إنها المرأة التي وثّقت مجزرة صبرا وشاتيلا. لم توثق. بيان نويهض الحوت عاشت المجزرة على مدى عشرين عاما لتوثقها.. وثقت لأنها كانت على بعد عشر دقائق »مشيا« من المجزرة، ولم تعلم، ثلاثة أيام من المجزرة ولم تعلم. »كلنا مسؤولون. أديت واجبي وتأدية الواجب نوع من الدفاع عن النفس.. كيف تحصل المجزرة وأنا جالسة في منزلي..«. كانت في بيتها. والدبابات على بعد أمتار تحتل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية، وزوجها شفيق الحوت، ممثل المنظمة آنذاك، كان مسافرا. جاءها الإسرائيليون يفتشون منزلها بحثا عنه ولم يجدوه، وعند الباب قال لها الإسرائيلي قبل أن يغادر: »أتشهدين على أننا كنا متحضرين معك؟« ..أسباب كثيرة في غاية الأهمية جعلتها تشعر بأن عليها أن توثق هذه المجزرة، ومن بينها أن ترد على سؤال الإسرائيلي. ما زال المنزل نفسه، على بعد عشر دقائق من المخيم، ولكن الزمن تغير كثيرا. إلا أن اللوحة ما زالت في مكانها منذ اللحظة الأولى ، »عروسان على الحدود«، هدية زواجهما من صديقهما المشترك التشكيلي اسماعيل شموط، فتاة جميلة ووراءها شاب يحمل البندقية.. والتاريخ 1962. هي الجميلة التي بقيت طوال حياتها على الحدود. نصف لبنانية نصف فلسطينية. انتقل والدها للحياة في فلسطين، عاشت في القدس، بعد النكسة انتقلت الأسرة إلى الأردن، ثم في العام 1985 عادت نهائيا إلى لبنان وأكملت دراستها في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ثم درّست فيها وأصدرت العديد من الكتب حول الكثير من القضايا. وكانت الجزائر في وقت من الأوقات شغلها الشاغل حتى أن أحدهم ظن أنها أسمت طفلتها »جزائر« لكنها في الحقيقة أسمتها »حنين«... اليوم تحكي ب»الفلسطيني« وتعيشه... »فلسطين تعيش في دمي« وفي المنزل ايضا. على الحائط المقابل لوحة أخرى أهداهما إياها الصديق نفسه: »تل الزعتر«... لا لوحة للمجزرة على الحائط، لكن لها أكثر من ذلك في حياة بيان وفي منزلها. لها عشرون عاما... »أنا عايشة مع الأشرطة ورواياتها، بخيال المجزرة وبذاكرتها«. ..اليوم صدر الكتاب. لكن شيئا في جسدها لم يهدأ بعد. »مرهقة، أشعر بانعدام وزن.. أقول لنفسي أحيانا لما كل هذا. الكتاب انتهى..«. بدأت المجزرة تعيش في جسدها منذ اللحظة الأولى. في العام الأول كانت تستفيق دائما عند الفجر. ساعات قليلة جدا. لم يكن النوم سهلا. كان لديها دائما ما تنسخه من شريط لآخر، بهدف الاحتفاظ دائما بنسخة ثانية، وما تنقله من منزل صديقة لمنزل أخرى، كان لديها مقابلات في المخيم أو في منزلها أو منزل صديقاتها. ولكن كل ذلك كان يجري في السر. »لو كان في قدرتي أن أقوم بالمقابلات كلها في بيوت المعذبين الصامدين لما ترددت، لكن ذلك كان من المستحيلات لدواع أمنية، فالمنطقة المنكوبة كانت منطقة مراقبة باستمرار، وكان مجرد ذكر كلمة المجزرة، بعد انتهاء موسم الإعلام الأجنبي في الأيام الصعبة الأولى، قد بات من المحرمات« كما قالت في مقدمة كتابها. واليوم تقول أن هذه الوثائق الأولية والأشرطة التي صنعت الكتاب »صبرا وشاتيلا«، ما زالت أيضا محفوظة في مكان غير معلن . ما زالت بيان في »زمن« المجزرة، أصدرت الكتاب بالعربية وفي طريقها إلى إصداره بالانكليزية، وهناك أصدقاء فرنسيون عرضوا عليها ترجمته إلى الفرنسية، وما بعد الكتاب بالعربية... عدد هائل من الرسائل الالكترونية. وانتظار ما يمكن أن ينتج عن كشف الحقيقة بالأرقام »أنا أتخيّل العدو الصهيوني. وكل الناس المسؤولين الآخرين، الرأي العام الذي يتعاطف معنا، أصدقاء ايطاليون واسبانيون وفرنسيون، الذين يتكلمون عن الموضوع كأن المجزرة مجزرتهم«. زمن المجزرة لا يبدو أنها ستتمكن يوما من العيش خارج »زمن« المجزرة.. »لا يمكنني أن أقول لك اليوم ماذا فعل بي البحث عن المجزرة.. ربما بعد خمس سنوات أو ثلاث أو أثنتين. يعني ما زلت متعايشة مع المجزرة. أنا جزء من كل هذا. تلزمني المسافة لأرى«... وزوجها، »مساعدته وتفهمه«...« لو بدي اتخيلو انسان تاني، كان يمكن حياتي تكون مختلفة«. والمنزل. كان جيدا أن كل أطفالها كانوا قد كبروا. عندما وقعت المجزرة. وقررت أن تدخلها في حياتها. والسنون الفاصلة: مشروع التاريخ الشفهي عملت عليه بين تشرين الثاني 1982 وبين تشرين الثاني 1985 ثم عادت لاستكماله قبل انتهاء القرن العشرين. وفي المرحلة الثانية عملت على جمع الأسماء واللوائح... والنتيجة كتاب بالأرقام، بالاسماء... وبالروايات..« في كل العالم. لا أحد يصدر فرمانا بمجزرة. ويحضر لك نسخة عنه. شؤون المجازر عادة سرية. أنا في البداية كان مشروعي وهمي توثيق هذه المجزرة. ولينتج عن ذلك ما ينتج«. حتى في السنين الفاصلة انتظرت، ولكنها لم تنس، في »كلمة الشكر« التي طالت في مقدمة الكتاب، كان هناك ما لا يعد من الأسماء، معظمهم ممن التقتهم في هذه السنين الفاصلة...وخلالها أيضا زارت متحف »الهولوكست«، أرشيف الهولوكوست، بعد افتتاحه بفترة وجيزة في العام 1985، هي لا تقارن المجزرة بالهولوكوست التي احتوت على أعداد هائلة من الضحايا. العدد ليس مجالا للمقارنة. ولكن النوعية واحدة. نوعية الاجرام. افناء البشر نفسه في الحالتين«. عاشت بيان وجعلتنا في ذلك الكتاب، من خلال تلك الروايات نعيش المجزرة، وما كان بالامكان معرفة أخبار منير إلا منها. »منير بخير، إنه متماسك«. هو الطفل الذي ابن الثانية عشرة، الذي نجا من ملجأ أبو ياسر. قابلته بيان بعد ثمانية أِشهر من المجزرة، لم يتكلم كثيرا، جاره تحدث أكثر، كان ممن نجوا لأنه لم يرفع رأسه، عندما كان بالقرب من أمه ونزلاء الملجا الآخرين، مرميين عند الحائط بعد ان رشتهم المليشيات بالنار. ثم قالوا لهم »اللي نجرحت فيكم مستعدين ناخدها على المستشفى. قوموا تنشوف«. وكانوا يطلقون رصاصة الرحمة على من يصدق. »كان على منير أن يتظاهر بالموت كي يعيش«. »مر أكثر من سبعة عشر عاما. جاء منير إلى بيروت من واشنطن شابا قوي العضلات، خلوقا كما كان لكنه يتكلم أكثر قليلا«. منير خرج من بيروت، لما ضرب الطبيب البريطاني الذي كان يعالجه على الطاولة »يجب أن ينقذ الفتى، يجب أن يخرج من المنطقة ولو إلى حين، كي يسترد نفسه«. ما حال منير اليوم. بيان تعرف. ما زالت تلتقي منير. آخر اللقاءات زيارة في المستشفى في الولايات المتحدة، عملية طارئة للقلب. منير هو من وجد بيان بعد كل هذه السنين. بعد خروجها من أحد المؤتمرات التي كانت تشارك فيها في نيوجرسي في الولايات المتحدة، وجدت من يندفع باتجاهها. »عرفته من لهفته، ملامح وجهه فورا عادت إلي«. منير بخير. »لكن المجزرة أثرت على كل الناس أكثر مما تتصورين«. لا يمكننا أن نسأل بيان عن كل الناس. لكنها قد تعرف ما حل بهم. لها بينهم اليوم على الأقل سبع صديقات.. ولكن صوتا معينا ما زال يبكيها كلما سمعته على المسجل قالت لها »هلق . إنت رح تحكي اللي صار. إي روحي يا بنتي الله وعلي معك«. لقد تمكنت بيان من اثبات المجزرة. ولكن ما المهم في ذلك. الحقيقة. »ربما هي محاولة ولو ضئيلة لتجنب مجازر قد تحدث في العالم«. أجمل ما اكتشفته خلال هذه السنين، »فهمت أعماق النفس الغربية الراقية«. »أريد أن أعترف وأقولها بصراحة، ردود الفعل في الغرب أضعاف ردود الفعل الآتية من العرب«. كانت هنا تتحدث عن الدعوة المرفوعة من قبل أهالي الضحايا ضد شارون، وهي بالمناسبة عضو في لجنة مساندة الدعوى ضد شارون. »هناك متابعة هائلة في العالم، ما كان لأحد أن يتصورها«. ما زالت تأمل بأن المحاكمة يوما ما ستقام. لا بد من زوال جيل شارون وجيل الآخرين. سيأتي يوم يكون لهذه الحقيقة معنى. سبق وكان للحقيقة معنى لما كشفت اسرائيل عن وثائقها. واكتشف المؤرخون الاسرائيليون أن الفلسطينيين لم يهاجروا بملء إرادتهم. لقد هجرهم »الهاجانا« لم نحصل على اعتذار ولكن على اعتراف بما حصل«. تؤمن ب»الحس الانساني العالمي العميق«، وبأن الأمور ستتغير في العالم. »الحس العالمي ينضج أكثر وأكثر.. يذهب باتجاه نقيض لما يفعله الكثيرون«. كيف لا يمكن لامرأة اشتغلت على الحقيقة أن لا تؤمن بعالم أفضل. هنيئا لها كل هذا الايمان. هنيئا لها. لأنه اتيح لها أن تبحث عن حقيقة ما وتحصل عليها. هي بالتأكيد أكثر ايمانا ممن ما زالوا ينتظرون شيئا ما يسقط من السماء ويغير العالم.