية عنوانا لها، اصنافا وانماطا لا تصل الى تصادم، لكنها تأليفات مفتوحة على الرحابة ومنفتحة على العوالم الموسيقية الواسعة. لنقل ان موسيقى ربيع ابو خليل، موسيقى معاصرة، لكنها تحتاج اولا وقبل اي شيء آخر، الى التخفف من حالها الكوسموبوليتية. لان »الموسيقى الانسانية« التي يطمح إليها ابو خليل، اذا ما جاز التعبير، بحاجة الى تعميق حالها الوجودية المحلية. لان الاشكال الاستيكية، لا تستطيع ان تخفي رغبة ابو خليل في بناء تشكيلات موسيقية ذات حيوية واضحة ومنزوعة من لمسات اكزوتيكية خفيفة جدا فيها. العازف يسرقه عوده والموسيقي يسرقه طموحه الكبير. وهو طموح في اتساع افكار ربيع ابو خليل، المقيم في أرضين وليس بينهما. ان نتيجة ذلك المباشرة، اخراج الحال الآلاتية من مداها المشفوع بالقراءة النوطية الاولى، الى مدى آخر. مدى تفكر، ومدى عملانية واضحة وباهرة، بدون استجداء الجمهور او ابهاره فالمطلوب هو حوار موسيقات وحوار افكار موسيقية ولغات موسيقية. بين شجن وفرح مرت موسيقى ربيع ابو خليل، الا انها في الحالين، ليست موسيقى اتفاق. بل ابداع، يميل الى الذات الداخلية لربيع ابو خليل، قبل ان تندفع الذات هذه في أروقة التفتح في غير طروحات »تخطي الزمن« الدارجة منذ أزمنة بعيدة. هي موسيقى واقعية، بيد انها لا تفتقد الى الخيال. وهي موسيقى خيال، تنطلق من الواقع قبل ان تتجاوزه. موسيقى أدوات موسيقية متداخلة، تقيم بناها في قطع جميلة جدا وخادمة لمن لا يعرف حدود تجربة ابو خليل في منطلقاتها وأجوائها وما وصلت إليه. آخر إصداراته »يارا« في آذار 1999، حلت في المركز الثالث في »الهيت باراد« في ألمانيا صاحب 13 سي. دي موسيقي). ذلك ان ربيع ابو خليل، في دورانه العالمي، إنما يسعى الى العودة الى منابعه، الى جذوره، الى روحه الاولى. عبيدو باشا