As Safir Logo
المصدر:

بعد فتوى الشيخ أحمد ياسين بإهدار دمه من يحمي حياة ميشال خليفي؟

ميشال خليفي اختراق المحرمات
مشهد من عرس الجليل تداعيات الواقع الفلسطيني في ظل الاحتلال الاسرائيلي
المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 1999-08-17 رقم العدد:8375

في الأسبوع الفائت، وصلتني نسخة من مقال نشرته مجلة »النشرة« الفلسطينية، في عددها الخامس (أواخر أيار 1999) من السنة الرابعة عشرة، جاء فيه أن الشيخ أحمد ياسين أصدر فتوى أهدر بموجبها دم المخرج الفلسطيني ميشال خليفي (المقيم في بلجيكا والحامل جنسيتها، منذ العام 1970)، بسبب إنجازه »فيلما إباحيا وساقطا« هو »عرس الجليل«. وكانت »النشرة« نقلت عن صحيفة »الرسالة« بيان الفتوى، واصفة إياها (أي الصحيفة) بالمتأسلمة، التي انفردت، »كعادتها عن كافة الصحف والدوريات الفلسطينية«، بنشر الفتوى. أما عنوان المقال، الذي وقّعه رئيس التحرير (من دون ذكر اسمه، مع انه معروف وهو خليل الزبن)، فكان: »عن جماعات التكفير في عصر التفكير: شهادات وفتاوى بائسة من شهود بائسين على عصور الظلام؟!«. وأشار المقال الى أن صحيفة »الرسالة« نشرت الفتوى في »اطار اعلاني« في عددها الصادر في الخامس عشر من نيسان الفائت. المجتمعات الذكورية بعد اثني عشر عاما على إنجازه »عرس الجليل«، بات المخرج الفلسطيني ميشال خليفي مُعرّضا للقتل على أيدي أصوليين اسلاميين، مسلّحين بفتوى هدر دمه التي أصدرها الشيخ أحمد ياسين، أحد مؤسّسي حركة »حماس« الفلسطينية، وزعيمها الروحي. مجلة »النشرة«، التي تُعنى بحقوق الانسان في فلسطين والعالم العربي، والتي تصدر حاليا في غزة، نقلت عن صحيفة »الرسالة« فتوى الشيخ ياسين »ضمن إطار اعلاني، أهدر بموجبها دم المخرج الفلسطيني الأصل، المسيحي الديانة، البلجيكي الجنسية، ميشال خليفي، لاخراجه الفيلم الوثائقي المشهور »عرس الجليل«، باعتباره »فيلما إباحيا وساقطا«.«. لا شك أن المهتمّين بالنتاج السينمائي، يُدركون أن »عرس الجليل« ليس فيلما وثائقيا، وإن كان مشهورا؛ ولا ينتمي الى نوعية الأفلام الاباحية، وإن صَوّر، في بعض مشاهده، علاقة المرأة الفلسطينية (العربية) بجسدها، الذي يظهر عاريا مرة، ومرة أخرى تقوم المرأة ليلة عرسها بفضّ بكارتها، بسبب عجز الزوج الذكر، منعا لفضيحة تسيء اليه في مجتمعه الذكوري. ولا يُمكن اعتباره ساقطا، لا بالمفهوم الأخلاقي، ولا على المستوى التقني والجمالي، فهو عالج واحدا من أدقّ التفاصيل الاجتماعية العربية، وأكثرها حساسية، الى جانب قراءته مقتطفات من الواقع الفلسطيني في ظل الاحتلال الاسرائيلي، ومحاولته رسم صورة حسية عن يوميات القابعين تحت حكم الاحتلال، في تعاطيهم معه ومع أنفسم، ومع بعضهم البعض. على الرغم من أن »النشرة« لاحظت »أن الصحافة الفلسطينية بشكل عام، والصحافة المتأسلمة بشكل خاص، لم تُشر لا من بعيد أو من قريب لفتاوي الشيخ وشهاداته بعد ذلك؛ كما لم تعر اهتماما للردود والبيانات الخطية التي كتبها علماء دين وأئمة أفاضل ممن مسّتهم تلك الشهادات (...)«، مشيرة الى تفرّد صحيفة »الرسالة« بنشر الفتوى عن كافة الصحف والدوريات الفلسطينية؛ فانه لا يُمكن التغاضي عن مثل هذه الواقعة الخطرة، التي تُضاف الى لائحة المواجهات العنيفة والمستمرة بين المتنوّرين والظلاميين؛ وبين المثقفين المنفتحين وأصحاب العقول المتحجّرة؛ وبين المبدعين الديمقراطيين والمنغلقين داخل تفسيرات خاطئة؛ وبين العاملين ضمن توجّهات مدنية وعلمانية، والساعين الى تقويض أسس المجتمعات العربية، بهدف بناء دول أو كيانات طائفية ضيّقة، باسم الاسلام. لا ندري ما الذي دفع الشيخ أحمد ياسين الى »اكتشاف« فيلم ميشال خليفي، في هذه المرحلة الصعبة التي تمرّ بها فلسطين المحتلة، تحديدا. فهل صدرت الفتوى، مثلا، قبل النزاعات الخطرة (دينيا وثقافيا واجتماعيا) التي شهدتها مدينة الناصرة (حيث وُلد خليفي في05/11/3 19) مؤخرا، أم خلالها، أم بعدها؟ أضف الى ذلك، أن الفتوى، التي يبدو (بحسب »النشرة«) أنها صدرت في الأشهر القليلة الفائتة، تأتي في ظل التأزم السياسي بين الفلسطينيين والاسرائيليين من جهة، وربما أيضا بين الفلسطينيين أنفسهم، من جهة أخرى؛ والمعوقات العنيفة التي تواجهها المفاوضات بين سلطة الحكم الذاتي والحكومة الاسرائيلية (السابقة والحالية)؛ وتراجع حدة العمليات »النضالية«، أو على الأقل عددها ونوعيتها، للحركة الاسلامية (حماس)، ضد »المدنيين« الاسرائيليين. لا ندري ما (أو ربما من) الذي حرّض الشيخ أحمد ياسين على »ضرورة« إصدار فتوى بهدر دم ميشال خليفي، بعد مرور كل هذا الوقت على إنجازه »عرس الجليل«، الفيلم الذي واجه تحديات ثقافية وفنية ونقدية وجماهيرية، جعلته شهادة انسانية تعكس وجوها من الحياة الاجتماعية، وإفرازات الاحتلال، وتراكمات الموروث الاجتماعي والثقافي والتربوي الفلسطيني العربي على الذات البشرية؛ أي ذات الانسان الفلسطيني الذي يتعرّض لضغوط متنوّعة، ناتجة من الاحتلال نفسه، ومن أسلوب قبضته الحديدية على عنق المجتمع الفلسطيني، كما من تداعيات التقاليد الحياتية لهذا المجتمع، الذي لا يزال محافظا ومتزمتا بعض الشيء. واذا كان الواقع قاسيا ومحبطا، فإن »عرس الجليل« لم يكن أكثر من قراءة حسية لوجع الواقع، وتصدّع المجتمع، وقلق المواطن. ألم يكن مشهد الزوجة وهي تفضّ بكارتها بيدها، صورة صادمة عن العجز الذكوري الناتج من ضغط الاحتلال؟ ألا يُمكن القول أن ما فعلته الزوجة (أي المرأة المنبوذة عادة في المجتمع العربي التقليدي) لا يقلّ عن رغبتها العميقة في حماية زوجها من الإذلال الاجتماعي؟ لا ندري كيف انتبه الشيخ أحمد ياسين، فجأة، الى هذا الفيلم الشهادة، الذي ساهم في بلورة مسار سينمائي وثقافي وفني فلسطيني عربي، نقل المعاناة الفلسطينية المزدوجة (ضغط الموروث التقليدي، وعنف سطوة الاحتلال)، بمشهدية لا شك انها صادمة بجرأتها على تحطيم بعض التابوات، أو على الأقل باختراقها بعض المحرّمات، بحثا عن شفافية الذات الفلسطينية وتمزّقها بين أحلامها وحصارها داخل »زنزانة« البيت الفلسطيني (اجتماعيا وأخلاقيا)، وسجن الاحتلال الاسرائيلي (سياسيا وعسكريا). فالفيلم قدّم للمُشاهدين في العالمين العربي والغربي، بلغة سينمائية امتلكت خصوصيتها التعبيرية والجمالية، ما يتسبّب به الاحتلال الاسرائيلي، مُضافا اليه قسوة التقاليد المجتمعية العربية المليئة بالمحرّمات، من انهيارات في الذات والروح والمجتمع. لماذا الآن أيا يكن، فإن الشيخ أحمد ياسين شاهد »عرس الجليل« وأصدر فتواه؛ ولعلّه لم يشاهده، مكتفيا بوشاية ما، أو بتحريض معين؛ أو ربما تلبية لحاجة خصوصية داخل »الكيان« الأصولي الاسلامي الذي تتزعّمه حركة »حماس«. لا شيء يُمكنه التأكيد على ذلك. لكن الفتوى صدرت، كما قالت »النشرة«، وبات على ميشال خليفي في حال وجود هذه الفتوى أن يُعرّف فيلمه الرائع هذا بالقول انه مجرّد »شريط اباحي وساقط«. هذا ما جاء في »النشرة«، على كل حال، وهي أوضحت أن رئيس تحريرها خاض مواجهة مع طلبة اسلاميين في »مؤتمر الصحافة الطالبية عقدته جامعة بيت لحم في رحابها الشهر الماضي (أي نيسان 99) لطلبة الصحافة في الجامعات الفلسطينية«. فرئيس تحرير »النشرة« قال في مداخلته أمام المؤتمر »عن هذه السابقة الخطرة في حياتنا الفلسطينية الجديدة«، ان »وزراء الثقافة والتربية والتعليم لهم رب يحميهم، فمن يحمي حياة ميشال خليفي من طغيان فتوى الشيخ ياسين، لازهاق روحه، وإهدار دمه، وتوزيعه على روابط القرى والمدن والعشائر والقبائل؟!«. وأضافت »النشرة« أنه بعد رفع المؤتمر جلساته لاستراحة قصيرة »اندفع ملتحون شبان من طلبة الصحافة في جامعة النجاح في نابلس، يسألون عن ذلك المتحدث الغزاوي الذي نطق كفرا. وعندما عرّفتهم على نفسي، أجابوني بأن الله قد منحهم حق قتلي... هكذا بدون أية مقدّمات سوى تذكيري بتلك الفتوى (كذا) التي أصدرها صاحب الفتاوي الأكبر (...) الخميني (كذا) بحق سلمان رشدي«. ولم يغب عن بال »النشرة« أن تنشر بعض الردود التي رفضت فتوى الشيخ ياسين. لا يُمكن اعتبار ما جرى في حق ميشال خليفي، مجرّد صراع فلسطيني داخلي محض، بقدر ما له دلالاته الثقافية والفكرية، في الصراع الدائم بين الوعي والمعرفة والانفتاح من جهة، وبين التخلّف والرجعية التي دائما ما تستخدم الاسلام في »جهادها« ضد الثقافة والعلم والفن، من جهة ثانية. واذا صحّت فتوى الشيخ ياسين بإهدار دم ميشال خليفي، فإن المشكلة تزداد سوءا داخل فلسطين المحتلة، في حين أن هذا المخرج، الذي طالما واجه صعوبات وتحديات متنوّعة من أجل حقّه في التعبير والنقاش، لن يتردّد، غالب الظن، في الاستمرار في نهجه الثقافي والفني، منجزا أفلامه المتنوّعة، بارتكازه الدائم على اختراق المحظورات البائدة. نديم جرجوره

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة