As Safir Logo
المصدر:

كيف نكتب تاريخ الحرب الأهلية في لبنان؟ مؤرخون وسياسيون يجيبون لا نتفق على الرواية ولا الأسس.. والتسوية تقع في الفراغ

المؤلف: عطوي باسمة التاريخ: 2003-06-20 رقم العدد:9525

كثيرون هم الذين يتكلون على كتاب التاريخ لإنتاج صورة موحدة عن النفس وعن المستقبل، ولإنتاج ثقافة مشتركة في لبنان. لعل أولى الإشكالات التي أنتجها كتاب التاريخ كانت في أوائل التسعينيات، في المحاولة الأولى لكتابته، يومها كان الاعتراض الشهير للنائب وليد جنبلاط، على أن الوقت لم يكن آنذاك ملائما للبدء بالكتابة، ثم كانت المحاولة الثانية بعد صدور مرسوم عن مجلس الوزراء يحدد الأهداف والأنشطة للكتاب، وتولى المركز التربوي للبحوث والإنماء تشكيل لجنة للكتابة، إلا أن صدور الكتاب تعثر مرة أخرى بسبب اعتراض الوزير عبد الرحيم مراد، الذي كان وزيرا للتربية آنذاك، على محتوى أحد الدروس في صف الرابع ابتدائي الذي يساوي بين الحملات الصليبية والفتح العربي لمنطقتنا، بعدها شكل مراد لجنة ثانية تقوم حاليا بإعداد الكتاب. وبغض النظر عن الأسباب الأخرى التي عرقلت صدور الكتاب للمرة الثانية، إلا أن اختلاف ذوي الاختصاص على مفردات لتوصيف حدث تاريخي يعكس تناقضا جذريا بين هؤلاء، الى جانب اختلاف رؤى السياسيين حول الموضوع نفسه، فهؤلاء، بشكل أو بآخر شاركوا في صناعة فترة غير بعيدة من تاريخ لبنان، والاستنتاج الأول هو أن هناك إجماعا لبنانيا على الاختلاف حول رؤية الأحداث التي صنعت التاريخ، وفي خضم هذه الاختلافات جميعها يوضع حاليا »كتاب تسوية« إذا جاز التعبير، لا يتطرق الى تفاصيل الحرب اللبنانية، بل يتم التركيز فيه على البعد العربي في تاريخنا، في الوقت الذي لا يزال الاختلاف قائما ومستعرا بين اللبنانيين حول هوية لبنان الثقافية والاجتماعية وأسباب الحرب اللبنانية. التبرير الرسمي لصدور الكتاب يرجعه مراد الى الاستجابة لمتطلبات عصر العولمة والعواصف السياسية التي تهب على المنطقة وبالتالي فمحاور الكتاب ستتركز على أن لبنان هو جزء مستهدف من الأمة العربية ومرتبط بها، وذلك حفاظا على مصالحه بغض النظر عن الرباط العاطفي الذي يشده الى المنطقة المحيطة به، في حين أن تفاصيل الحرب اللبنانية لن تأخذ حيزا كبيرا، لأن لبنان، بحسب مراد، يحتاج الى نحو عقدين من الزمن كي يتمكن من كتابة تاريخ الحرب بشكل موضوعي وبعيد عن التشنج. هذا الحرص الرسمي على البعد عن القضايا الخلافية، يعطي مبررا لمحاولة رسم صورة واضحة قدر الإمكان عن مكونات هذا الخلاف، والذي هو محصلة ايديولوجيات ورؤى سياسية وثقافية متقاطعة بين اللبنانيين، سواء أكانوا مختصين في كتابة التاريخ أم مفكرين أم سياسيين. الإشكالية الأولى هي في التوقيت نفسه، إذ إن الاعتراض يتركز عند البعض على عدم ملاءمة إصدار كتاب التاريخ الجديد في الوقت الحاضر لأسباب شتى، منها ما هو متعلق بفلسفة الكيان اللبناني نفسه، ومنها ما هو مرتبط بعدم تطبيق اتفاق الطائف ووثيقة الوفاق الوطني، ومنها ما هو خاص بالشارع اللبناني الذي لا يزال يتخبط بحالات مذهبية طائفية ومذهبية. إشكالات ومشاكل وبالرغم من إقرار الجميع بأن كتابة التاريخ هي مسألة صعبة، إلا أن كل جهة تبرر الموانع من وجهة نظرها السياسية والثقافية، إذ يتفق كل من توفيق الهندي (عضو في تجمع قرنة شهوان) وطلال عتريسي (مدير كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية) ونصري الصايغ (كاتب وباحث) على أن ليس هناك كتابة موضوعية للتاريخ مئة بالمئة، ويبرر الهندي ذلك بالقول »إن لبنان لا يزال يفتقد التوازن في السلطة، لذا فإن كتابة التاريخ وتربية النشء على أساسه لا يمكن أن تكونا بالحد المطلوب من الموضوعية لأن الأزمة وإن توقفت الحرب، مستمرة على المستوى السياسي وعلى مستوى التمثيل. السلطة التي تشرف على كتابة التاريخ برأيه، ستجعل كتابته تناسب توجهاتها، فوثيقة الوفاق الوطني لم تطبق حتى اليوم والحكومات المتعاقبة لم تكن حكومات وفاق وطني. فذيول الحرب لا تزال مستمرة ولم تسمح للبنانيين حتى الآن في بلورة توافقها السياسي في مؤسسات الدولة ولا حتى في الحياة السياسية في البلاد«.. الخشية إذن عند الهندي في ظل هذه الأجواء هي من أن تفرض القوى المهيمنة على السلطة نظرتها في هذا التاريخ الحديث من خلال إمساكها بقدرة التقرير في هذا الموضوع في حين أن الموانع بالنسبة للصايغ مختلفة ومتعلقة بالهوية الكيانية للبنان، بالإضافة الى عدم قدرة أي مؤرخ برأيه، أثناء الكتابة، على أن لا يتأثر بثقافته ونظرته الخاصة، وبالتالي تبدأ من هنا النقطة الفلسفية، فحين ندرس أنفسنا نختلف، ويعطي الصايغ أمثلة على ذلك هو الخلاف على الخلافة الإسلامية والانقسامات في الكنيسة التي لا تزال موجودة الى يومنا الحاضر، ومن هنا يصبح الخوف مبررا من أن يلفق للتاريخ أو عليه الى حد إنكار الأحداث أحيانا. هذا التبرير حول عدم تناسب التوقيت لا يمنع من القول ان الاختلاف على التاريخ طبيعي عند الدول، وبين الدول أيضا، إلا ان الصايغ يرى كتابة تاريخ لبنان مستحيلة، لأن الخلافات عند الدول تقع في وجهات نظر حول تاريخ أحداث ما دون ان تمس الدولة، وبالتالي فهي تمنع إذا مست بأسس الكيان وبالتالي فإن نشوء كيان لبنان مختلف عليه حتى الآن والسؤال لا يزال يطرح، هل هو كيان استقلال أم انفصال، كما ان هناك تناقضا جذريا عند الطوائف للقراءة التاريخية للحرب، فالهوية الثقافية للبنان غير معروفة وكذلك الأمر بالنسبة للهوية السياسية والاجتماعية وكل هذه النقاط هي في أساس الدولة. عقدة كتابة التاريخ بالنسبة لعتريسي تشبه الى حد كبير عقدة التعليم الديني وهما برأيه لا ينفصلان، بمعنى ان الطوائف رفضت كتاب التعليم الديني الموحد وأصرت على ان يكون هناك كتابان، أما أسباب صعوبة كتابة التاريخ فيرجعها الى الوهن بالشعور بالمواطنية واستمرار الانتماءات الطائفية والمذهبية وكذلك بعض الطموحات بالعودة بلبنان الى الماضي لتغيير التوازنات السياسية الحالية بالإضافة الى صراع المنطقة الذي لم يحسم بعد، وبالتالي فإن الرهانات ستبقى مستمرة وسيكون من الصعب كتابة التاريخ من وجهة نظر واحدة، وأيضا مستحيل ان يكتب من وجهتي نظر متعارضتين، وبالتالي لا فائدة من صدور كتاب تاريخ لأنه سيعيد تحريك كل ما هو كامن من خلافات صنعتها الحرب الأهلية ومن الأفضل الانتظار حتى نضوج صيغ معينة تسمح بصدور كتاب فيه الحد الأدنى من الاتفاق. مؤرخون وسياسيون عدم القدرة على التجرد والتأثر بالثقافة والأفكار الخاصة، بالإضافة الى اختلاف الرؤية للبنان كوطن في الماضي والمستقبل، لا تظهر فقط في كلام السياسيين الذين يعبرون عن أيديولوجية خاصة، بل أيضا عند المؤرخين والمفكرين أنفسهم، فتاريخ لبنان بالنسبة للدكتور ابراهيم بيضون (مؤرخ وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية) ليس تاريخا منعزلا عن تاريخ المنطقة بل هو جزء من بلاد الشام تجب قراءته كتاريخ موحد مع تاريخ المنطقة ولا تصح قراءته منفصلا منذ العام 1920 أي منذ تأسيس لبنان، كما ان لبنان برأيه من الناحية الثقافية يشكل عمقا حضاريا ضمن هذه الوحدة التاريخية لكنه مميز بنكهة ثقافية ما في الوقت الذي تتصل جذوره بهذا المدى الحضاري الواسع في بلاد الشام والمنطقة العربية، ويشير بيضون الى انه اعتدنا على ان يدرّس تاريخ لبنان كجزء يمثله جبل لبنان باعتبار هذا الجبل كان محورا لأحداث وتطورات ومتغيرات فسلطت عليه نتيجة لذلك الأضواء فيما كانت الأجزاء الأخرى التي تشكل منها لبنان الحالي محذوفة الى هامش النسيان ولم تندرج في أي الكتابات السابقة. لذلك فإن أي محاولة لكتابة تاريخ لبنان تبقى ناقصة إذا لم يراع تاريخه الشمولي الممثل بكل مناطق لبنان كما يقول بيضون الذي يعطي مثلا على ذلك منطقة جبل عامل ومن ذلك مثلا منطقة بنت جبيل التي قاومت الفرنسيين عام 1936، وسالت دماء ولم يأتِ أحد على ذكرها، مشيرا الى وجوب مراعاة الموضوعية في كتابة التاريخ المدرسي والا نذهب بعيدا في اصطناع بطولات. علما انه من المهم اظهار صورة وطنية مشرفة، ولا يكون ذلك على حساب الحقيقة وتفاصيلها. عند الدكتور راوول عساف (مؤرخ وأستاذ محاضر في الجامعة اليسوعية) كتابة التاريخ تخضع لمعايير مختلفة، فالمؤرخ برأيه لا يتعاطى بالقصص المصيرية التي هي من اختصاص السياسي. وبالتالي ليس عليه ان يلجأ الى التنجيم على حد قوله، أثناء رواية الأحداث، بل ان يكتبها من خلال الوثائق والصور والاحصاءات والبعد الاقتصادي والاجتماعي للأحداث. فالتاريخ لا يُكتب لفبركة المستقبل او تركيبه، حتى نصل به الى نقطة محددة، فلبنان نشأ في العام 1920، إذن تطور المجتمع اللبناني نحو الاستقلال وبدأ الكلام عن افتراضات ورهانات على الاستقلال الى ان تم ترسيمه في العام 1920 تم الاعتراف به عام 1923 نتيجة أحداث على الأرض منها انهيار السلطة العثمانية، واعلان مبادئ ولسون والمناداة بسوريا الكبرى والمراسلات بين مكماهون والشريف حسين وارتباطات سايكس بيكو كل هذه العوامل سمحت للمنادين بالاستقلال بنيله بتغطية فرنسية. عند المفكر منح الصلح تأخذ ولادة لبنان بعدا عربيا أوسع، إذ برأيه يكتب تاريخ لبنان انطلاقا من تصوره لنفسه من واقعه الدستوري كدولة ومجتمع متعدد ذي مؤسسات ومكتسبات حضارية وكجزء طليعي من الأمة العربية بدأ تكونه عبر محطات أهمها وأجدرها بالتوقف برأي الصلح هي عند الاندفاعة التاريخية لابراهيم باشا المصري نحو لبنان ومعه أصدقاؤه الفرنسيون، حين بقي في بيروت من عام 1832 وحتى عام 1840، سنوات تكونت فيها أسس بيروت المعاصرة وملامحها كمدينة عربية مفتوحة على التقدم الحضاري الغربي والعالمي تجاريا وثقافيا وسياسيا، إذ نشأت لمصر والفرنسيين بالجبل اللبناني علاقات خدمت الجبل والمسيحيين خصوصا، وشكلت شبه قاعدة للبنان في ما بعد، كما ان حوادث 1860 في دمشق هجرت مسيحيي سوريا الى بيروت ولبنان عموما. ومما لا شك فيه ان معايير كتابة التاريخ بالنسبة للسياسيين تتأثر بشكل او بآخر بمعايير المؤسسة الحزبية التي ينتمي اليها، وهذا ما يُظهر الهوة القائمة بين الرؤى السياسية اللبنانية حول تاريخ لبنان ومستقبله في آن، فالمعيار الأساسي بالنسبة لخالد حدادة (عضو مكتب سياسي في الحزب الشيوعي اللبناني) هو المستقبل وليس الماضي، بمعنى ما هو المشروع الذي نعتمده والذي يمكن ان يحل أزمة لبنان، وعلى أساسه يمكن ان نقيّم أحداث الماضي، أما معايير كتابة التاريخ بالنسبة لحدادة فهي متعددة وأولها معيار مدى مساهمة التاريخ في صنع المستقبل ومدى مساهمة هذا التاريخ كجزء من التاريخ العربي، إذ ان الوحدة القسرية التي هي على شاكلة الأنظمة العشائرية الموجودة ولبنان ليس خارجها فشلت في تحقيق موضوع الوحدة والتنمية، ومن جهة أخرى فشل مشروع القطريات في تحقيق التنمية والحفاظ على الثروة العربية بمضمونها الثقافي والحضاري والمادي، ويجد حدادة ضرورة في ان ينطلق التاريخ اللبناني والعربي على قاعدة خلق مشروع عربي جديد يدرس فشل التجارب السابقة التي لم نكن خارجها وأهم خطوطه مواجهة الاحتلال الأميركي والصهيوني وكتابة تاريخ الهجمة الممتدة على مدى قرن بدءاً من الاستعمار القديم واهدافه وصولاً الى هذه المرحلة، وهنا من المهم ان يبرز التاريخ جوانب المقاومة العربية لهذا المشروع وسبب توقفها، وبهذا يمكن اخراج كتابة التاريخ برأي حدادة من زواريب وأسماء الآلهة الذين خاضوا الحرب في هذه الجهة أو تلك، بالاضافة الى ابراز الدور الشعبي في صناعة الأحداث ومدي ايجابيتها ومقارنتها بأحداث عديدة عبر التاريخ بالاضافة الى معيار الديمقراطية ودورها منذ بداية عصر النهضة وحتى اليوم، فهذه المعايير تؤمن عدم النظر الى أي حدث تاريخي لبناني وكأنه مصبوغ سلفاً بصبغة حزبية أو دينية. التعدد والخصوصية برأي الهندي »لا يجب ان نمحي الوقائع التاريخية بل يجب الاعتراف بلبنان كمجتمع مكون من عدة مجموعات طوائفية وكل منها لها تاريخها الخاص في لبنان وفي سياق المنطقة العربية والاسلامية التي قامت، وهنا يشدد الهندي على ضرورة عدم طمس الفروقات أو تغييب الحقائق عن النشء انما ابرازها بهدف التأكيد على ضرورة العيش المشترك وقبول الآخر كما هو وليس كما نريده ان يكون والاتعاظ من التاريخ لعدم الوقوع في أخطاء الماضي في المستقبل. والتأكيد على عروبة لبنان برأي الهندي يجر على التأكيد على خصوصيته في آن معاً، فلبنان السياسي ليس وليد الاستعمار، هو موجود منذ أيام امارة فخر الدين على الأقل، معتبراً ان هذا التمايز ربما يعود الى جغرافية لبنان التي استجلبت اليه كل المجموعات التي حاولت الدفاع عن خصوصياتها سواء من المسلمين ام المسيحيين، فالتعدد لا يولد التناقض بين الانتماءات المتنوعة للبنان والتي هي الانتماء الفردي والطائفي والمذهبي والعشائري والوطني والعربي، بل هي في صميم تركيبة اللبناني مما يعطيه المناعة كي لا ينهار لبنان كما حصل مع يوغسلافيا، وبالتالي فالديمقراطية اللبنانية نابعة من هذه الخصوصية، وهي بالتالي نموذج يحتذى به ويمكن تعميمه على الأنظمة العربية الأخري كما قال خاتمي. لا تقتصر معايير كتابة التاريخ عند عتريسي على البعد السياسي للأحداث الماضية والواقع في آن، اذ برأيه يتعدى ذلك الى ابعاد ومتطلبات أخرى اجتماعية وقانونية تنعكس على الجوانب الاجتماعية، موضحاً ذلك بالقول »بمعنى ان يشعر كل لبناني انه ينتمي فعلاً الى هذا الوطن وبأن الجميع على قدم المساواة أمام القانون وبأن معايير العمل والتفوق والوظيفة هي معايير الكفاءة وليس الانتماء المذهبي والديني، ولو حصل ذلك لصار بالامكان الاعتراف بما فعله الجميع في الحرب الأهلية وبما فعلته الحرب الأهلية بالجميع باعتبار انها كانت مرحلة سوداء في تاريخ لبنان اما في الوضع الحالي الذي لم يشف تماماً من آثار الحرب الأهلية فيصعب معه العودة الى المفاهيم أو الشعارات التي رافقت تلك الحرب، كما يصعب تجاهلها لأن المشاعر الطائفية لا تزال قوية، وتتفاقم يوماً بعد يوم، وبالتالي ليس من المصلحة العامة اي اثارة لهذه المشاعر في الوقت الذي لم تتحقق الشروط التي تجعل من كل المواطنين اللبنانيين متساوين أمام القانون والكفاءة، علماً ان هناك مسألة مهمة تحققت في السنوات الماضية هي تحديد العدو بالنسبة الى لبنان وهذا أمر اصبح الى حد كبير موضع اجماع بين اللبنانيين ولم يكن كذلك أثناء الحرب الأهلية، وهو مكسب كبير وربما نكون بحاجة الى وقت لانضاج مسائل كانت موضوع اختلاف اثناء الحرب الأهلية ومنها تاريخ لبنان. إذن كتابة تاريخ الحرب الأهلية هي العقدة الاصعب في كتابة تاريخ لبنان ككل، وبالتالي هناك شبه اجماع على ضرورة انضاج ظروف خاصة تسمح بكتابتها، يختصرها الهندي بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني، بعدها تصبح الأرضية جاهزة لنقاش أسباب الحرب والتي بدأت بأزمة 1958 ثم الأسباب الداخلية والتطاحن الأميركي والسوفياتي والصراع العربي العربي على لبنان والوجود الفلسطيني المسلح، ويعتبر الهندي أنه ليس من الخطأ التنوع في فهم الأسباب طالما أن النتيجة هي التشديد على نهائية الكيان اللبناني. عند عساف كتابة تاريخ لبنان والحرب خصوصا يجب أن تشمل كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، فالحرب اللبنانية برأيه لم تغير وجه لبنان كبلد خدمات، أو وجهه الثقافي أو التوزيع الاجتماعي ولا الطروحات السياسية في المطلق، بل إن هناك أمورا عديدة تطورت ولم يتغير الكثير على الأرض، سوى الاختلاط بين الطوائف اللبنانية، كما أن السبب الأساسي للحرب ليس التدخل الأجنبي فكتابة التاريخ المدرسي يجب أن توازن بين العوامل أو الأسباب البسيكولوجية والفلسفية والاجتماعية للأحداث، وبالتالي يجب تفسيرها للأجيال ضمن منظار العولمة، فالتذكير بمآسي الحرب يمنع الاندماج، وبالتالي ليس هناك تاريخ موضوعي، بل أنواع من التاريخ الذي يتطور ويسمح لي بقراءة الأحداث بطرق مختلفة في المستقبل وبحسب ظروف الفترة الزمنية التي يوجد فيها المتلقي أو النشء. عند الصايغ كتابة أسباب الحرب الأهلية هي في غاية الصعوبة إن لم تكن مستحيلة، فالكتاب الذي لا يجمع عليه اللبنانيون يؤدي الى فتنة دموية. فبرأيه الكتاب الذي لا يرضي المسيحيين لا يدخل مدارسهم والعكس صحيح أيضا، إذن العقبة الأساسية هي في ثقافة الانتماء، ويتساءل الصايغ أين هو الوطن النهائي في الثقافات غير المسيحية وأين الانتماء العربي في الثقافات المسيحية، فالاختلاف الثقافي اللبناني هو كان أحد أسباب الحرب التي لم ينظر فيها أحد من الناحية الثقافية، بل كان هناك كسب سياسي لفئة وخسارة لفئة أخرى، وبالتالي أي كسب سياسي وثقافي لفئة يهدد كيان لبنان، فالكيان اللبناني الحالي مرتبط بالنظام السياسي وهذا ما لا نشهده في كثير من الدول.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة