As Safir Logo
المصدر:

حداثة القدامى (*)

المؤلف: صبحي محيي الدين التاريخ: 2003-06-11 رقم العدد:9517

كانت حداثة الشعر الجاهلي حداثة بدوية صحراوية. أما حداثة الشعر العباسي فهي حداثة المدينة: المجتمع المدني ومؤسساته الدينية والسياسية والحرفية. المجتمع المديني العباسي مجتمع التجارة: نقل البضائع والافكار والاشكال التنظيمية، ضمن اطار حرية التداول. هذه الحرية كان لها مركزان: المسجد والحانة. في المسجد ولد الفكر العربي: التصورات اللاهوتية عند المعتزلة وأئمة السنة والشيعة، كذلك بحث اللاهوت في الأديان الاخرى والرد عليها. التاجر لا يستعمل القمع بل سلاحه المساومة، لذلك لم يكن العصر العباسي الاول الى ايام المتوكل عصر قمع سياسي او ديني. كانت التجارة ناشطة من الصين والهند الى العراق وسوريا فأوروبا وافريقيا. حين استقلت الدويلات نشأت الحدود فعرقلت طريق التجارة فتباطأ تداول الافكار وظهر القمع ثم تزايد بتزايد استقلال الدول وعرقلة التجارة والافكار معا. فولدت صورا نضرة الى حد تبدو معه مقطوعة عن اصولها، لقد وصف بكر بن النطاح من العباسي الاول ممدوحه فشبهه في مضاء عزيمته بالسيف، ولكن اي سيف! وكالسيف: إن لا يَنْتهُ لانَ مَتْنُه وَحَدَّاه، إن خاشَنْتَه، خَشِنانِ كذلك تقترن الصورة التقليدية بالتصور الفكري المبتكر فتنتفض القصيدة وتصيبنا بهزة لا يماثلها شيء في الشعر الجاهلي: وقفت، وما في الموت شك لواقف (تقليدي) كأنك في جفن الردى، وهو نائم (مولد) فمن المألوف ان يُمدح القائد بأنه وقف امام الموت، ويستمر المديح فيصف ثبات جأش القائد خلال المعركة. أما ان يولد من الموقف التقليدي المبتذل هذه الصورة الباذخة المروعة الساخرة فإن ذلك ابتكار بلا حدود. وقد يتولد من الصورة الجديدة تصور يشف عن مضمون تقليدي، ومع ذلك نحس بأن الصورة والتصور فيهما نضارة الحداثة وجدة الابتكار: ليلتي هذه عروس من الزنج عليها قلائد من جُمانِ (جديد) هرب النوم عن جفوني فيها هرب الأمن عن فؤاد الجبان (تقليدي). بما ان من غير المألوف ان يأبه السادة لأعراس الزنوج فالمناسبة طريفة. كذلك فان عقد الخرز الاحمر يجعل طلعة الزنجية بهية متقدة. مما يجمع في الصورة الجمال الى الطرافة. اضافة الى ما في عرس الزنج من البهجة والفرح العفوي مما يضفي جوا من الطمأنينة، بخلاف جو البيت الثاني الذي يوحي بالفزع والقلق، فمن المعروف ان الجبان سريع الى الخوف كثير التيقظ رهبة ورُقبة. لكن مغزى البيتين ان العبد آمن طروب والحر قلق مكروب. فهذا القلب في الادوار الذي يوحي بأن العبد حر يمرح والحر حذر طائر الجنان، يجعل الجديد تقليديا والتقليدي جديدا، مما يدخل في باب الصنعة الرفيعة. (*) من مجموعة نصوص غير منشورة سلمنا إياها الأديب قبل رحيله.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة