As Safir Logo
المصدر:

هل تبقى كنيسة مارونية واحدة أم تنشأ »مارونيات«؟

صفير مع عبد الأحد الذي زار المجمع أمس
المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2003-06-17 رقم العدد:9522

»الكنيسة المارونية في انتشارها العالمي« من الملفات الشائكة المطروحة على المجمع، وأمس فُتح باب النقاش والبحث في هذا الموضوع، وقد أوجز المطران بولس منجد الهاشم هذا الملف واضعاً الاصبع على الجرح بحثاً عن علاج شافٍ. وقد استهل الهاشم كلامه بالتأكيد »ان الموارنة متواجدون اليوم في مختلف بقاع العالم وترتفع الصلوات من كنائسهم بجميع اللغات الى جانب السريانية والعربية، وهم يدينون بالولاء للبلدان التي استضافتهم او ولدوا فيها ويحلم بعضهم بالعودة الى قراهم ليدفنوا مع آبائهم وأجدادهم، ومن خلال تنوّع انتماءاتهم الوطنية يعطون كنيستنا المارونية بُعدها الجامع«. وقدّم لمحة تاريخية عن الانتشار الماروني معدّداً المشاكل التي يجابهها الموارنة في بلدان الانتشار كي يحافظوا على هويتهم ومنها »النقص في عدد الكهنة، اللغة المستعملة في الطقوس، التحاق العديد من موارنة الانتشار بالكنائس اللاتينية، العلاقة بالكرسي البطريركي، العلاقة مع الكنائس اللاتينية المحلية. أصبح عدد الموارنة في بلدان الانتشار يفوق بكثير عددهم ضمن حدود أراضي البطريركية، إنه وضع جديد يفرض على الكنيسة المارونية إعادة تقييم شامل لأولوياتها الرعائية واساليب عملها وحتى هيكليتها، وقد ارتفعت اصوات في بعض بلدان الانتشار، او قد ترتفع مستقبلا، للمطالبة بحقها في التمايز عن الكنيسة الأم وفي التأقلم مع مجتمعاتها. الكنيسة المارونية مدعوة الآن، ومن خلال الاعمال المجمعية، الى القيام بعمل جدي ودراسة وافية واتخاذ تدابير جذرية بخصوص القضايا والمشاكل التي تعترض مسيرتها في لبنان وفي الخارج. لا بد من برنامج عمل جدي للمرحلة المقبلة وإلا داهمنا خطر تفكك وحدة كنيستنا المارونية، لا سمح الله. هناك عناصر اساسية مكوّنة للهوية وهي التي تحدد اصالة الانتماء الماروني بصرف النظر عن الزمان والمكان، فالكنيسة المارونية هي بطريركية، انطاكية، سريانية مشرقية، خلقيدونية ونسكية. لا ترتبط هذه العناصر بوطن او بعرف وهي تبرز طابع الشمولية في الكنيسة المارونية. ولكن الكنيسة المارونية اكتسبت عناصر اخرى من خلال تجربتها التاريخية الطويلة في لبنان ومن تفاعلها المستمر مع العالم العربي والاسلام، منها انفتاحها الاختياري على اللغة العربية التي اصبحت بدورها لغة ليترجية أكثر استعمالا من السريانية. تربط الكنيسة المارونية بلبنان علاقة خاصة: فيه مركز البطريركية، كما الكرسي الرسولي في روما، انه المدى الحيوي الذي نمت فيه المارونية ونضجت واتخذت طابعاً مميزاً قبل ان تخرج الى العالم الاوسع، ان التقليد الماروني استكمل عناصر تكوينه ضمن البيئة اللبنانية وفي تفاعل مستمر مع الحضارة اللبنانية وتعمّق في الرسالة المسيحية الشاملة على مدى اربعة عشر قرناً، الا ان البعد اللبناني في الهوية المارونية هو الأكثر جدلا اليوم في كنيسة الانتشار وتتوزع المواقف منه بين التمسك المطلق والرفض القاطع، مما يترك الباب مفتوحاً امام المزيد من التفكير والتعمق في هذه الاشكالية. الابناء المهاجرون تأخرت الكنيسة المارونية في اللحاق بأبنائها المهاجرين لمواكبتهم بالخدمات الروحية والاجتماعية والحفاظ على التواصل معهم مما اتاح للكنائس اللاتينية المحلية احتضان ومساعدة القسم الاكبر منهم، وان يكن من الصعب الآن اعادة عجلة التاريخ الى الوراء واسترجاع القطيع بكامله الى الحظيرة المارونية فإن في العديد من بلدان الانتشار بوارق امل للتفاؤل في هذا المجال، ولا بد من التنويه بما قام به وما بذله من تضحيات عدد من الكهنة والعلمانيين وما لهم من فضل في تأسيس الرعايا خصوصاً في الولايات المتحدة الاميركية، لربما يبدي بعض الشباب، من الجيل الثالث، وعياً لهويتهم المارونية اكثر من اهلهم، وهم يطالبون بتأسيس رعايا مارونية تجمعهم ولكننا نردّد مع المسيح: »ان الحصاد كثير والفَعَلة قليلون«، ليست المشكلة الاساسية في توفر العدد الكافي من الكهنة والرهبان والراهبات بل هي النوعية كي توجه أحفاد الموارنة وتوعيهم وتعرفهم على جذورهم وعلى اكتشاف تراث أجدادهم الروحي والحضاري. دعم لبنان وتحت عنوان دور موارنة الانتشار في دعم لبنان أضاف الهاشم »إن ضرورة التمييز بين الانتماء الماروني والانتماء اللبناني لا يمكن أن يحجب عن انظارنا حقيقة أولى ثابتة: موارنة الانتشار هم في غالبيتهم العظمى من أصل لبناني ولا يغير في هذا الواقع وجود مؤمنين أجانب انضمّوا الى الكنيسة المارونية عن طريق الزيجات المختلطة أو أفراد شدهم اليها ما تتميز به من غنى ليترجي وروحانيات. والحقيقة الثانية هي ان الكنيسة المارونية ساهمت في إنشاء الكيان اللبناني وتثبيت دعائمه وطناً تتعايش فيه أقليات متنوعة الانتماء الطائفي ويشكل نقطة تلاقٍ وتفاعل بين الشرق والغرب، ولا ينكر أحد ان لبنان هو مرجع الحضور المسيحي ومركزه في الشرق بكامله. وان يستمر لبنان وطناً حراً سيداً ديموقراطياً مستقلاً، تعددياً، تحترم فيه حقوق الإنسان وكرامته، ذلك هو سبب وجوده والهدف الذي تعمل له الكنيسة المارونية على الصعيد الوطني، وما يحق لها أن تطالب ابناءها المنتشرين بدعمه، ليس فقط من منطلق الوفاء للوطن الأم بل انسجاماً مع القيم الإنسانية والمبادئ الديمقراطية التي تنادي بها بلدانهم. ولا بد هنا من ان نسجل لبعض المرجعيات المارونية ما تقوم به من مبادرات رائدة بدعوتها مجموعات من الشباب المتحدّر الى لبنان للتعرف عن كثب على الأرض التي انطلق منها أجدادهم وعلى ما تزخر به من تراث حضاري وفكري ومراكز إشعاع روحي هي مدعاة للافتخار. هل ان الكنيسة المارونية تبقى هي هي في حال زوال الطابع اللبناني عنها في الانتشار؟ هل لها نصيب في الديمومة؟ واذا نعم، ما هي الثوابت التي تؤمن هذه الديمومة؟ هل تبقى كنيسة مارونية واحدة أم تنشأ »مارونيات« تختلف باختلاف أرضيتها الجغرافية والاجتماعية والوطنية؟ أي مارونية يمكن ان تنشأ في أقاصي الأرض والقارات، اذا ما اقتعلت من الجذور والتراث اللبناني الموسومة هي به الى حد بعيد، بفعل سرّ التجسّد؟ ما قيمة المارونية المنفصلة عن البطريركية؟ لعل لبنان حيث تجسدت الكنيسة المارونية وتجذرت على مدى أجيال وحيث اتخذت لها كياناً وتراثاً وتاريخاً وتنظيماً، يبقى هذا الرابط الفريد والمميز لموارنة العالم، بحيث يكون الوطن الروحي: فيه البطاركة والكرسي البطريركي، فيه القديسون والأماكن المقدسة والمزارات، فيه الوجود والشهادة والصمود«. ودعا الى »ضرورة ربط المنتشرين الموارنة بالكرسي البطريركي كوسيلة لا مناص منها لإحقاق المركزية المنشودة وتوحيد الموارنة وتأهيلهم لتأدية رسالتهم في النطاق البطريركي وفي الكنيسة الجامعة. ذلك يقتضي تنظيم الكرسي البطريركي كمقرّ وإدارة تجعل الاستقطاب البطريركي للمارونية مصدر تعبئة رسولية شاملة ومنظمة، فضلاً عن كون البطريركية ملتقى عائلياً ومركز إشعاع روحي، والبطريرك هو »الأب والرئيس« لكنيسته. إن قضية القضايا هي توحيد موارنة الخارج أو الاغتراب مع المارونية الأم في النطاق البطريركي لأنه إن لم يتمّ هذا التوحيد، فالمارونية المقيمة الى انحسار وانحطاط والمارونية المنتشرة الى اضمحلال وزوال. »إن المارونية ضائعة لا محال في مارونيات الانتشار إذا فقدت عنصرين أساسيين وهما المؤسسة البطريركية الموحدة في الريادة والتنظيم، واللغة السريانية في الممارسة الطقسية والعمق الروحاني والبعد الثقافي« (الأب يواكيم مبارك)«. ورأى »ضرورة إحصاء كمّي ونوعي لموارنة الانتشار في مختلف أماكن تواجدهم وانشاء بنك معلومات لهذا الغرض يجري تحديث معطياته بصورة دائمة بالاعتماد على ما توفره وسائل الاتصالات الحديثة من تسهيلات، اذ ان أية خطة توضع لمواكبة الانتشار الماروني يجب ان تستند الى معلومات واحصاءات موثوق بها، انها مهمة حيوية يرتبط انجازها بتعاون مطارنة الانتشار وتجنيدهم لكافة الطاقات المتوفرة لهم من خلال جميعات ونوادي المغتربين ومصادر المعلومات لدى السلطات المحلية، وباستكمال ما قام به كهنة وعلمانيون عديدون من مبادرات فردية في عملية الاحصاء«. وطالب بتسجيل الموارنة المولودين في الخارج ليحافظوا على الجنسية اللبنانية: الجنسية حق لكل لبناني، كما انها حق مكتسب لاولاده فلا يجوز حرمانهم منها، الانتماء الى الوطن الأم دليل أصالة وفي لبنان هو أيضاً تواصل مع حضارة عمرها ستة آلاف سنة ومع أرض أنبتت ولا تزال قدّيسين وشعراء وكتّاباً وفنانين، وبالنسبة الى الموارنة، إن لبنان يشكّل جذورهم وتراثهم ومرجعهم لا بل أحد ثوابتهم وجزءاً من كيانهم وهويتهم، انه مقر بطريركهم، أبيهم ورئيسهم. حفاظ الماروني على الهوية اللبنانية فعل وفاء للبنان وايمان برسالته التاريخية ودعم معنوي للمقيمين فيه. الاحتفاظ بالجنسية ضمان للحقوق السياسية ولحق الملكية على الأراضي اللبنانية، الجنسية اللبنانية لا ترتّب على حامليها من المقيمين في بلدان الانتشار أية أعباء ضريبية تجاه الدولة اللبنانية«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة