اعلان بيروت عاصمة للثقافة يجعل المثقفين يعتبرون أنفسهم معنيين بهذا الاعلان، فينطلقون ليعبروا عن وجودهم في عاصمتهم بيروت. ولأن الثقافة غير محدودة بجانب ما، فان المثقفين الفنيين يتسابقون لإعلان فنهم وممارسته في الاسواق وبين الناس، ان افتقدوا الى المسارح او المعارض. كذلك يفعل المثقفون من الأدباء والشعراء حيث يروحون يبحثون عن زوايا لمنبر خطابي او مساجلة شعرية او حتى ان يغروا الناس بسماع قصيدة ما. لكن ماذا يمكن ان يقدم المثقفون السياسيون في هذا البلد؟ وهل هناك مجال للثقافة السياسية في عاصمة الثقافة بيروت؟ السياسة علم وممارستها تحتاج الى تمرس وتمرين وبالتالي فهي فن لممارسة وتعلم لقواعد وهي تندرج في تراكميتها تحت مظلة الثقافة. السياسيون في لبنان او الذين تعاطوا او يتعاطون الشأن السياسي هم على فئات، بعضهم تعلم السياسية من أبيه او بيت أبيه، وبالتالي لم يتعلم علميتها بل فن ممارستها وهؤلاء بينهم أقطاب كبار، وبعضهم مارس السياسة من دون علم ولا فن انما من خلال معايشة ومعاصرة سياسيين، رسم خطه السياسي وكون ثقافة سياسية حاول معها ان يمارس ما أراد. البعض الثالث قرأ عن السياسة وكتب بالسياسة لكنه لم يمارس السياسة بقدر ما تكلم فيها، وهؤلاء هم الايديولوجيون الذين غصت بهم (كافيتريات) الجامعات في السبعينيات ونظّروا لاحزابهم في الثمانينيات، وتقاعدوا في بيوتهم او صاروا يعملون »شغلة« اخرى في التسعينيات. القلة القليلة هي التي درست علم السياسة وتمرست في العمل السياسي بشكل متدرج وهي اليوم تريد ان ترى لها مكانا في عاصمة الثقافة بيروت. وقد كان بالامكان اعتبار الاحزاب السياسية مدارس سياسية حيث يتعلم المريد نظاما للتعامل وتهذيبا للسماع وتنمية لموهبة التعبير من خلال الخطابة او الارتجال. لكن واقع الحرب اللبنانية جعل الاحزاب السياسية تتحول من احزاب سياسية الى ميليشيات مقاتلة تذبح بعضها بعضا مما أفقدها صيغة التعليم والتهذيب. ولعل شعر بذلك بعض قادة الميليشيات فراحوا يتنادون لعمل ما يسمى (ecoles des cadres) قاصدين بها مدارس التأهيل السياسي. في المدارس الثانوية لا يوجد شيء اسمه ثقافة بقدر ما هو مجرد سرد لمعلومات قد تكون صحيحة بقدر ما يريد اصحابها. بعد الطائف نشأ تيار يريد إبعاد الذين شاركوا في الحرب عن مراكز القرار السياسي، لكن أقطابا سياسيين شاركوا في الحرب ظلوا في موقع القرار السياسي لسبب أساسي هو ان الحرب كانت ضد لبنان، وهم كانوا مع لبنان ضد من كان ضد لبنان. هذه المقولة يمكن ان يتبناها كل الذين حاربوا في لبنان ويمكن لكل واحد ان يضع نفسه في موضع الدفاع عن لبنان، لكن واقع الحال يشير الى ان الذين ظلوا هم الذين عرفوا كيف يقرأون الواقع السياسي، في حين ان الذين خرجوا هم الذين جهلوا او لم يعرفوا قراءة السياسة الاقليمية. والمعادلة بسيطة: اذا كانت الحرب في لبنان هي من خارج لبنان فهذا يعني ان القراءة يجب ان تكون خارجية، وهنا تكمن اهمية الثقافة السياسية. فالثقافة السياسية تختلف عن غيرها من الثقافات. انها ليست ثقافة تراكمية بقدر ما هي ثقافة متحركة ومتغيرة، انها تطال الاحداث وتصنعها. لهذا، فقراءة الماضي لا تكفي لمعرفة الحاضر او استشراف المستقبل. القراءة دائما والوعي لما هو غير مكتوب ضرورة تحتاج الى بعد نظر وتقصي معلومات ومعرفة صانعي السياسة الاقليمية. لبنان كدولة صغيرة لا يصنع سياسة ككل دولة صغيرة في العالم، انه حصيلة التجاذبات الاقليمية لأنه أصلا جزء منها. السياسي في لبنان مدعو لأن يعرف كيف يتعامل من أجل الحفاظ على ذاته وعلى بلده، وان يصنع اذا تمكن الافضل لهذا الوطن الذي يؤمن به. المضحك المبكي ان كثيرين من رجال السياسة في لبنان اعتبروا السياسة فن التبخير او فن الشتيمة حتى ان بعضهم صارت له مفردات خاصة به ليمدح ذاك ويشتم آخر، حتى صح حضور جرير والفرزدق على منبر مجلس النواب او في المقابلات الصحافية او المناسبات الخطابية. من أجل رسم ثقافة سياسية جدية يتطلب الامر خطوات عدة، اولاها، إدخال مادة السياسة كعلم في الصفوف الثانوية اسوة بعلم الاجتماع والاقتصاد. وثانيتها، إنشاء مخيمات او أقامة دورات للقاء مع سياسيين كبار رسموا خطوطهم السياسية على جبين التاريخ الحديث من صحافيين سياسيين الى فنانين سياسيين الى نواب سياسيين ووزراء ورؤساء دول. ثالثتها، تشجيع تداول الكتاب السياسي برعاية الدولة، او المؤسسات التي تهتم بالشأن الثقافي. اذا كان الأفق يلوح بحلول سلمية على رغم ان الكسوف حاصل فالضرورة تقضي بإنتاج جيل مثقف سياسيا كي يعرف كيف يتعامل مع الواقع المستجد. لبنان لا يضم تجارا فقط همهم من السلام توريد البضائع او استقبالها. لقد اعلناها عاصمة ثقافية فتترجم هذا القول فعلا بإنتاج ثقافة سياسية. د. ميشال سبع